رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

يحمل ألوان الفنان فاروق حسنى وذكرياته «المتحف الصغير» «تحفة» الفن التجريدى


19-1-2026 | 11:59

.

طباعة
كتبت : أمانى عبد الحميد

«المتحف الصغير».. هكذا أسماه. وبالرغم من صغره أصبح اليوم يمثل نقطة ضوء مليئة بالإبداع والفن والألوان. تحمل بين طياتها تأثيرات متعاقبة يستشعر طاقتها كل منْ يدخل تلك المساحة الرحبة. كتأثير أجنحة الفراشة المتطايرة، تستطيع أن تبعث فى الروح شغف بالألوان والأشكال والفراغات والخطوط. ومنذ أن فتح أبوابه فى حى الزمالك العريق باتت مساحته الهادئة دليلا قاطعا، فى زمن يعج بالاستعراض والزحام، على أن الفن والإبداع لا يحتاج إلى صخب بقدر حاجته إلى الصدق. وبهذا المتحف الصغير ذى التأثير العميق ستظل تجربة الفنان فاروق حسنى واحدة من أهم التجارب المؤثرة فى تاريخ الفن التشكيلى المصرى المعاصر.

 

عند أحد أركانه وقف يستقبل محبيه وأصدقاءه، وهم كُثر. وبابتسامة انتصار تعلو وجهه قدم لهم لوحاته وخزانة ألوانه، وما تحمله من رؤيته التجريدية عن الفن والحياة والطبيعة والكون. إنه متحفه الصغير الذى يحمل تجربته مع الحياة أكثر من مائة عمل مفعم بالألوان تتفجر داخلها كافة المشاعر الإنسانية بقوة بلا هوادة. من لون البحر الشديد الزرقة وما يمثله من مشاعر تمرد وغضب إلى لون الخضرة اليانعة وما تحاكيه من هدوء وسكينة، حتى لون الأصفر وما يمثله من مشاعر إنسانية صارخة أو حتى مشاعر دفينة داخل كل منا.

الكل جاء ليلتقى به وبمنجز حياته. يتأمل مقتنياته ولوحاته وإصراره على مواصلة التواجد بقوة وسط زخم الحياة الإبداعية والفنية والثقافية. جاءوا والفضول يملأ قلوبهم عما يحويه هذا المتحف الصغير الذى طال انتظاره. سنوات مرت وهو يردد أنه سيترك أعماله ومقتنياته وبيته ليكون متحفا يتبع الدولة المصرية ووزارة الثقافة. تبدلت كثير من الأحوال وظل هو على قوله. حتى جاء اليوم وأوفى بوعده. وحوَّل مرسمه الصغير وحديقته البسيطة إلى متحف يحمل اسمه «المتحف الصغير لفاروق حسني».

«أول متحف للفن التجريدى فى مصر..».. هكذا تحدث عنه الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق الذى أطلق عليه اسم «المتحف الصغير» نظرا لمساحته الممتدة داخل دور أرضى لإحدى عمارات حى الزمالك ذات الطراز المعمارى المميز، إلا أنه يمثل قراءة شخصية لمسيرة الفنان فاروق حسنى الإبداعية. وكل ركن من أركانه يحمل جزءا من تاريخه وتجاربه الفردية. رسومات، صور، أدوات رسم وألوان وفرشه الخاصة، مكتبه وكرسيه المفضل، حتى مكتبته الخاصة المليئة بأمهات كتب الفن والإبداع والمقطوعات الموسيقية أيضا، وأعمال فنية لرواد الفن التشكيلى فى مصر والعالم. فالمتحف الصغير يعتبر مساحة دائمة للحوار الحر مع مختلف الفنون إلى جانب الفن التجريدى المعاصر. ويحمل تأثيرا عميقا فى حركة الفن التشكيلى ويمثل إضافة جديدة لمتاحف مصر الفنية.

