أعلنت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى، عن إتاحة الإصدار الثانى من «السردية الوطنية للتنمية الشاملة: السياسات الداعمة للنمو والتشغيل» عبر الموقع الإلكترونى للوزارة، بعد الانتهاء منه وفقًا للجدول الزمنى الذى تم إعلانه فى 7 سبتمبر الماضى، وذلك خلال الاجتماع الأسبوعى الأول للحكومة فى عام 2026 برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، عقب إجراء حوار مجتمعى موسع من خلال مجموعات العمل المنظمة وكذلك الحوار التفاعلى، والذى شارك فيه أكثر من 100 خبير ومفكر ومتخصص، بالإضافة إلى مشاركة مراكز الفكر والأبحاث والجامعات ومجتمعات الأعمال والمنظمات الدولية، الذين أثروا الإصدار الثانى بملاحظاتهم وآرائهم.
وتعتبر «السرديــة الوطنية» الإطــار العــام للتنميــة الشــاملة الــذى يُحقــق التكامل بين رؤية مصر 2030 والاستراتيجيات القطاعية المحدثة، فى ضــوء المتغيرات المتسارعة التى تفرضها المستجدات الإقليمية والدوليــة، بهـدف التحـول نحــو نمــوذج اقتصــادى قائــم علــى تكثيــف الجهــود الداعمــة للتنميــة البشريـــة لتحسين جــودة الحيــاة، مــع التركيز بشــكل أكبر علــى القطاعــات الأعلــى إنتاجيــة، والأكثر قــدرة علــى النفــاذ للأســواق التصديريــة، مستفيدة ممــا تــم إنجــازه مــن بنية تحتيــة متطــورة، فــضلا عــن إعــادة تعريف دور الدولــة فى الاقتصــاد، بمــا يعزز القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى ويحفز مشـاركة القطــاع الخــاص، وذلــك استكمالا لمسار الإصلاح الاقتصادى وترسيخ استقرار الاقتصاد الكلى.
وتتبنى الحكومة، من خلال الإصدار الثانى للسردية الوطنية للتنمية الشاملة، نموذجًا اقتصاديًا جديدًا، يرتكــز هذا النمــوذج علــى تحقيــق مخــرجين رئيســيين، يتمثلان فى تحقيــق نمــو اقتصــادى مرتفــع ومســتدام، وضمــان توزيــع أكثر عدالــة لثمــاره، وتنطلــق هــذه الرؤية مــن قناعــة راســخة لدى الدولة بــأن تحقيــق نمــو مســتدام وشــامل يتطلــب التحــول نحــو القطاعــات الأعلــى إنتاجيــة، باعتبارهــا المحــرك الرئــيسى لخلــق القيمــة المضافــة وتعزيــز القــدرة التنافســية للاقتصــاد الــوطنى، وفى قلــب هــذا التحــول يــأتى المواطن بوصفــه الأســاس لأى عمليــة تنمويــة ناجحــة، ولا يقــتصر الاســتثمار فى رأس المال الــبشرى بتنميــة المهــارات أو تلبيــة احتياجــات ســوق العمــل فحســب، بــل يمتــد ليشــمل التنميــة الشــاملة للإنســان، مــن خلال الارتقــاء بجــودة التعليــم والصحــة والثقافــة، وبنــاء القــدرات، وتعزيــز الإبــداع والابتــكار.
