رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قبل أن يصير الصمت هو العنوان.. جهود حثيثة لمنع الصيد الجائر ببحيرة ناصر

17-1-2026 | 22:36

بحيرة ناصر

طباعة
دار الهلال

لم تكن بحيرة ناصر يوما مجرد خزان مائي عملاق يمد مصر بالحياة بل تحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أهم المحطات العالمية في مسار هجرة الطيور كل عام تعبر مئات الآلاف من أسراب الطيور القادمة من أوروبا وآسيا وإفريقيا سماء مصر، لتحط فوق مياه البحيرة وضفافها، بحثًا عن الراحة والطعام والأمان قبل أن تواصل رحلتها الطويلة، فمشهد الهجرة الموسمية كان دائمًا لوحة بديعة للطبيعة، يجذب أنظار الصيادين والعلماء والسكان المحليين على حد سواء.

وحماية الطيور والحياة البرية في مصر ليست خيارًا، بل واجب وطني وفرصة للاستدامة، تجربة حظر الصيد في بحيرة ناصر أثبتت أن الالتزام بالقوانين والرقابة الفعّالة يُمكن أن يحقق توازنًا حقيقيًا بين الإنسان والطبيعة، ويخلق فرصًا اقتصادية مستدامة عبر السياحة البيئية.

وبالتعاون بين الدولة والمجتمع المدني والإعلاميون والمواطنون جميعًا، ستظل الطيور تحلق بأمان، وستبقى بحيراتنا ومسطحاتنا بيئة حية تزدهر بالتنوع البيولوجي، ورسالة أمل للأجيال القادمة بأن مصر تحمي الطبيعة وتؤمن غدًا أفضل لكل من فيها ومن عليها.. ولأن أصوات الطيور لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها، أجرت وكالة أنباء الشرق الأوسط تقريرا عن حول أزمة (صيد الطيور في مصر: بين التنظيم القانوني وآمال الحماية والواقع الفعلي) فالأزمة ليست أزمة طيور فقط، بل أزمة بيئة ومجتمع واقتصاد، فحين تختفي أسراب السمان والبط والعصافير المهاجرة، نخسر جزءًا من تاريخنا الطبيعي وتراثنا الثقافي، ونفقد في الوقت ذاته حائط صد طبيعيًا ضد العديد من المخاطر البيئية.

من تراث الصيد إلى خطر الاستنزاف

في البداية أكد الدكتور شريف بهاء الدين خبير حماية الطبيعة ورئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، أن الصيد جزء من تاريخ المصريين منذ العصور الفرعونية، وكان نشاطًا محليًا محدودًا يرتبط بالثقافة والمعيشة، لكنه اليوم تحوّل إلى نشاط تجاري واسع النطاق، يتم فيه صيد ملايين الطيور سنويًا بوسائل حديثة.

وأوضح أن الوسائل الحديثة مثل الفخاخ والشباك المتلاصقة والأجهزة الصوتية ضاعفت معدلات الصيد بشكل غير مسبوق، حتى باتت أعداد الطيور في تناقص واضح يشهد به الصيادون..منوها بأن الدراسات تشير إلى أن من بين 39 نوعًا من الطيور المهاجرة التي تعبر مصر سنويًا، هناك 6 أنواع مهددة عالميا.

وشدد بهاء الدين، على أن الحل لا يكمن في منع الصيد كليًا، بل في تقنينه وفق أسس علمية تراعي حماية الأنواع المهددة، فلا يعقل أن تُصاد طيور نادرة للغاية لم يتبق منها سوى أعداد محدودة، محذرًا من أنه إذا استمرت الممارسات الحالية "فلن نجد شيئًا نصطاده في المستقبل".

بحيرة ناصر بين التهديد والاستعادة

وقال الدكتور خالد النوبي رئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، إن بحيرة ناصر تمثل إحدى أهم المحطات البيئية في مسار الطيور المهاجرة، ووفقاً لما وثّقته الجمعية المصرية لحماية الطبيعة (NCE) خلال موسم الصيد 2022–2023، تم تسجيل 15 رحلة صيد إلى بحيرة ناصر، وتم استهداف أنواع نادرة ومهددة، وهو ما يتعارض مع القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية.

