عقب عادة حميدة بعقد لقاء وإفطار رمضانى أقامته جامعة القاهرة، ذهبت لسؤال د. محمد سامى عبد الصادق، رئيس الجامعة عن ماذا نفعل فكريا وثقافيا مع الشباب أو مع طلاب الجامعة والخطط حول ذلك؟، كان مبررى للسؤال هو الإحساس بأن هذا الزمن يحتاج إلى مزيد من الاقتراب من الطلاب والشباب، فكانت المفاجأة أن قال لى: إن الجامعة تفكر الآن وتعد للآليات لعودة المنابر الثقافية ومنها الصالون الثقافى فكان ذلك خير بداية لحوار ونقاش مع الأستاذ الجليل رئيس الجامعة.
قال لى د. محمد سامى: «إنه ولا شك أن سنوات المرحلة الجامعية فى حياة الطلاب هى من أهم سنوات عمرهم ليس للقياس والتعلم الأكاديمى فقط، فالجامعة ليست مجرد جدران وقاعات استماع، وإنما هى منبع إلى التعارف والحوار والانفتاح على المصادر الفكرية والشخصيات والقضايا كذلك، ومن هذا المنطلق فإن عقد الحوارات الفكرية أو عودة الصالون الثقافى لقضية ما أو استضافة شخصية يعتبر قضية هامة أو ملحة.
ولكن هنا سألته، وكيف يتم ذلك لجذب الشباب أنفسهم للمشاركة وليس فقط الحضور أو الإلزام به؟ لأنها قضية شائكة فكيف نجذب الطلاب للمشاركة والشغف بالاستماع والحوار، وهنا أتذكر واقعة مازالت تثير الأسئلة فى عقلى وكتبت عنها مقالا وقتها مدعوما بالصور، وهى أنه منذ أعوام قليلة للغاية وبمعرض الكتاب وجدت طابورا طويلا ربما لا ينتهى! وأن الشباب والمراهقين وهم المستقبل أعضاء هذا الطابور للحصول على نسخة وتوقيع من كاتبة شابة (لا أعرفها ) ولم أقرأ عنها مقالا نقديا أو حتى خبر عن إنتاجها الروائى، فأخذنى الفضول لمراقبة المشهد حتى الوصول للكاتبة والكتاب وعرفت أنها ليست الطبعة الأولى، وليس الكتاب الأول لها أيضا وبحسابات ومنطق السوق هى البيست سيلر كما يقال؟! ورغم أن القراءة هى هواية لى حتى تمنيت يوما أن تصبح وظيفة لم أعرف أو أسمع عن الكاتبة الشابة وأن لها الآلاف من المتابعين والقراء الشباب؟!، الغرض من المثال السابق هو أن نعطى للشباب أنفسهم فرصة المشاركة فى إعداد الصالون الثقافى واختيار موضوعاته وضيوفه، وهذا فى إطار من الإشراف والضوابط الأكاديمية والثقافية كذلك أى أنه ليس فى المطلق، ولكن عبر شراكة بين الأجيال، هدفى هو تعميق الحوار وجذب الطلاب للمشاركة فى الحوارات وإعداد الأسئلة والأفكار بأنفسهم عبر منصة الصالون فى وجود الإشراف والمشاركة من الأساتذة، هكذا يكتسب الطلاب خبرات الحوار وطرح الأسئلة والأفكار، هكذا تعلمنا أيضا فى «مائدة حوار المصور أو بلغة العصر الصالون الثقافى للمصور» حيث يشارك شباب الصحفيين فى طرح الأسئلة وربما اقتراح الحوار نفسه والاتصال مع الضيوف، وهذا يتم أيضا عبر البرامج الحوارية بالإعلام، كذلك فكرت كيف يتم دمج طلاب الجامعة بالحرم الرئيسى لجامعة القاهرة بالجيزة، وهم الغالبية من الطلاب وأغلبهم متفوقون وبين فرع الجامعة الدولية وغيرها من فروع ومسميات الجامعة الأم، حتى لا تتحول الفروع والحرم إلى جزر منعزلة داخل أماكنها لا يعرف الطلاب حتى أماكن نفس التخصص الأصلى، لأنها بحرم آخر حتى لو كان بمصروفات، ومثلما نعامل طلاب الطب بكل المسميات بالتدريب بالقصر العينى فلابد أن يمتد التواصل والالتقاء لفروع التخصصات الأخرى.