وتعد التنميــة البشريــة الــركيزة الأساســية للنمــوذج الاقتصــادى الجديد، وضمانــة أساســية للتوزيــع العــادل لثمــار النمو علــى كافــة الفئــات وشرائــح المجتمــع، وبمــا يراعــى سـدّ الفجــوات التنمويــة الجغرافيــة، لذا تتصدر النسخة الأخيرة من «السردية الوطنية» من خلال محورها الأول، وذلــك لأهمية المواطن المصرى كغاية ومحرك للاقتصاد، فيما تتتابع المحاور الأخرى وفق ترتيب أولوياته كاستقرار الاقتصاد الكلى، والتنمية الصناعية، والاستثمار بمختلف أشكاله بما فى ذلك المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والقطاع المالى غير المصرفى والاستثمار العقارى والتجارة الخارجية، بالإضافة إلى التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتعزيز كفاءة ومرونة سوق العمل، ثم التخطيط المكانى لتوطين التنمية الاقتصادية، فضلا عن التعاون الدولى والشراكات الاستراتيجية، ويشمل البرنامج التنفيذى للسردية تحديد دور كل وزارة فى الحكومة لضمان تحقيق المستهدفات، حيث تحتوى النسخة الثانية من السردية على 17 محورًا، لكل منها ملخص تنفيذى يوضح الأهداف والخطط الخاصة به.
تنمية شاملة
ويرى الدكتور ماجد خشبة، رئيس قسم الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومى، أن الإصدار الثانى من «السردية الوطنية للتنمية الشاملة: السياسات الداعمة للنمو والتشغيل» شهدت تطورًا إيجابيًا بتحول هذه الوثيقة من المنظور الاقتصادى إلى منظور التنمية الشاملة، بما يحولها من وثيقة اقتصادية بحتة إلى وثيقة تنموية شاملة، مبينًا أن هذا التحول جاء بناء على مدخلات ووجهات نظر المشاركين فى الحوار المجتمعى حول الوثيقة، مشيرا إلى أن الفصل الأول اشتمل على العديد من الإيجابيات، منها: أولا التركيز على تمكين المواطن المصرى وتعزيز دوره التنموى والمجتمعى، فالسرديــة تتبنى إطــارًا وطنيًا متكامــلًا للتمــكين، باعتبــاره محــورًا أساســيًا ومعاصرًا للنمو المســتدام والشــامل يرتكز على الاســتثمار فى رأس المال الــبشرى، وثانيا من الإيجابيات التى تبناها الفصل الأول من السردية الوطنية التوجهات نحو التنمية المستدامة باعتبار أن المواطن المصرى هو محور التنمية.
وأوضح رئيس قسم الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومى، أن من أهم الإيجابيات التى تضمنها محور التنمية البشرية هو التأكيد على دور الابتكار من خلال تبنى سياسة وطنية جديدة للابتكار المستدام لخلق مجتمع معرفى مبتكر ومستدام، لذلك تــم إطــلاق «مُــؤشر الابتــكار الوطــنى» عــام 2023 ثــم إصــدار «السياســة الوطنيّــة للابتــكار الـــمُستدام» عــام 2025، لتهيئــة بيئــة مؤسسيه تُشــجّع على البحــث والابتــكار.
وبيّن أن الحكومــة تولى أهميــة كــبيرة للتكنولوجيــا والابتــكار باعتبــاره عــنصرًا أساســيًا للوصــول إلى نمــو اقتصــادى مــرن ومتســارع، مــن خلال اكتســاب أفــكار وطــرق إنتــاج جديــدة ونشرهــا فى الســوق المحلــى، لافتا إلى أن السرديــة تعطى أهميــة لتعزيــز الاســتثمار وتوجيــه البحــث العلمــى نحــو الابتــكار وريــادة الأعمــال، ورعايــة الموهــوبين خاصــة فى مجــال الابتــكار، وتعزيــز الريــادة الدوليــة فى مجــال التكنولوجيــا والبحــث العلمــى، وربــط مؤسســات التعليــم العــالى مــع قطاعــات الأنشــطة التنمويــة، لتطويــر أســاليب إنتاجيــة جديــدة قائمــة علــى الابتــكار والإبــداع.
