رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بعد 28 عاما من تأسيس جائزة النيل: تتويج مسيرة فاروق حسنى الإبداعية


7-8-2026 | 14:24

.

طباعة
بقلـم: أمانى عبد الحميد

رحلة استثنائية خاضها الفنان فاروق حسنى بين عوالم الفن التشكيلى ودهاليز الحياة الثقافية المصرية. لعب فيها دور الفنان المبدع جنبا إلى جنب دوره كوزير لثقافة مصر. وبعد ثمانية وعشرين عاما على استحداث جائزة النيل أرفع جائزة ثقافية فى مصر، يعود لينال استحقاقها عن جدارة ويحصد ما زرعته يداه من إبداع وإنجاز.

 

إنها بالفعل مفارقة تستحق التأمل والتقدير، تبدو كقصة تحمل وجهين، وجه يحمل فوز الفنان فاروق حسنى بجائزة النيل للإبداع، ووجه يكشف عن رحلته الطويلة التى خاضها قرابة ربع قرن من العمل الوزاري، قاد خلالها أحد أكبر المشروعات الثقافية فى تاريخ وزارة الثقافة المصرية الحديثة. فهو الوزير الذى شهد ميلاد الجائزة وأسهم فى صياغة المناخ الثقافى الذى خرجت منه إلى النور، وهو الذى يقف اليوم على منصة التكريم كفنان ومبدع بعدما غادر المنصب وبقى أثره الثقافى حاضرا فى الذاكرة المصرية.

ثمانية وعشرون عاما مرت على استحداث أعلى وسام ثقافى تمنحه الدولة المصرية، حيث تأسست جائزتا النيل والتفوق فى عام 1998 خلال فترة تولى فاروق حسنى مسئولية وزارة الثقافة بقرار جمهوري، واليوم يعود «حسني» كأحد أبرز رموز الفن التشكيلى المصرى والعربى، ليقف على منصة التكريم هذه المرة لا بوصفه مسئولا سابقا، بل فنان تشكيلي كرّس حياته للإبداع، تقديرا لمسيرته وتجربته البصرية الممتدة والمتفردة داخل عوالم الفن التشكيلى بصفة عامة والتجريدى بصفة خاصة.

وبعيدا عن منصبه الوزارى، الفنان فاروق حسنى هو واحد من أهم الفنانين التشكيليين فى مصر خلال العقود الأخيرة حيث ظل حاضرا فى المشهد التشكيلى دون غياب. وصاحب تجربة كان لها تأثيرها العميق فى تشكيل الوعى البصرى المعاصر، تميزت تجربته الإبداعية بالبحث المستمر عن لغة بصرية خاصة، تمزج بين الحس البصرى والحداثة التشكيلية المعاصرة. واستطاع عبر مسيرته أن يرسخ حضورا فنيا مميزا، حيث حرص على تقديم أعماله فى معارض وقاعات كبرى داخل مصر وخارجها. لتصبح إبداعاته جزءا من المشهد التشكيلى العربى الحديث.

وبعد سنوات من الإبداع، لم تكن تجربته مجرد إنتاج فنى تقليدى بل مشروع بصري متكامل. نجح فى أن يعكس رؤيته كفنان يمتلك أدواته ويعيد صياغة مفردات اللون والشكل فى سياق يعبر عن الهوية والإنسان والذاكرة. وأصبح مشروعه متجسدا داخل أول متحف للفن التجريدى يحمل اسمه. ونال تقديرا فنيا ونقديا كبيرا. مما وضع اسم فاروق حسنى فى المقدمة كأحد الفنانين الذين أسهموا فى تطوير لغة الفن التشكيلى المصري.

كما جاءت جائزة النيل لتضع اسم فاروق حسنى فى مكانه الطبيعى بين كبار المبدعين الذين أسهموا فى تشكيل الوجدان الفنى المصرى والعربي، فالجائزة هى أرفع الجوائز التى تمنحها الدولة المصرية للمبدعين والمفكرين والمثقفين الذين تركوا أثرا ممتدا يتجاوز حدود التجربة الفردية إلى التأثير فى مسار الفن والثقافة.

