الأمم العظيمة هى تلك التى تملك تراثا إنسانيا عظيما قادرا على البقاء والخلود مهما مر به الزمان، هكذا هى الحضارات الكبرى فى مصر وبابل واليونان وإيطاليا، فالقوة العسكرية أو الاقتصادية هى أمور قابلة للتغير بحكم تبدل موازين القوى ودورة حياة الامبراطوريات واختلاف مقومات الاستدامة والعمران، وكم من ممالك وإمبراطوريات كبرى أفل نجمها، وضاع ثقلها السياسى أو الاقتصادى، ولم يتبق لها سوى تاريخها الحضارى شاهدا على مجدها الإنسانى غير القابل للفناء بشرط أن يبقى هذا الإرث الثقافى والحضارى قائما وخالدا على مر الأجيال.
إذن فحفاظ أى دولة على تراثها الإنسانى ليس ترفا أو رفاهية، وإنما واجب قومى تحتمه دواعى البقاء والتفرد، واستلهام القوة من تلك الجذور الراسخة سعيا إلى حاضر ناهض ومستقبل واعد، وهذا ما تفعله الدولة المصرية حاليا، فإلى جانب الحفاظ وترميم آثارنا الشامخة فى أماكنها الأصلية تشهد مصر فى عهد الرئيس السيسى أكبر حركة افتتاح مجموعة من المتاحف المتنوعة التى تحفظ بين جدرانها بشكل ممنهج ومرقمن وبأسلوب عرض علمى جذاب حضارة سبعة آلاف سنة أو يزيد، فضلا عن هذا الحراك الدءوب لتسجيل ثروة مصر العمرانية بكل ما تضمه من تنوع وتفرد وثراء.
وفى إطار هذه الأهداف النبيلة جاءت أيضا التوجيهات الرئاسية الأخيرة بأرشفة ورقمنة ما تملكه الهيئة الوطنية للإعلام من تراث فنى وثقافى يتجاوز الثمانمائة ألف ساعة إرسال أنتجها الإعلام المصرى عبر ما يقرب من مائة سنة إذاعة وست وستين سنة من الإرسال التليفزيونى، وهى خطوة تأخرت طويلا حتى جاء الرئيس السيسى ليشملها بدعمه ورعايته، ويمنحها قوة الدفع كى يتم إنجاز هذا العمل الضخم فى غضون عامين بحسب ما تم الإعلان عنه قبل أيام، هذا المشروع الطموح الذى يوفر له الكاتب أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام كل أسباب النجاح بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وكافة الجهات المعنية، لن يقضى فقط على تسرب أشرطة المبنى العتيق خارج ماسبيرو، ومن ثم فقدان الكثير من تراث فنانينا ونجوم إعلامنا، وذلك من خلال نظام أمنى سيبرانى محكم يضمن لنا بقاء تراثنا فى حوذتنا بعيدا عن السرقات التى ظللنا نسمع عنها لسنوات عديدة، وإنما يحفظ لنا أيضا هذه النسخ معالجة ومرممة وقادرة على العرض الجذاب فضلا عن إطالة عمرها بعيدا عن التلف وعوامل التعرية الناتجة عن التقلبات الجوية وسوء التخزين، فهذا المشرع الضخم من المفترض أن يمر بمجموعة من المراحل تبدأ بالتنقيب والأرشفة والفهرسة، مرورا بالمعالجة التقنية وعمليات الترميم، وصولا إلى الرقمنة تمهيدا لإتاحتها للمشاهدة والاطلاع عبر منصات مؤمنة، من الممكن أن تدر على مبنى ماسبيرو دخلا هائلا يستطيع أن يقيله من عثراته المزمنة، ويدعم تمويل خطط تطويره المستقبلية.
ومن المهم هنا أن أؤكد أن الهيئة الوطنية للصحافة فى وجود المهندس عبد الصادق الشوربجى، وهيئات ثقافية أخرى مثل الهيئة العامة للكتاب، وبتوجيهات رئاسية أيضا قد سبقت الهيئة الوطنية للإعلام فى رقمنة موادها التراثية، وطرحها عبر منصة تراث مصر هدية للباحثين والراغبين فى معرفة ما تملكه تلك المؤسسات من كنوز معرفية لا تتوفر لأى دولة أخرى بالمنطقة، وإحقاقا للحق وللتاريخ فإن دار الهلال بما تملكه من تراث معرفى متنوع وضخم عمره الآن 135 عاما كانت لها خطوات متقدمة فى هذا المجال منذ عهد الكاتب الصحفى غالى محمد رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأسبق الذى وفر لأقسام المعلومات والصور إمكانيات تنفيذ مشروع كهذا وبالجهود الذاتية، وقام بتكليفى منذ عام 2017 بالإشراف على مشروع الرقمنة بالمؤسسة، وهو الإنجاز الذى أسست عليه وارتقت به الهيئة الوطنية للصحافة ووزارة الاتصالات فور صدور التكليف الرئاسى، وأخذ منا جهدا حقيقيا عبر كثير من الانتقالات إلى مواقع مختلفة، فضلا عن اجتماعات القرية الذكية، وبدعم لوجستى كامل ولا محدود من المهندس أحمد عمر رئيس مجلس الإدارة السابق كانت نتيجته وحدة توثيق رقمى توليت تأسيسها والإشراف عليها فى حينه، ولا تزال تعمل بدأب حتى الآن من أجل استكمال إنجاز مهمتها الشاقة برعاية صادقة ومخلصة من جانب الأستاذ عمر سامى رئيس مجلس الإدارة الحالى، الذى أتوقع أن يتحقق الحلم فى عهده بأن يصبح لمؤسسة دار الهلال أرشيف رقمى كامل من إصدارات صحفية عظيمة وكتب قيّمة وغاية فى الندرة والأهمية، بالإضافة إلى ملايين الصور الفوتوغرافية الشاهدة على تاريخ مصر والعالم طوال مائة وخمسة وثلاثين عاما هى عمر هذه المؤسسة التى نعتز بالانتماء إليها، وهو التراث الذى تعرض على مدى عقود لكثير من الإهمال وسوء الحفظ والتأمين؛ حتى كان التكليف الرئاسى؛ لتحتشد دار الهلال جنبا إلى جنب مع بقية المؤسسات الصحفية والثقافية؛ لتقدم للمعرفة الإنسانية خدمة جليلة قادرة على الخلود والبقاء لمئات السنين.
وإذا كانت المؤسسات الصحفية والثقافية المختلفة قد وفرت للأجيال الحالية والمستقبلية تراثا معرفيا مكتوبا وموثقا بالصور الفوتوغرافية، فإنه بقيام الهيئة الوطنية للإعلام برقمنة وحفظ تراث ماسبيرو تكون قد أضافت إلى هذا التراث المعرفى توثيقا مسموعا ومرئيا متحركا؛ لتكتمل لمصر منظومة ثقافية وإعلامية لا مثيل لها ستبقى شاهدة على عظمة هذه الأمة وقدرتها على الخلود وتجديد عوامل بقائها مهما مر بها الزمان.
فكل العرفان والتقدير للرئيس عبد الفتاح السيسى على انتباهه لمثل هذه الخطوة المهمة، وحرصه على الأخذ بأسباب التقدم العلمى ومجاراة أحدث تقنيات العصر، وشكرا لكل يد ساهمت وتساهم فى إنجاز هذا المشروع الضخم.