وهذا الكتاب كان من الكتب العمدة فى عصره وما بعد عصره بعدة عقود؛ لما كانت تحمله مادته من أفكار فلسفية عميقة كانت جديدة على أسماع الناس آنذاك، ولكن هل لا يزال كتاب مسكويه محافظًا على عموديته تلك، وهل أفكاره الفلسفية المتشعبة لا تزال متشبثة بجدتها وطزاجتها، أم أن الزمن قد طواها وداس عليها فباتت مشاعًا؟
يقول مسكويه فى الغرض من تأليفه كتاب التهذيب: «إن غرضنا من تأليف هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقًا، تصدر به كل أفعالنا جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة». ويتضح لنا من هذا الغرض أن كتاب «التهذيب» يمثل العصر الذى وجد فيه أصدق تمثيل، وهو العصر العباسى الثانى الذى كان تيار الترف والمجون فيه على أشده، لا سيما ما يرتبط بطبقات الملوك والوزراء وما يرتبط بهم من ولاة ومسؤولين فاسدين، بينما على الجانب الآخر كان الرعاع من عامة الشعب يلحسون الثرى ويأكلون الجيف.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا العصر كان عصر ازدهار للعلم والأدب والترجمة والصناعات وسائر الفنون، وذلك بفضل تشجيع الأمراء، وبخاصة عضد الدولة والوزيرين ابن العميد والصاحب بن عباد، لا سيما فى هذا الجزء من بلاد فارس الذى عاش فيه صاحبنا مسكويه، ذاك الذى ذاع صيته وارتفع نجمه بعدما قربه بهاء الدولة واتخذه مستشارًا له، فعلا شأنه وتهيأت له الأمور والأسباب وحسن له المناخ؛ فأبدع مؤلفات عدة كان على رأسها كتابه «التهذيب»، لكنه بعد ذلك نسى تمامًا كل من ساعدوه فى سباق الصعود والشهرة، وتنصل من كل أصدقائه الحميمين، حيث ترفع، فيما يقول المترجمون، عن مصاحبة الصاحب بن عباد؛ فنشأ بينهما نوع من الجفاء الشديد، دفع بمسكويه إلى هجاء صديقه وصاحب الأيادى البيضاء عليه ببعض القصائد اللاذعة التى لا نستطيع نشرها هنا.
ولربما كان هذا المسلك المشين من جانب مسكويه راجعًا بالأساس إلى مزاجه المتقلب وطبيعته النفسية المضطربة التى كانت تعانى من عدة عوامل نقص مركبة، منها أنه كان فى الأصل ثريًا ثم ضاعت ثروته كلها، ثم إنه كان طموحًا ومتطلعًا، لكن الأيام كانت تضن عليه بتحقيق معظم أمانيه وأحلامه، هذا فضلًا عن زواج أمه بعد موت أبيه وكان لمّا يزل صغيرًا أخضر، وهو الأمر الذى أحدث له جراحًا عميقة متشعبة ظلت آثارها ملازمة له طوال عمره، حيث انعدمت ثقته بالبشر، وزاد حقده على الأغنياء والمترفين وأصحاب السيادة والنفوذ.
ولكن هل كان لهذه النقائص أثر ملموس على مضمون كتاب التهذيب؟ نقول إنه كان لها بالطبع أثر، وإن كان غير واضح المعالم والقسمات، فقد انعكست المآسى التى مر بها مسكويه على كتابه، فعناوين فصوله هى خير دليل على ذلك، فالفصل الأول، مثلًا، يحمل عنوان «النفس والفضائل»، وفيه يقسم مسكويه النفس الإنسانية إلى ثلاثة أقسام، وهي: النفس الناطقة والنفس الغضبية والنفس الشهوية، ومن خلال هذا التقسيم الساذج يتضح لنا تأثره الكبير جدًا بأرسطو، حيث ينطلق من نفس البراهين التى أوردها أرسطو فى كتاباته عن النفس (كتاب النفس)، وهى تتشابه أيضًا مع منطلقات فلاسفة آخرين سابقين على مسكويه أو مجايلين له، مثل أبى حيان التوحيدى وابن سينا وابن باجة والكندي.
وفى الفصل الثانى نجده يتناول الخلق وماهيته، ويعرفه بأنه حال للنفس داعية لها فى أفعالها من غير فكر ولا روية ولا اتزان. وهذا تعريف - كما نرى - فيه بعض الشطط والرعونة؛ فإذا سلمنا أن الخلق كان هو حال النفس بالفعل، وإذا كان هو أيضًا الداعى لها إلى ما تمارسه من مسالك وأفعال، فإننا لا يمكن أن نستسيغ أن يكون الفعل حادثًا فى كل الأحوال من دون فكر أو روية، فما إذن فائدة ما يكتسبه الفرد من علم وأدب وخبرات؟
وعمومًا، فإن مسكويه كان يحاول البحث فى تلك القضية التى تقول ما إذا كان الخلق طبيعيًا لا يمكن تغييره أو أنه غير طبيعى يمكن تغييره.. وهى القضية الأزلية التى بحثها قبله العلماء والفلاسفة الرواقيون، كما أشبعها أرسطو بحثًا فى كتابه «الأخلاق»، وهى القضية نفسها التى صارت مستهلكة فى عصرنا الحالى ولم يعد يذكرها أحد إلا فيما ندر.
وأما عن الفصل الذى عنونه بـ«فى الاتحاد وحاجة الناس بعضهم لبعض»، قام مسكويه بترديد كلام أفلاطون، حيث نظريته القائلة بأن الإنسان يلزمه كثير من الأشياء كى يعيش، كما أنه أعاد فى الوقت نفسه كلام أبى حيان التوحيدي، وذلك فيما يختص بالصداقة والصديق، وكان التوحيدى قد أفرد لها كتابًا كاملًا اسمه «الصداقة والصديق» يعد بحق من الكتب الثمينة.
وفى فصل آخر عن السعادة لم يقدم مسكويه جديدًا يذكر، فقد عرض فقط لآراء الحكماء فى السعادة واختلافهم حول فكرتهم عن هذه السعادة، وكان من بينهم أفلاطون وأرسطو.. وحتى النتف التى ذكرها مسكويه عن السعادة جاءت كلها إنشائية تقريرية تخطاها الزمن وتخطتها بمراحل كتابات فلاسفة محدثين، نذكر منهم «برتراند راسل» الذى ألف كتابًا قيمًا اسمه «الوصول إلى السعادة» لم يترك فيه شاردة ولا واردة تخص السعادة إلا وذكرها وحللها وكشف عن فائدتها.
فى النهاية يتضح لنا أن مسكويه قد أخذ كثيرًا من أفكار كتابه «التهذيب» عن الثقافة اليونانية التى كان قد نقل جانب كبير منها فى عهد أبى جعفر المنصور، ويرجح أيضًا أن مسكويه قد اطلع على ما كتبه اليونانيون، وبخاصة أرسطو وأفلاطون وإقليدس، وكذلك جالينوس الذى ربما يكون مسكويه قد سطا على كتابه «التشريح»، وذلك فى أثناء تناوله لعلاج أمراض وعلل النفس، كما نذكر أيضًا فيلسوفًا ربما لا يعرفه الكثيرون يدعى «نيقوماخوس»، والذى يرجح أن يكون مسكويه قد سطا على كتابين خطيرين له هما: كتاب الأخلاق وكتاب النفس.