فالهدف الجامعى ينبغى أن يكون هو التقاء الطلاب وحوارهم بصرف النظر هل هذا طالب مجانى متفوق أو بمصروفات وهنا سيكون العامل الثقافى أو الصالون الثقافى فرصة لهذا الالتقاء وربما الاقتراب فى العمل المشترك عبر المشاركة بين كليهما فى إعداد موضوعات ومنابر الصالون الثقافى، وتكون الجامعة وهى اسمها جامعة القاهرة فرصة لاقتراب الأنشطة والطلاب ودمجهم لأنه حتى بمنطق سوق العمل والذى أتحفظ عليه فى ربطه بالتعليم، لا يفرق عند الالتحاق بمجالات العمل بين مسمى المجانى والأهلى والدولى، وبالتالى نستطيع عبر الآلية الثقافية ومشاركة الطلاب بها فى التحام الشباب وكسر الفجوة عبر التعبير منهم بالمشاركة بأسئلتهم، واستضافة الضيوف كذلك، إن فى فكرة عودة الصالون الثقافى التى طرحها رئيس الجامعة د. محمد سامى عبد الصادق فى حوارى السريع معه فرصة ذهبية للعمل الطلابى والشبابى ودمجهم فى المنظومة، ومن هنا أيضا قرأت قرار الجامعة بإعداد وتنظيم مسابقة فى اللغة العربية بعنوان «اللغة العربية هوية وإبداع» باعتبار اللغة وعاء الهوية الثقافية وتطويرا لمهارات الطلاب الإبداعية والبحثية بها، ولذلك أتمنى أن تعمم المسابقة لكل التخصصات بل وتمتد لفروع الجامعة الدولية وغيرها، فربما تساهم مثل هذه الأنشطة فى ربط الطلاب باللغة العربية والقراءة بها وتنمية مهاراتهم اللغوية بلغتهم الأم، لأن الملاحظ أن طلاب الأقسام الخاصة والمتميزة وطلاب الجامعات بمصروفات يقل اهتمامهم باللغة العربية، وكذلك الكتابة والقراءة بها، لأن التميز فى التحاقهم بالتخصصات بالدراسة باللغات الأجنبية لنفس المقرر وربما لنفس الأستاذ، ومن هنا فإن تعميم المسابقة على الجميع قد يساعد فى فتح الشهية للطلاب للتعرف على المؤلفات باللغة العربية وربما التحدث والكتابة بها فى بعض المجالات، تماما مثلما تم الإقرار بضرورة دراسة منهج التفكير النقدى إجباريا كمقرر للجميع حتى لطلاب الدكتوراه وإلى أقسام فى أصلها هو التفكير النقدى مثل الفلسفة والاجتماع وغيرها، وكذلك ما تم بضرورة دراسة مقرر علوم إنسانية على التخصصات العلمية وهذا يمثل خطوة ضرورية وهامة فى التكوين العلمى والفكرى والهوية للطلاب ولدينا الأمثلة الحية لكبار علماء الطب يكتبون الرواية والأعمال التاريخية مثلا، لذلك فإن إقامة مسابقات اللغة العربية مهمة لجميع مسميات الطلاب.
وهذا ينقلنى لقضية جامعية أيضا وشغلت الكثير من الفضاء العام مؤخرا وربما أكتب عنها بالتفصيل لاحقا وهى قضية الملكية الفكرية ومنع تداول الكتب المقلدة او المشتبه بها للنقل، لا أتكلم عن أحكام قضائية فهذا له احترامه وتبجيله، ولكن أتكلم عن النصوص القانونية التى تجيز منع الكتب أو مصادرتها ومنع تداولها، لأن السؤال هنا هل فى عصر الأرشيف المتاح، والذكاء الاصطناعى والمعلومات بل وعمل الأبحاث نفسها وبمصادرها الأرشيفيّة وعبر الذكاء الاصطناعى يجوز منع تداول الكتب حتى المقلدة واعتبار ذلك سلعا مغشوشة أو فاسدة أم علينا التفكير والحوار وضرورة البحث عن آلية تحترم الملكية الفكرية والإنتاج العلمى، وأيضا بعيدا عن احتكار الكتب والمعلومة خاصة فى ظل الأسعار المرتفعة للغاية لها وأحيانا غير مبررة؟! سؤال يحيرنى الوصول به إلى إجابة قطعية الثبوت بحيث تحترم كل مدخلات الإنتاج الفكرى وتداوله وإبداع الجديد به لاسيما أنه فى البحث بالعلوم الإنسانية تحديدا ليس هناك سبق ولكن هناك زاوية بالربط وللقراءة والتناول لتقديم الإسهامات الجديدة حتى للتراث والشخصيات التاريخية وهذا يفتح الباب لضرورة النقاش حول آليات وضوابط المنع والمصادرة فالكتب والمعلومات ليست مخدرات أو سلعاً فاسدة وتكفى الغرامة مثلا.
وإذا كنا نفتح الباب على مصراعيه لاستيراد أو التعامل مع الذكاء الاصطناعى بأدواته فى جمع المعلومات بضغطة زر فيصبح هنا نصوص المنع والمصادرة تحتاج إلى رؤية جديدة فى ضوء تطور نظم الاطلاع والمعرفة والحصول على المعلومة بضغطة.