أقدمت السلطات الإيرانية على قطع خدمات الهاتف والإنترنت ما أدى إلى توقف المكالمات الهاتفية وتعليق الرحلات الجوية، يأتى هذا فى أعقاب سلسلة من إجراءات الرقابة الرقمية المتصاعدة التى تستهدف تحجيم الاحتجاجات فى جميع أنحاء البلاد وعرقلت حق المواطنين فى التواصل فى هذه اللحظات الحرجة. وتمثل المظاهرات تصعيدًا جديدًا فى الاحتجاجات التى بدأت بسبب تدهور الاقتصاد الإيرانى، وتحولت إلى أخطر تحدٍّ يواجه الحكومة منذ سنوات. ولكن المتظاهرين استخدموا خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك” والتى فعّلها الملياردير الأمريكى إليون ماسك للاستخدام المجانى داخل إيران، بما يتيح للمتظاهرين تجاوز القيود المفروضة على الإنترنت ووسائل الاتصال.
وجاءت انقطاعات الإنترنت فى الوقت الذى بدأ فيه الإيرانيون بالهتاف من نوافذ منازلهم ضد النظام، استجابة لدعوة ولى العهد الإيرانى المنفى رضا بهلوى، نجل الشاه السابق المدعوم من الولايات المتحدة. وأفاد محللون ومصادر مطلعة لشبكة «سى بى إس نيوز» أن حجم الاستجابة لدعوة بهلوى قد يحدد ما إذا كانت الاحتجاجات الدامية، المستمرة منذ 12 يومًا، ستنتهى كما حدث مع موجات الاضطرابات السابقة، أم ستتحول إلى تحدٍّ كبير للحكومة، وتستدعى حملة قمع أوسع نطاقًا. ونتيجة لذلك اتفق قادة بريطانيا وألمانيا وفرنسا على التنسيق بين دولهم بشأن تطورات الأحداث فى إيران، ويأتى الاتفاق وسط تصعيد فى إيران يشمل قطع إنترنت كامل.
وصرح الرئيس ترامب بأن إدارته تراقب الاحتجاجات فى إيران، وهدد باتخاذ إجراءات صارمة إذا قتلت السلطات متظاهرين، بينما حذّر النظام الإيرانى بأنه سيتخذ تدابير استباقية للتصدّى لأى محاولات من جانب أمريكا أو إسرائيل لاستغلال الاحتجاجات المنتشرة حاليًا فى أنحاء إيران على نحو يهدد أمن النظام. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو هدّد بأنه لن يتم السماح لإيران بإعادة بناء برنامجها الصاروخى النووى.
وفى الوقت الذى ارتفع فيه عدد القتلى إلى 50 على الأقل وصف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله على خامنئى الرئيس الأمريكى ترامب بأنه «مُلطّخ بدماء الإيرانيين» فى خطاب ألقاه من داخل قاعة مغلقة ومحصنة أمنيًا فى لقطات بثّها التلفزيون الإيرانى الرسمي. وأضاف أن “المتظاهرين يُخربون شوارعهم.. لإرضاء رئيس الولايات المتحدة، لأنه وعدهم بالمساعدة.. وقال إن «عليه أن يهتم بأوضاع بلاده».
كما نظمت إيران هجمة سيبرانية على الداخل الإسرائيلى، وأرسلوا رسائل لمستوطنين على حساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعى، كتب فيها: «هذا هو التحذير الأخير لك.. انج بنفسك وبعائلتك.. نحن نعرفك وهذه هى بياناتك الشخصية».