وأكد النوبي أن قرار وزارة البيئة الصادر عام 2023 بحظر الصيد في بحيرة ناصر لأول مرة منذ التسعينيات مثّل "خطوة فارقة" أعادت التوازن البيئي للمنطقة فقد شهدت مؤشرات التنوع البيولوجي تحسناً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، مع عودة أنواع مهددة بالاختفاء وظهور أول تسجيل لتكاثر طائر النسّاج القروي في مصر، بمنطقة أبو سمبل، كما أتاح القرار مساراً بديلاً للتنمية من خلال السياحة البيئية ومراقبة الطيور، ما وفر فرص دخل جديدة للمجتمعات المحلية، خاصة الصيادين السابقين ومشغلي القوارب.

وشدد على ضرورة تمديد قرار وقف الصيد لعام ثالث (2025–2026)، مع توسيع نطاقه جغرافياً ليشمل المناطق البيئية الهشة مثل الواحات المصرية حفاظاً على المكتسبات البيئية والاقتصادية، وتحويل التجربة إلى نموذج وطني في إدارة الموارد الطبيعية وحماية التنوع البيولوجي، بالإضافة إلى تفعيل وتطبيق القوانين البيئية بحزم، وملاحقة جميع المتورطين في أنشطة الصيد الجائر، وأيضا تعزيز التعاون بين الوزارات المعنية وعلى رأسها وزارات البيئة، والسياحة، والداخلية، لضمان إحكام الرقابة الفعالة على البحيرة ومحيطها.

ونوه النوبي إلى أن قطاع السياحة البيئية يمثل فرصة اقتصادية واعدة، حيث تقدر عائدات مراقبة الطيور والسياحة المرتبطة بها عالميًا بما يزيد على 30 مليار دولار سنويًا.. مؤكدا أن مصر تمتلك المقومات للاستفادة من هذه العوائد بفضل تنوعها البيولوجي ومسارات الطيور الغنية لديها، إذا ما تم تعزيز تنظيم الصيد وتحويله إلى نشاط مستدام يدعم المجتمعات المحلية.

حماية الطيور.. رؤية قانونية وميدانية

وأكد المستشار عامر إسماعيل المستشار القانوني وخبير التشريعات البيئية، أن حماية الطيور والتنوع البيولوجي في مصر تعد قضية وطنية ذات أهمية كبيرة، موضحا أن جهاز شؤون البيئة هو الجهة المختصة قانونياً بالإشراف على الصيد وفقاً للقانون رقم 4 لسنة 1994، والمخول بتحديد الأنواع المسموح بصيدها، والمناطق، والكميات، ومنح التصاريح، سواء لأغراض سياحية أو غيرها، كما يمكن تفويض بعض الجهات الإدارية الأخرى للقيام بمهام محددة إذا اقتضت الضرورة، وهو ما يعكس التنظيم القانوني المتكامل الذي تهدف الدولة لتطبيقه.

ولفت إلى الإنجاز المهم المتمثل في قرار حظر الصيد في بحيرة ناصر منذ عامين، والذي تم بالتعاون بين وزارتي البيئة والسياحة ومحافظة أسوان، مشيراً إلى أن القرار وفّر مساحة آمنة للطيور المهاجرة وساهم في تقليل معدلات الفقد، كما ساعد على فتح آفاق جديدة للسياحة البيئية ومراقبة الطيور، ما أصبح مصدراً مستداماً للدخل للمجتمعات المحلية وموظفي القوارب، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل نموذجاً ناجحاً يجمع بين حماية البيئة وتعزيز التنمية الاقتصادية بطريقة مستدامة.

وأوضح عامر، أن اتباع نفس النهج في باقي المحافظات المصرح بها، مع تخصيص مناطق آمنة سنوياً، سيعزز من قدرة مصر على المحافظة على ثرواتها الطبيعية، ودعم السياحة البيئية، وتشجيع الزوار المحليين والأجانب على تجربة رحلات مراقبة الطيور ضمن بيئة محمية.

حماية الطيور.. مسؤولية وطنية 

وأكد الدكتور إكرامي الأباصيري مدير عام محميات المنطقة الجنوبية، أن قطاع حماية الطبيعة يولي اهتمامًا خاصًا برصد الطيور والموارد الطبيعية في مصر، من خلال برامج علمية مثل العد الشتوي للطيور المائية في بحيرة ناصر وغيرها، لدعم اتخاذ القرار وحماية التنوع البيولوجي.

وأشار الأباصيري، إلى أن الصيد الجائر للطيور يشكل تحديًا حقيقيًا، وتعمل الدولة على مواجهته عبر حملات تفتيشية وتوعوية، وحظر الصيد في بحيرة ناصر، وتدريب الصيادين على بدائل مستدامة، بما يتماشى مع التزامات مصر الدولية لتقليل الصيد غير القانوني بنسبة 50% بحلول 2030.

