رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الغياب الملموس لدور المركز القومى للبحوث


28-8-2026 | 12:11

.

طباعة
بقلـم: محمد الحنفى

بالفعل، هناك غياب محسوس وملموس لدور المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية فى التصدى لكثير من الظواهر الغريبة التى طفت على سطح المجتمع المصرى فى الآونة الأخيرة، على رأسها تنامى العنف المجتمعى وجرائم القتل غير المعتادة والأكثر بشاعة.

إن المركز، الذى أُنشئ عام 1955 تابع لوزارة الشؤون الاجتماعية بغرض دراسة المشكلات الاجتماعية والجنائية فى المجتمع المصري، وتحليل أسبابها وآثارها لتقديم حلول علمية وعملية لمتخذى القرار ودعمهم فى وضع السياسات العامة، لم يُجرِ أى أبحاث أو دراسات ميدانية حديثة تقف على الأسباب وتطرق أبواب العلاج، مكتفيًا بالظهور الإعلامى، ما بين ضيوف مشاركين أو عبر مداخلات هاتفية لبعض أساتذته وخبرائه للتعليق على الأحداث.

 

وهو أمر لا يُغنى ولا يُسمن من جوع، بعكس ما كان يحدث فى السابق، عندما كان أداةً فاعلة ورادارًا يستشرف الجرائم قبل حدوثها، وليس بعد استفحالها، وأتصور أن اختزال الدور المناط به المركز فى مجرد مداخلة أو طرح وجهة نظر أو إسداء نصح لا يكفى.

ربما يرى البعض أنه كان أكثر فاعلية فى الماضى لأسباب، منها أن المجتمع كان بسيطًا ومحدود الكثافة، بما يتيح الفرصة لعمل مسوح ميدانية بسهولة، ومن ثم يتيح له تركيزًا أكبر فى عمليات الدراسة والبحث، فضلًا عن حضور أكبر فى وسائل الإعلام، التى كانت هى الأخرى محدودة.

لكن ذلك لا يبرر أبدًا غياب الدور الذى يجب أن يلعبه «المركز» وسط هذا الزخم من أبشع الجرائم المرعبة التى خلفت وراءها مجازر بشرية تدمى القلوب وتقشعر لها الأبدان خلال الأشهر الثمانية الماضية، وتثير الكثير من التساؤلات بحثًا عن إجابات تشفى صدور ملايين المصريين الذين هالتهم طبيعة تلك الجرائم الغريبة عن مجتمعنا المسالم.

الكل يبحث عن إجابة للتساؤلات التالية: هل تغيرت طبيعة المجتمع؟ هل أصبح العنف أسلوب حياة لنا كمصريين عُرفوا بالتسامح؟ لماذا ينتهى النقاش أو النزاع العادى بمذابح بشرية تُغرق دماؤها تراب هذا الوطن؟ لماذا تطورت الخلافات المالية والأسرية والعاطفية من محاولات سلمية للوصول إلى حلول، إلى جرائم قتل أكثر قسوة ووحشية؟ لماذا ارتفعت وتيرة العنف الأسري؟ لماذا تحولت البيوت من ملاذ للراحة والأمان إلى مسارح للعنف والقتل؟ هل نحن أمام زيادة حقيقية فى معدلات جرائم القتل، أم أننا نقف بالفعل أمام تغير فى طبيعة الجرائم وطرق ارتكابها وانتشارها إعلاميًا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التى باتت مكبر صوت لها بكل أسف؟

أليست الإجابة هنا من مهام مركز البحوث الاجتماعية والجنائية؟ أليست الجرائم البشعة التى وقعت خلال الفترة الماضية كفيلة بتحريك مياه «المركز» الراكدة، حتى تتحرك فرق بحثه فورًا لتقدم لنا المزيد والمزيد من الدراسات الميدانية التى تشخص الحالة، وتضع يدها على الأسباب، حتى لا تتفاقم الأوضاع وتلتهب أحداثها على خشبة مسرح الجريمة؟

فى الحقيقة، إن غياب دور المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية الذى نشعر به هذه الأيام ليس جديدًا، فقد سبق أن تقدمت عضو مجلس النواب «صفاء جابر عيادة»، عام 2022، أى منذ أربع سنوات، بسؤال إلى نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعى السابقة ورئيس مجلس إدارة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، بشأن تراجع دوره خلال السنوات الأخيرة، حتى تلاشى وجوده تمامًا.

