هذه مجموعة من الأحداث التاريخية التى مرت بمصر يوم 23 يوليو 1952، وما قبله، اخترناها من “قصة الثورة كاملة” التى كتبها أنور السادات، وأصدرتها «دار الهلال» أول هذا الشهر فى «كتاب الهلال». وقد سجل فيها الضابط الثائر قصة الصراع المرير والقيادة المؤمنة الباسلة.. قصة الثورة الديمقراطية التى خلدها التاريخ تحت عنوان الحرية. إننا نقدم هنا أهم هذه الأحداث التاريخية المتفرقة –بمناسبة مرور أربع سنوات على قيام الثورة– تحية للأحرار وتذكرة لنا.. نحن الشعب.
فى عام 1950، بدأت الهيئة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار تعُدُّ العدة للضربة الكبرى. وكانت مكونة فى البداية من جمال عبدالناصر، وكمال الدين حسين، وحسن إبراهيم، وخالد محيى الدين، وعبدالمنعم عبدالرؤوف، ثم انضم إليها عبدالحكيم عامر، وصلاح سالم، وجمال سالم، وعبداللطيف البغدادى، وكاتب هذه السطور.
كان كل فرد فى تنظيم الضباط الأحرار يؤمن بأنه إما النصر وإما الموت.
وكان كل فرد فيهم يستمدّ القوة والعزم بل والشجاعة من الشعب نفسه، من مشاعر الجماهير وآمالها ورغباتها وسخطها العارم على الحكام، ورغبتها الصادقة فى التحرر.
وخرجت المنشورات السرية لتقضّ مضاجع قادة الجيش والقصر والحكام، وكانت المنشورات ثورية، حددنا فيها أهداف الشعب بصراحة، لم نحدد فيها مطلبًا للجيش أو لضباطه وجنوده.
أما متى تبدأ المعركة، فهذا ما يحدده تقديرنا للموقف كعسكريين.
وقد قُدِّر الموقف فعلًا على أساس قلب نظام الحكم القائم وإحلال نظام جديد مكانه، وحُدِّدت المدة لتنفيذ الخطة كاملة فى عام 1950 بخمس سنوات.. أى أن الثورة كانت ستبدأ عام 1955، أى فى العام الماضى وليس فى يوليو عام 1952!
وفى يناير عام 1951، أُجريت انتخابات جديدة للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار، وأُعيد انتخاب جمال عبدالناصر رئيسًا لها للمرة الثانية.
الشعب لا أولادنا..
وبعد ذلك، وبينما نحن نعد خطتنا لقلب نظام الحكم على أساس تقديرنا للموقف فى البلاد فى ذلك الوقت، فوجئنا بالبكباشى عبدالمنعم عبدالرؤوف وهو ينادى بضمّ تنظيم الضباط الأحرار كله إلى جماعة الإخوان، وقال وهو يحاول إقناعنا بوجهة نظره إن جميع أعضاء تنظيم الضباط الأحرار يمكن أن يُقبض عليهم قبل أن يتمكنوا من عمل شيء، وسيحاكمون فى هذه الحالة.. فمن يرعى عائلاتهم؟ من يرعى أطفالهم وزوجاتهم وأهلهم؟
وقال إن انضمامنا لهيئة ما فيه ضمان لعائلاتنا فى حالة ما إذا أصابنا مكروه؛ فالهيئة المذكورة تتولى رعاية عائلاتنا وأولادنا.
فقلنا له جميعًا إننا مثله لنا زوجات وأولاد، ويهمنا أن نطمئن على مصيرهم، لكن المسألة ليست مسألة شخصية، فنحن نقوم بثورة لا مؤامرة.
ومصير أولادنا وزوجاتنا لا يعنينا، لأن الذى نعمل من أجله هو مصير الشعب لا أطفال الضباط الأحرار.
وقلنا له إن ارتباط الجيش بهيئة ما يعرض البلاد للفوضى؛ فالجيش يجب أن يكون خاضعًا للشعب ككل، وإلا جعلته الهيئة المذكورة أداة لتنفيذ أغراضها هى، وأهدافها هى، وخططها هى.
وقلنا له: نحن لا نستطيع أن نبيع أفكارنا ومبادئنا من أجل أطفالنا.
وأصرَّ الضباط جميعًا على رأيهم؛ فالجيش يُجب أن يصان من نفوذ الهيئات والأحزاب، الجيش هو جيش الشعب، وليس جيش الهضيبى أو الوفد أو جماعة معينة.