ولفت إلى أن بحيرة ناصر تعد ملاذًا للطيور البرية والمهاجرة، مثل البلشون والنورس والنحام الوردي، وتدعم التنوع البيولوجي في قلب الصحراء، موضحًا أن حماية الطيور لا تتعارض مع التنمية، بل يمكن أن تتحول إلى فرص اقتصادية مستدامة عبر سياحة السفاري ومراقبة الطيور، بما يخدم المجتمعات المحلية ويجعل الاستثمار في الطبيعة خيارًا مربحًا وصديقًا للبيئة. 

واختتم الأباصيري، بالدعوة لتعزيز الرصد العلمي والتوعية المجتمعية، مؤكّدًا أن حماية الطيور والطبيعة مسؤولية مشتركة لضمان استدامة الموارد البيئية للأجيال القادمة.

تعزيز السياحة البيئية

وأكد محمد وجيه المدون وصانع المحتوى البيئي عبر المنصات الرقمية، أن رحلته مع التصوير تهدف إلى إبراز جمال الحياة البرية في مصر وإظهار ثراء التنوع البيولوجي الذي تتمتع به البلاد، مشددًا على أن مصر تمتلك ثروات طبيعية هائلة تستحق الاهتمام والحماية. وأوضح أن تصوير مشاهد الصيد كان لأغراض إعلامية وتثقيفية فقط، مع إطلاق الحيوانات في الطبيعة بعد التصوير، بهدف تقديم معلومات دقيقة عن الكائنات الحية وتعريف الجمهور بقيمتها البيئية، وليس لأغراض الاستهلاك أو التجارة، وأصبح في الفترة الأخيرة يركز بشكل أكبر على توعية الجمهور بخطورة الصيد الجائر وأثره السلبي على التنوع البيولوجي.

وشدد محمد وجيه على أن مواجهة ظاهرة الصيد الجائر للطيور المهاجرة تتطلب آليات تنفيذية حقيقية، مثل الحد من انتشار الشباك خلال مواسم الهجرة، تكثيف الرقابة، وتنظيم الصيد بطريقة مستدامة تحمي التوازن البيئي، مؤكدًا أن الهدف النهائي لجميع أعماله هو التوعية بأهمية حماية التنوع البيولوجي باعتباره مسؤولية مشتركة لكل المصريين، مع إبراز مصر كوجهة نموذجية للسياحة البيئية التي تجمع بين الجمال الطبيعي والحياة البرية، بما يعكس التزام البلاد بالحفاظ على ثرواتها الطبيعية ويعزز فرص التنمية الاقتصادية بطريقة صديقة للبيئة.

منع الصيد الجائر مسؤولية وطنية

وقال الدكتور عاطف محمد كامل أحمد خبير الحياة البرية والمحميات الطبيعية، إن تطبيق قرار منع الصيد الجائر للطيور خطوة حاسمة للحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية الأنواع النادرة، والحفاظ على التوازن البيئي، من خلال استمرار دور الطيور في تلقيح النباتات ونشر البذور والتحكم في أعداد الحشرات.

وأكد أن القرار يسهم في استدامة الموارد الطبيعية، مشيرًا إلى أهمية حماية الطيور والحيوانات البرية والمخزون السمكي لضمان استفادة الأجيال القادمة، كما يدعم الاقتصاد المحلي من خلال السياحة البيئية ومراقبة الحياة البرية، ما يجعل حماية الطبيعة فرصة للتنمية المستدامة.

وأوضح كامل أن تطبيق الحظر يعزز سيادة قانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994، ويقلل من التغيرات السلبية في النظم البيئية، ويحافظ على العلاقات بين الكائنات الحية المختلفة، ويحد من التأثيرات البيئية الضارة، بما في ذلك مواجهة تغير المناخ من خلال الحفاظ على الشبكة الغذائية الطبيعية.

ونوه إلى أن تجارب مثل بحيرة ناصر والبحر الأحمر أثبتت نجاح القرار، حيث ساعد منع الصيد الجائر على حماية الطيور والمخزون السمكي وتعزيز التنوع البيولوجي، مؤكدًا أن المبادرة الوطنية "حتى تعود الطيور.. لا للصيد الجائر" تمثل نموذجًا للعمل المستدام الذي يجمع بين حماية الطبيعة ودعم المجتمعات المحلية.