النائبة، مثلنا، لم ترَ له أى إسهامات علمية تجاه الظواهر الدخيلة على مجتمعنا، ولم يقدم حلولًا تجاه أى مشكلة، رغم أن الغرض الرئيسى من تأسيسه أن يكون داعمًا لصناع القرار، ومن ثم لم يحذُ حذو مراكز البحوث الاجتماعية فى مختلف دول العالم، التى تعمل على دراسة واقع مجتمعاتها وتشخيص مشكلاتها وقضاياها، والوقوف على طموحاتها وآمالها، ثم تعكف هذه المراكز على تقديم الحلول العلمية الناجحة، فضلًا عن العمل جاهدةً على مواجهة أى ظواهر مستحدثة ووأدها فى حينها.

إذن، من حقنا أن نتساءل عن غياب دور المركز رغم تنامى الحديث عن جرائم القتل والعنف. ماذا عن الدراسات الدورية التى تقدم للدولة والمجتمع خارطة طريق واضحة لمصادر العنف ومؤشراته واتجاهاته؟

إذا كان البعض يؤكد وجود دراسات بالفعل، فإن المشكلة الحقيقية تكمن فى وجود فجوة بين البحث والتنفيذ، أو أن هناك حلقة مفقودة بين الدراسة ونتائجها، وبين تواصل المركز مع المجتمع والمسؤولين وعدم ظهوره بالشكل والقدر المطلوبين. ومن ثم أصبح حضور نتائج بحوثه فى النقاش المجتمعى ضعيفًا.

من هنا، يبدو أن مركز البحوث الاجتماعية والجنائية لا يزال يعانى تخلفًا فى البنية البحثية والتكنولوجية، ويحتاج فورًا إلى التحول الرقمي، الذى قيل إنه دخل مرحلته الثانية مؤخرًا، لا سيما أنه لم يعد من قبيل الرفاهية لطبيعة مركز يعمل فى مجال الجريمة والمجتمع. ومن ثم، فإنه فى أمس الحاجة إلى الوصول بسرعة إلى البيانات وتحليلها، حتى يمكنه اكتشاف التغيرات التى طرأت على أنماط الجريمة وأسباب السلوك المجتمعى.

إن المركز مُطالب بتقديم خارطة للعنف فى المجتمع، توضح مواطن الجرائم وأشكالها الأكثر انتشارًا؛ خارطة تضع يدها على مؤشرات المنطقة أو الفئة الاجتماعية الأكثر عرضة للانفجار قبل وقوع الجريمة؛ وخارطة تُظهر مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعى فى نشر ثقافة العنف أو التحريض عليه. هل فعل ذلك؟!

لا شك أن هناك قصورًا وتقصيرًا فى أداء المركز، الذى يحظى بدعم مالى ضخم بلغ 94 مليونًا و102 ألف جنيه فى موازنة 2025/ 2024، بعد أن كان 36 مليونًا و297 ألف جنيه فى موازنة العام 2024/ 2023، الأمر الذى يحتم على مديرته، د. هالة رمضان، سرعة التحرك لمعالجة هذا القصور وذلك التقصير.

الجانب المدهش، أن نصيب الدراسات الميدانية من تلك الموازنة السنوية الضخمة لم يتعدَّ 30فى المائة، فى حين تلتهم الأجور والتشغيل والمرافق والاحتياجات الإدارية 70فى المائة!.