وهكذا تؤكد جائزة النيل، عامًا بعد آخر، أنها ليست مجرد مكافأة على عمل إبداعى، بل شهادة تمنحها الدولة لمن أسهموا فى كتابة تاريخها الثقافي، أما فى حالة فاروق حسنى، فإنها تبدو أشبه بتتويج لمسيرة فنية طويلة، اكتملت على منصة التكريم. لتبقى الرحلة نفسها جزءًا من تاريخ الجائزة، كما أصبحت الجائزة جزءًا من تاريخ صاحبها.

وهو ما تحقق خلال الأسبوع الماضى عندما أعلنت وزارة الثقافة عن نتائج اقتراع أعضاء المجلس الأعلى للثقافة. وهو الموعد المنتظر من صيف كل عام منذ تأسيس جوائز الدولة المصرية فى عام 1958 خلال فترة تولى الدكتور ثروت عكاشة منصب وزير الثقافة المصرية. حيث إنها تأسست بقانون رقم 37 لسنة 1958 الخاص بجوائز الدولة للإنتاج الفكرى وتشجيع العلوم والعلوم الاجتماعية والفنون والآداب. جاءت الجوائز فى إطار المشروع الثقافى الذى شهدته مصر فى الخمسينيات، وكان الهدف منها تكريم العلماء والمفكرين والمبدعين، إلى جانب ترسيخ مكانة الثقافة باعتبارها إحدى ركائز بناء الدولة الحديثة. وكانت عبارة عن جائزتين فقط هما جائزة الدولة التقديرية وجائزة الدولة التشجيعية. لكنها تطورت وتضاعفت بصدور القانون رقم 24 لسنة 1998، الذى استحدث لأول مرة جائزة جديدة تحمل اسم «جائزة مبارك» الرئيس المصرى الأسبق، لتصبح أعلى جائزة تمنحها الدولة المصرية فى مجالات الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والعلوم والعلوم التكنولوجية المتقدمة. إلى جانب استحداث جائزة الدولة للتفوق أيضا.

وظلت الجائزة تحمل اسم الرئيس الراحل حتى عام 2011، حين أعادت ثورة الخامس والعشرين من يناير تشكيل كثير من الرموز المرتبطة بالعهد السابق، وفى إطار تعديل قانون جوائز الدولة، تقرر تغيير اسمها إلى «جائزة النيل» كى يكون الاسم الجديد أكثر ارتباطا بالرمز الحضارى الأهم فى مصر، مع الإبقاء على مكانتها باعتبارها أعلى جائزة ثقافية فى البلاد.

شهدت الجوائز منافسة قوية بين المرشحين، إلا أن نتيجة جائزة النيل فى الفنون كانت محسومة مسبقا. وبالرغم من قيمة وقامة الفنان الدكتور محمد شاكر العميد الأسبق لكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، إلا أن اسم فاروق حسنى حضر كى يفوز بالجائزة كأحد أبرز الأسماء فى الحركة التشكيلية والإدارة الثقافية المصرية فى آنٍ واحد.

وبالنظر إلى مسيرته الممتدة من ميلاده فى الإسكندرية عام 1938 وعبر سنوات عمله. حيث تخرج فى كلية الفنون الجميلة عام 1964، وأدار قصر ثقافة الأنفوشى والمركز الثقافى المصرى فى باريس، وعمل بالأكاديمية المصرية للفنون فى روما، قبل توليه وزارة الثقافة عام 1987. رحلته داخل أروقة وزارة الثقافة لم تكن وحدها لتمنحه الجائزة الرفيعة. لكن مسيرته الممتدة فى الفن التجريدى كان لها الأثر الكبير فى ذلك.

الاكثر قراءة