كما أظهرت مقاطع فيديو قصيرة نشرها ناشطون على الإنترنت متظاهرين يهتفون ضد الحكومة الإيرانية حول نيران مشتعلة، بينما تناثرت الأنقاض فى شوارع العاصمة طهران ومناطق أخرى. وكسرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية صمتها يوم الجمعة بشأن الاحتجاجات، متهمةً «عملاء إرهابيين» من الولايات المتحدة وإسرائيل بإشعال الحرائق وإثارة العنف. مما مهّد الطريق لحملة قمع عنيفة على غرار تلك التى أعقبت احتجاجات أخرى على مستوى البلاد فى السنوات الأخيرة. وكانت حدة الاحتجاجات قد تصاعدت بشكل مطرد منذ بدايتها فى 28 ديسمبر حيث بدأ التجار فى السوق الكبير بطهران احتجاجات على التراجع الحاد فى قيمة الريـال الإيرانى أمام العملات الأجنبية وتفاقم المشكلات الاقتصادية، وتمددت الاحتجاجات لاحقا إلى العديد من المدن. ورغم أن إيران نجحت فى السابق فى احتواء اضطرابات أكثر اتساعًا، فإنها تواجه حاليًا وضعًا اقتصاديًا أشد خطورة وضغوطًا دولية متزايدة، ولا سيما بعد إعادة فرض العقوبات العالمية على برنامجها النووي.
فى هذا السياق، أوضح الدكتور محمد محسن أبو النور، مؤسس ورئيس المنتدى العربى لتحليل السياسات الإيرانية، أن الاحتجاجات الراهنة تتميز بسمات غير تقليدية، أبرزها انتشارها فى مدن صغيرة، وغياب قيادة موحدة تتحدث باسم المحتجين، وغموض المطالب فى بعض الأحيان، إلى جانب الصمت النسبى لكثير من المشاهير والنخب الثقافية، ولعل هذه السمات لا تعكس بالضرورة ضعف الحركة الاحتجاجية، بقدر ما تعكس تعقيدًا اجتماعيًا يجعل من الصعب إخضاعها لتحليل تقليدى أو اختزالها فى سبب واحد. ولكن فى المقابل تثير مشاهد العنف وإحراق الممتلكات وظهور ملثمين فى بعض المقاطع المتداولة تساؤلات جدية حول الأطراف المستفيدة من عسكرة المشهد، فالتجربة الإيرانية تشير إلى أن انزلاق الاحتجاجات نحو العنف غالبًا ما يوفر مبررًا لتصعيد أمنى واسع، وهو ما قد يخدم أطرافًا متعددة، داخلية وخارجية، على حساب المطالب الاجتماعية المشروعة، والتى أقر بها رأس النظام.
وأكد الدكتور أبو النور أن هذه التطورات الداخلية تتزامن مع بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، لا سيما فى ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وما حمله ذلك من اختلافات جوهرية مقارنة بإدارة باراك أوباما. فترامب لا يخفى إيمانه بالتدخل الصلب واستخدام أدوات الضغط القصوى، وهو ما ظهر فى أكثر من ساحة دولية، غير أن التركيز المفرط على العامل الخارجى قد يؤدى إلى قراءة ناقصة؛ إذ إن التدخل الخارجى، وحده، لا يخلق الغضب من العدم، بل يستثمر فى أزمات متراكمة داخل المجتمع نفسه.
وأضاف أن المجتمع الإيرانى يعيش حالة تمزق حقيقية بفعل طبقات العقوبات المركبة، التى طالت تفاصيل الحياة اليومية، من العملة الوطنية التى فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وصولًا إلى صعوبات الحصول على الدواء والغذاء، والواقع أن هذه الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد أرقام، بل تحولت إلى تجربة معيشة يومية قاسية دفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى حافة اليأس. وأكد الدكتور أبو النور أن من المهم التشديد على أنه لا يمكن فهم الاحتجاجات الإيرانية الراهنة باعتبارها موجة مطلبية عابرة، ولا كمؤامرة خارجية مكتملة الأركان، بل بوصفها نتاج تفاعل معقد بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع والضغوط الدولية، فى لحظة دقيقة يمر بها النظام والمجتمع معًا.
وفيما يخص السيناريو المتوقع وعن استطاعة إيران احتواء المشهد، أوضح الدكتور أبو النور كما هو الحال دائمًا فى التجربة الإيرانية، يبقى الثابت الوحيد هو صعوبة التنبؤ بالمسارات النهائية، فى ظل قابلية المشهد للتحول السريع، صعودًا أو احتواءً، تبعًا لطريقة إدارة السلطة للأزمة، وحدود صبر المجتمع، مع ميل تحليلى إلى أن النظام لا يزال يمتلك أدوات الاحتواء، وإن باتت كلفتها أعلى وهوامشها أضيق من أى وقت مضى.