خطوات نحو استدامة البيئة

وأكد الدكتور محمود بكر رئيس جمعية كتاب البيئة والتنمية، أن مصر تواجه تحديات كبيرة في تنظيم الصيد وحماية التنوع البيولوجي، لكن التجارب الأخيرة أظهرت أن الإدارة الحكيمة يمكن أن تحقق توازنًا بين الإنسان والطبيعة والقانون يمنح جهاز شؤون البيئة الحق في تحديد الأنواع المسموح بصيدها والمناطق والكميات، مع إمكانية تفويض جهات أخرى لدعم الرقابة.. مشيرا إلى أن تجربة بحيرة ناصر مثال حي على النجاح؛ فقد أدى حظر الصيد إلى حماية الطيور المهاجرة والمقيمة، واستعادة التوازن البيئي، مع فتح آفاق جديدة للسياحة البيئية ودعم المجتمعات المحلية، وخاصة مشغلي القوارب والصيادين السابقين ومع ذلك، لا تزال الحاجة قائمة لتعزيز الرقابة، وزيادة مساحات الأمان، وتفعيل دور المجتمع المدني والأجهزة الأمنية لضمان استدامة النتائج.

وأضاف بكر أنه لتعزيز الوعي، أطلقت الجمعية برامج تدريبية للصحفيين الشباب في مختلف المحافظات، لتزويدهم بالمعرفة والأدوات اللازمة لتغطية القضايا البيئية بدقة، وتسليط الضوء على أهمية الصيد المستدام ودور السياحة البيئية في حماية الطبيعة، وهذه المبادرات تؤكد أن الحفاظ على التنوع البيولوجي مسؤولية مشتركة، وأن مصر قادرة على تقديم نموذج يحتذى به في التوازن بين التنمية وحماية البيئة.

الواقع يتحدث

من الفكرة إلى الواقع كانت جمعية حماية الطيور تقوم بعدة نشاطات كما يقول محمد حسين، مسئول الاتصال بالجمعية، حيث اعتمدت الحملة على مجموعة من الأنشطة المبتكرة، منها: حملات ميدانية مكثفة إلى المناطق الساحلية والأراضي الرطبة، وهي الأماكن المفضلة للطيور المهاجرة، لمراقبة ورصد عمليات الصيد وتوثيقها، وتوزيع منشورات توعوية على الصيادين، مع بناء الوعي عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية لنشر مقاطع فيديو مؤثرة وصور مدهشة للطيور، مما ساهم في انتشار "هاشتاج" الحملة وتفاعله مع الجمهور على نطاق واسع، كما تم تنظيم ورش عمل تفاعلية للأطفال والشباب، لتعليمهم كيفية التعرف على أنواع الطيور المختلفة وأهميتها، وغرس قيم المحافظة على البيئة في نفوسهم منذ الصغر و أجرت الحملة توثيقًا علميًّا للطيور ومساراتها وأعدادها، مما شكل قاعدة بيانات مهمة للباحثين والمهتمين بالبيئة.

وأضاف محمد حسين، أن العمل المنظم يجب أن يأتي بتأثير وهو ما فعلته حملة حتى تعود الطيور عندما ساهمت في الحث على إصدار وزارة البيئة قرار وقف الصيد في بحيرة ناصر لمدة عامين لتظهر آثار القرارات الإيجابية في انخفاض في معدلات الصيد الجائر في بعض المناطق، وذلك بفضل الوعي المتزايد لدى الأهالي والصيادين والعمل على البحث عن فرصة جديدة لسياحة الطيور.

كما تحولت قضية حماية الطيور من اهتمام خاص للناشطين إلى قضية عامة يناقشها المجتمع بجدية، ولأول مرة استوطنت بعض الطيور بحيرة ناصر في هدوء ومنظر خلاب كان هو ثمرة متميزة لقرار وقف الصيد بالبحيرة و أصبحت حملة حتى تعود الطيور نموذجًا يُحتذى للمبادرات البيئية التي تعتمد على التفاعل المجتمعي والشراكات الفعالة.

وأشار محمد حسين إلى أن هدف حملة "حتى تعود الطيور" لم تكن مجرد نداء لحماية كائنات صغيرة، بل كانت دعوة للحفاظ على منظومة الحياة بأكملها، وأن العمل الجماعي المنظم يمكن أن يُحدث فرقًا، وأن حماية التنوع البيولوجي هي مسؤولية مشتركة، تبدأ من فرد وتصل إلى مجتمع بأكمله، فكل جناح يحلق في سمائنا هو قطعة من هذا الكون، وحمايته هي حماية لجماله وتوازنه للأجيال القادمة.