وأكد «خشبة» أن من بين أهداف السردية الوطنية تحسين ترتيب مصر فى مؤشر الابتكار العالمى حيث تسعى لتكون ضمن أفضل 50 دولة فى مؤشر الابتكار العالمى بحلول عام 2030، كما تستهدف السردية رفع ترتيب مصر فى مؤشر النشر العلمى الدولى، وذلك من خلال مواصلة دعم النشر العلمى وتحفيز الباحثين المصريين على مضاعفة عدد الأبحاث الدولية المنشورة فى المجلات العلمية العالمية، مبينا أن الفصل الأول بالسردية يؤكد على الأدوار المهمة التى يقوم بها صندوق رعاية المبتكرين والنوابغ، بالإضافة إلى دعم ريادة الأعمال والابتكار، وذلك من خلال إنشاء مجموعة وزارية متخصصة لريادة الأعمال برئاسة الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى، لتحقيق هذه الأهداف.
التعليم والابتكار
وأوضح «خشبة» أن السردية الوطنية تركز على تقديم تعليم عالى الجودة للأطفال، وتحسين جودة مخرجات التعليم الجامعى بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل، مستندة إلى سياسات تدعم النمو والتشغيل، لضمان أن يكون لدى كل خريج مصرى فرصة عمل لائقة بعد التخرج، ويشمل ذلك إعادة توجيه التعليم الفنى نحو التعليم التكنولوجى وربطه بسوق العمل، مع التركيز على تطوير قوة عاملة جديدة بمعايير الثورة الصناعية الرابعة، بالإضافة إلى دعم الجامعات التكنولوجية وكليات الذكاء الاصطناعى والحوسبة المتقدمة، مؤكدا أن كل هذه المبادرات تعتبر إيجابية وقد تبنتها النسخة الثانية من السردية الوطنية، مع وضع مستهدفات واضحة ضمن المحور الأول، مشددا على أن الفصل الأول من السردية يؤكد على الأدوار المهمة التى يقوم بها صندوق رعاية المبتكرين والنوابغ، من خلال إنشاء مجموعة وزارية متخصصة لريادة الأعمال برئاسة الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى، لتحقيق هذه الأهداف.
فى المقابل، يسجل رئيس قسم الدراسات المستقبلية بمعهد التخطيط القومى، بعض الملاحظات المهمة على السردية الوطنية، حيث يرى أنه كان من الضرورى أخذ هذه الملاحظات فى الاعتبار قبل إصدار النسخة الثانية النهائية من السردية، فالملاحظة الأولى تتعلق بتوقيت إصدار الوثيقة، فنجد أن هناك إصرارا غير مبرر على الانتهاء من الوثيقة فى مرحلة تحول سياسى فى مصر، ودون انتظار استكمال أعمال مجلس النواب، والذى من المتوقع أن تتبعه تغييرات جزئية أو كلية فى الحكومة الحالية، كما أن هناك شعورا مجتمعيا واسعا بأهمية وضرورة التغيير فى المرحلة القادمة.
وعن الملاحظة الثانية، قال «خشبة»: إنها تتعلق بتحديد الجهة المسئولة عن وضع توجهات التنمية الشاملة، متسائلا: هل يتم تحديد هذه التوجهات من خلال السردية أم المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية المستدامة؟، مشيرا إلى أن قانون التخطيط رقم 18 لسنة 2022 يوضح أن المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية المستدامة برئاسة رئيس الدولة هو المسئول عن رسم أهداف وسياسات التنمية على المستويات القومية والإقليمية والمحلية، مشيرا إلى أنه من اللافت للنظر أن وثيقة السردية الوطنية للتنمية الشاملة بالإضافة إلى مصادر أخرى، تشير إلى أن اللائحة التنفيذية للقانون، التى تأخرت دون أى مبرر موضوعى أو تنموى، من المتوقع صدورها فى يونيو 2026.
وقال: إذا كان إصدار اللائحة التنفيذية متوقعا خلال خمسة أشهر فقط، فإن التساؤل يبرز حول دواعى العجلة والتسرع فى إصدار السردية الوطنية دون انتظار تشكيل وانعقاد المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية المستدامة برئاسة رئيس الدولة، الذى يملك بموجب القانون صلاحية رسم أهداف وسياسات التنمية فى الدولة وإصدارها فى وثيقة رسمية، سواء تحت مسمى سردية أو استراتيجية أو غير ذلك.
