أبرز تقرير أعدته وكالة أنباء "أسوشيتيد برس" الأمريكية ونشرته اليوم/الأحد/ التقارب الأخير بين كندا والصين في ملفات عديدة؛ وهو ما تجلى مؤخرًا عندما التقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني هذا الأسبوع بالرئيس الصيني شي جين بينج في بكين، لكنها وصفته بـ"التقارب الحذر" لاسيما وأن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تلقي بظلال قوية على المشهد الجيوسياسي الراهن.
وأشار التقرير إلى أن عودة كندا للانفتاح على الصين- التي تعد ثاني أكبر شريك تجاري لها بعد الولايات المتحدة- في سياق مصطلح رددته وسائل الإعلام الصينية بكثافة خلال الأسبوع الماضي، ويعرف باسم "الاستقلالية الاستراتيجية"، بما يعني، عمليًا، أن دولة مثل كندا، التي ظلت لعقود متشابكة بعمق مع الولايات المتحدة كحليف ثابت، باتت بحاجة إلى أعمدة أخرى تسند سياستها الخارجية، خاصة في ضوء التوترات التي طرأت مؤخرًا على العلاقة بين أوتاوا وواشنطن.
وبالنسبة لكندا، تتجسد هذه الاستقلالية- بحسب التقرير- في تعامل "كارني" مع شريك تجاري يعترف بوجود اختلافات معه في الثقافة و"أنماط الحياة"- وهي عبارات استخدمها عند سؤاله عن ملف حقوق الإنسان في الصين، وتعد أيضًا توصيفًا غير مباشر لحدود سياسية وثقافية تحكم العلاقة بين بلدين مختلفين جذريًا، لا سيما في ما يتعلق بمفهوم الحريات.
وأكد كارني، الذي عقد لقاءات مع عدد من كبرى الشركات الصينية في بكين، أن حكومته تسعى إلى بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، في ظل ما وصفه بأنه "مرحلة اضطراب في التجارة العالمية".. وقال قبل مغادرته بكين أمس السبت:" المشهد الأمني يتغير باستمرار؛ نواجه تهديدات عديدة، وإدارة هذه التهديدات تتمحول حول التحالفات".
وأضافت "أسوشيتيد برس" أن الزيارة أسفرت عن نتائج ملموسة، إذ وافقت كندا على خفض الرسوم الجمركية البالغة 100% المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، مقابل تخفيضات صينية على الرسوم المفروضة على المنتجات الزراعية الكندية. وقال كارني إن الاتفاق ينص على سقف مبدئي يبلغ 49 ألف سيارة كهربائية سنويًا تُصدّر من الصين إلى كندا برسوم قدرها 6.1%، على أن يرتفع العدد إلى نحو 70 ألف سيارة خلال خمس سنوات. في المقابل، ستخفض الصين الرسوم على بذور الكانولا- أحد أبرز الصادرات الكندية- من 84% إلى نحو 15%، فيما اكتفت بكين بتصريحات عامة أقل تفصيلًا بشأن مخرجات المباحثات.
مع ذلك، أكدت "أسوشيتيد برس" أن أهمية الاتفاق الأخير لا تكمن في بنوده فحسب، بل في رمزيته أيضًا، إذ يُنظر إليه بوصفه التفافًا عمليًا لمواجهة الضغوط الأمريكية، بعد أن تعاملت إدارة ترمب مع كندا خلال العام الماضي بأسلوب غير مسبوق، شمل فرض رسوم مؤلمة على الاقتصاد الكندي، إلى جانب تصريحات أثارت غضب الكنديين، لمح فيها ترمب إلى إمكانية جعل كندا "الولاية الأمريكية الـ51".
ورأى محللون في الصين وكندا أن نتائج الزيارة جاءت مفيدة للطرفين ومتناغمة مع طبيعة المرحلة وذكية سياسيًا، رغم تأكيد "كارني" أن الاتفاقات لا تزال أولية؛ إذ قال نيلسون وايزمان، أستاذ العلوم السياسية المتفرغ بجامعة تورونتو:" الصين تنجح في إحداث شرخ صغير بين كندا والولايات المتحدة".
وتحمل بكين مكاسب متعددة من هذا التقارب. فكندا تضم قرابة مليوني مواطن من أصول صينية حتى عام 2021، إضافة إلى أعداد كبيرة من الصينيين المقيمين أو الزائرين، كما تُعد مدينة فانكوفر الأقرب جغرافيًا إلى الصين، مدينة ذات حضور ثقافي صيني قوي، ما يجعل أي تقارب مع بكين محل متابعة دقيقة داخل المجتمع الكندي.
لكن الأهم من ذلك، وفقا ل "أسوشيتيد برس" أن الصين باتت تقدم نفسها بشكل متزايد كقوة موازنة عالميًا لما تصفه منذ سنوات بـ"الهيمنة الأمريكية"، وهو توجه تسارع مع تنامي نفوذها الدولي، مستندًا إلى اقتصادها الضخم واستخدامها للقوة الناعمة عبر مشاريع بنية تحتية تمتد من أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، ضمن مبادرة "الحزام والطريق".
وفي تعليق نشرته وكالة أنباء (شينخوا) الصينية الرسمية، شددت بكين على أهمية العلاقات مع كندا فيما أسمته بـ"مرحلة تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين"، في إشارة ضمنية إلى سعي البلدين لفهم أولويات إدارة ترمب المتسارعة. وتحدث التعليق عن "تفكك اقتصادي وتوترات جيوسياسية وعودة للحمائية"- وهي تحديات يواجهها الطرفان في علاقتهما مع واشنطن.
وبقدر أهمية اللغة الحذرة التي استخدمها الزعيمان، برز أيضًا حرص واضح على عدم المبالغة في التفاؤل. فقد التزم "شي جين بينج" أسلوبه غير المباشر المعتاد، قائلًا بعد لقائه كارني:" يمكن القول إن اجتماعنا العام الماضي فتح فصلًا جديدًا في توجيه العلاقات الصينية–الكندية نحو التحسن".
أما كارني، المدرك لحساسية موقع بلاده بين عملاقين، فقد تعامل بحذر مع أسئلة الصحفيين حول العلاقة مع الولايات المتحدة، خلال مؤتمر صحفي عُقد في الهواء الطلق وسط برودة شتاء بكين، مؤكدًا أن كندا تسعى إلى توسيع خياراتها، دون الانحياز الكامل لأي طرف.. حسب التقرير.