«إليهم أترك متحفى الصغير كى يقوموا بإثرائه بأفكارهم ورؤاهم.. هم نخبة من الشخصيات ذات الفكر والثقافة والابداع..».. هكذا تحدث «حسني» عن المتحف الصغير الذى قرر أن يكون جزءا من مؤسسة فاروق حسنى للفن والثقافة، وهو على حسب رؤيته يسعى لاحتضان شباب المبدعين والفنانين. ويردد قوله: «المتحف مفتوح لكل منْ يرغب من الشباب.. أنتم مرحب بكم فى كل وقت..». هنا تجدون مكتبة متخصصة فى تاريخ الفن والتصميم والعمارة وأخرى مكتبة موسيقية لكل من يريد أن يبحث. كما تشعرون بأن هناك تزاوجا بين الأعمال واللوحات والفراغ والعمارة. ويردد قائلا: «المتحف قد يحمل اسمى لكننى لم أحب أن أستأثر به لأعمالى وحدى.. فضلت أن يحتضن مقتنياتى من أعمال كبار الفن حتى يشعر الزائر بالسخاء الفنى..». فالمتحف ما هو إلا احتفاء بوجود كل المحبين والفنانين والمبدعين كى يؤثروا فى المجتمع ككل. أقدمه لهم هدية بكل الحب والتقدير. «هم أولى به وهو أولى بهم» على حد تعبير «حسني».

عرف المصريون فاروق حسنى بوصفه وزيرا للثقافة ونصيرا للفن والإبداع على مدار أكثر من أربعين عاما، وكان طوال تجربته الحكومية رجل دولة نجح فى الحفاظ على مكانته السياسية باحتراف، وعلى جمع الوسط الثقافى والفكرى حوله، وبالرغم من دوره السياسى، كان يطل سنويا بمعرض يحمل بعضا من رؤاه الفنية لينال حفاوة مستحقة من الوسط الثقافى والفنى. واليوم ها هو يعود مرة أخرى ليقدم تجربته الحياتية والفنية ويقوم بحكايتها بنفسه داخل مرسمه الخاص.

يفتح أبوابه للناس جميعا ليشاركوه ألوانه وأحلامه وأفكاره دون حاجز أو وسيط. فالمتحف الصغير هو مساحة حميمية اختارها لتكون بمثابة اعتراف شخصى منه كفنان متاحة أمام الجمهور. هناك يستطيع المتأمل أن يرى تفاصيل عالمه التجريدى. عندما يصبح اللون هو البطل. لا نجد حكاية مباشرة ذات تفاصيل وسرد واقعى. عالم مليء بالإحساس المفعم والخيال. يحمل رؤية تُعيد تشكيل المساحة وتقديم بعض الذكريات. تترك مهمة استكمال التفاصيل وإدراك المعنى لكل من يراها. كل ركن فى المتحف يشبه صفحة من سيرة غير مكتوبة. تتجاوز تجربة الفنان فاروق حسنى لتمتد إلى تجارب فنانين آخرين. بعضهم من الشباب والبعض الآخر هم رواد الفن المصرى. حيث يستقبل الزوار تمثال المحارب للفنان آدم حنين. وكأنه يقف ليدافع عن صديق عمره وحلمه. وداخل المتحف هناك جدار أشبه بجدار التكريم، يضم عددا من أعمال أهم الفنانين الذين أثروا الحياة الفنية المصرية منهم أدهم وسيف وانلى، منير كنعان، حامد ندا، ومن قبلهم محمود سعيد. كأننا أمام خريطة علاقات إنسانية وثقافية صنعتها سنوات الفن والإبداع عبر أكثر من قرن من الزمان.

وداخله غرف صغيرة أيضا، لكنها عميقة التأثير. غرفة تحوى شاشة تعرض كل مقتنياته وأعماله وأفكاره. تجلس أمامها فيأخذك الوقت دون أن تشعر. تستعرض كل شيء. لوحات، إنجازات، بناء، أفكار إبداعية. هى متحف صغير داخل المتحف الصغير. وهناك أيضا غرفة صغيرة أخرى تحتضن جدرانه بعضا من صوره الشخصية وبورتريهاته التى يبدو فيها بشكل يشابه لوحاته. توسطتهم لوحته القديمة لمراكب شط إسكندرية.