إذًا، هناك ضرورة لإعادة هيكلة الإنفاق البحثي، بما يحدد مخصصات واضحة ومعلنة للبحوث الميدانية، ويوفر تمويلًا تنافسيًا للدراسات بحسب أولوياتها، كما يضمن ربط نتائج ما يتم التوصل إليه من نتائج وتوصيات بكافة الأجهزة المعنية فى الدولة.

المركز، الذى تتمثل مهمته فى البحث فى مشكلات تمس الأمن الاجتماعى والاستقرار الأسرى والظواهر الجنائية، مطالب بالعبور من نفق إعداد دراسات تعقب حدوث الظاهرة إلى جهاز إنذار مبكر يتنبأ بها ويحذر منها قبل وقوعها، من خلال توصيات وسيناريوهات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع!

وإذا كانت الجريمة لم تعد تطل علينا بأنماطها التقليدية، وأصبحت مرتبطة بالتكنولوجيا، فإن الدولة بحاجة إلى مساعدة مركز البحوث الاجتماعية والجنائية لمعرفة من الذى يمكن أن يرتكب الجريمة، ودوافعه لارتكابها، والفئات الأكثر عرضة لها، ثم ترشيح السياسات الأكثر فاعلية لمنعها قبل وقوعها والتعامل معها.

أما إذا كانت مشكلة المركز فى التمويل، فلا مانع من أن تسمح الدولة بمضاعفة ميزانيته، حتى تتيح زيادة قدرته البحثية بالقدر الذى يتناسب مع حجم التحديات التى يواجهها المجتمع، فالدولة التى تبخل فى توفير التمويل الكافى لدراسة أسباب الظاهرة ومنعها، تتكبد تكلفة أكبر فى علاج نتائجها.

إن السؤال الأهم بعد كل دراسة ليس: «هل تم إرسالها إلى الحكومة؟»، ولكن: ماذا فعلت الحكومة بتوصياتها؟ وهل تغير المجتمع بعد تنفيذها؟

دعونى أتحدث عن نقطة أخرى فى غاية الأهمية، بل هى حديث الساعة، أجيب من خلالها عن سؤال يردده البعض: هل تشهد مصر «انفلاتًا» فى معدلات الجريمة؟

الإجابة: لا، بكل تأكيد، وليس ذلك من وحى الخيال، بل من خلال الأرقام الرسمية. فقد انخفض معدل ارتكاب الجرائم بنسبة 14.4فى المائة خلال عام 2025، ووفق بيانات عرضها مجلس الوزراء فى يناير 2026، تقدمت مصر فى مؤشر الجريمة العنيفة من المرتبة 122 عام 2014 إلى المرتبة 29 عام 2025، كما تحسن ترتيبها فى مؤشر جرائم القتل من المركز 64 إلى 50.

وتؤكد بيانات البنك الدولى أن معدل جرائم القتل العمد فى مصر بلغ نحو 1 لكل 100 ألف نسمة فى 2023، مقابل متوسط عالمى يقارب 5. إذن، لماذا نشعر بأن العنف أصبح أكثر حضورًا ووحشية رغم تراجع معدل الجريمة العام؟

الإجابة ببساطة أن المجتمع ليس «أكثر عنفًا»، بل أصبح العنف «أكثر ظهورًا» بفعل الهواتف المحمولة ومنصات التواصل التى أصبحت تشكل عاملًا رئيسيًا فى تشكيل رؤية المجتمع وتصوراته تجاه الجريمة، وبالتالى أزاحت الستار عن الجرائم الفردية بتفاصيلها المرعبة، فأصبحت تتصدر المشهد. فى الختام، أقول إن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية يمكنه أن يُصبح مؤسسة للإنذار المبكر. وإذا كانت أنماط الجريمة تتغير بسرعة، فإنه مطالب باللحاق بها، بل واستباقها، بدلًا من سباته العميق فى مياه راكدة.

الاكثر قراءة