المتحف الصغير يأخذك فى تجربة بصرية جمالية راقية ممتعة. مليئة بألوان. تنبض بكل المشاعر الإنسانية المتضاربة والصادقة فى نفس الوقت. داخله يستطيع الزائر أن يتأمل لوحات ضخمة يبدو أنها تحكى قصة تمرد أو غضب، ولوحات أخرى تحمل مسا من الهدوء، أو يبدو عليها شعور خفى بالرضا والامتنان. أكثر من 100 عمل فنى تستعرض خلطات سرية من الألوان وتكشف عن مشاعر صادقة وأحيانا صادمة وصارخة. لا يملك كل من يراها سوى التفاعل معها على نفس القدر من الشعور. المتحف الصغير قد يحتاج لأكثر من زيارة حتى يتمكن محبو الفن التشكيلى من استيعاب هذا القدر من المشاعر المتفجرة بقوة. والتى أضفت خصوصية شديدة الذاتية والتميز للجملة التجريدية داخل أعماله الفنية.

هناك مقولة تنطبق على الفنان فاروق حسنى فحواها أن الفنان بطبعة متمرد ولو لم يكن متمردا سيظل ثابتا وتموت داخله روح الإبداع. حيث ظل على قناعاته التجريدية يبحث ويجرب ويسبر أغوار الكون من حوله فى رحلة شيقة من الألوان. انطلق من قناعة بأن التجريد هو الوسيلة المطلقة للتعبير. وداخل متحفه الصغير نجح فى إثبات أن التجريد فن راسخ يبحث فى مطلقات الأشياء والقيم والرؤى. لديه القدرة على الاقتناص من الفكر المطلق وتكثيفه فى رسم ذى إيقاع موسيقى فنى. وهذا ما نراه فى لوحاته كفنان متمرد على الإيقاع، مساحة اللون، الخطوط، التمرد من أجل خلق جديد. لوحاته تكشف عن رؤية عاطفية ووجدانية وذهنية. تضع المشاعر اللونية فى مجال له صيغة نص متكامل، كأنها قطعة موسيقية نراها بالعين.

وهو ما رصده الناقد الفنى الفرنسى ميشل نوريدسانى عندما وصف أعمال فاروق حسنى بأنها «تفاعل كيميائى مرهف, خليط من ماء النيل ومياه البحر والصحراء القاحلة، قدمها بشفافية بأسلوب جعل اللون يصعد ليهبط ببطء على بقية الألوان بتقنية لا يملكها سواه..». فالألوان هى المحور الرئيسى فى فنه التجريدى تحوى أحلامه وخيالاته ومشاهداته فى الحياة لتحولها إلى عمل فنى مادى ملموس. وهو ما وصفه عدد من النقاد العالميين أمثال كارمن سينيسكالكو وماريا تريزا بينيديتى بقولهم إنه: «صنع لنفسه لغة لونية بالغة الخصوصية، لغة يحكمها فى المقام الأول مشاعره الذاتية ثم مدركاته التى اعتاد عليها منذ الطفولة وطوال حياته..». لذا نرى أعماله وكأنها شريط من الذكريات مليء بالتفاصيل تحمل إيقاعه الداخلى.

والفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق تخرج فى جامعة الإسكندرية كلية الفنون الجميلة فى عام 1964. بدأ مسيرته المهنية عام 1965 مديرًا لقصر ثقافى الأنفوشى. ثم انتقل باتجاهه الفنى تدريجيًا من التعبير إلى الفن التجريدى فى أوائل السبعينات. والذى تجلى فى معرضه الفنى الأول فى أتيليه الإسكندرية فى عام 1970. ثم بدأ عمله بالمكتب الثقافى المصرى فى باريس من 1970 حتى 1978. وفى وقت لاحق تم اختياره ليتولى منصب مدير الأكاديمية المصرية للفنون فى روما. ويعتبر أحد رموز الحركة التشكيلية المصرية والعربية المعاصرة.

الاكثر قراءة