وكان نجاح فكرة تكوين تشكيلات داخل الجيش أكثر مما قدَّرنا؛ ففى كل وحدة من وحدات الجيش أصبح لتنظيم الضباط الأحرار أفراد فيها.
واجتمعنا وتبين لنا أننا قد نضطر إلى تنفيذ خطتنا قبل موعدها.. أى قبل عام 1955.
أين كان محمد نجيب؟!
كيف تم الاتصال بنجيب؟!
كيف ظهر على المسرح.. وهو الذى لم يعد ثورة أو أى شيء؟!
لقد صدر الأمر بنقل نجيب من سلاح الحدود إلى سلاح المشاة، وعُيِّن حسين سرى عامر «ذنب السراى» مكانه، ولم يكن لهذا النقل من مبرر.
وتردد فى صفوف الجيش أن محمد نجيب قد يستقيل بعد اللطمة التى وُجِّهت إليه، وكان الشعور العام فى الجيش ضد حسين سرى عامر.. لا لشيء إلا لأنه ذنب للسراي!
ومن هنا كان العطف على نجيب.
شعر الجميع أنه ضحية لحسين سرى عامر، ولو أن نجيب نُقِل أو أُحِيل إلى المعاش وعُيِّن بدلًا منه أى مدير آخر لسلاح الحدود، لما حظى بتأييد الرأى العام فى الجيش على الإطلاق، لكن لأن الذى عُيِّن مكانه هو ذنب للسراى، فقد أصبح نجيب يستحق العطف، ويجب أن يقف الضباط الأحرار إلى جواره. وفعلًا، حدث عقب أن سرى نبأ اعتزام نجيب تقديم استقالته أن اتصل به جمال عبد الناصر، وقال له:
- إن الضباط يطلبون منك أن تبقى كما أنت فى سلاح المشاة ولا داعى لتقديم استقالتك.
وقال له جمال أيضًا: إن اللطمة التى وُجِّهت إليه إنما هى موجهة للجيش، ولهذا فالجيش يعتزم رد اللطمة بأشدّ منها!
هكذا بدأ اتصال الضباط الأحرار باللواء نجيب، فهو فى محنة وهم يقفون إلى جواره باعتباره ضحية لـ”ذنب السراي”.
ومن هنا جاء ترشيحه لتولى قيادة الثورة، ومن هنا بدأ القدر يفتح أمامه أبواب التاريخ!
اختبار قوة الأحرار
وقررنا أن نخوض معركة انتخابات النادى لانتخاب محمد نجيب رئيسًا لمجلس الإدارة، مع حرمان سلاح الحدود من تمثيله فى المجلس، لأن مديره حسين سرى عامر خصم لنا.. ولأنه عين القصر المفتوحة فى الجيش!
ولم يكن هدف التنظيم من خوض معركة نادى الضباط الانتقام من حسين سرى عامر وردّ اللطمة للقصر فقط، بل رأينا أن هذه المعركة إذا انتصرنا فيها تكون بداية عظيمة للمعركة الكبرى القادمة: معركة قلب نظام الحكم. وشعر القصر بأن فى الجيش نشاطًا مريبًا، وأن فى الأفق سحبًا تنذر بالشرّ، فأصدروا أمرًا بتأجيل انتخابات نادى الضباط!
التنظيم يتحدى أمر التأجيل
وقد كان علينا أن نمضى حتى النهاية لتنفيذ خطتنا كاملة، ولم نبالِ بقرار التأجيل، فصدرت الأوامر لجميع الضباط الأحرار بأن يتوجه أكبر عدد منهم إلى النادى فى نفس التاريخ المحدد للانتخابات، وكان محدَّدًا لها 21 ديسمبر 1950.
وفى الموعد المحدد، كان فى نادى الضباط عدد كبير من الضباط الأحرار، وأعلنوا على الفور احتجاجهم على أمر تأجيل الانتخابات، ثم طلبوا دعوة الجمعية العمومية للاجتماع بعد ثلاثة أيام بوساطة رئاسة الجيش لنقرر ما تشاء!
ولم نكن نتوقع أن تستجيب رئاسة الجيش لهذا التحدى، لكن يبدو أنها –أى الرئاسة– خشيت توتر الموقف؛ فاستجابت للمطلب وتمت عملية الانتخاب!
وهنا وزَّع الضباط الأحرار كشفًا بمَن يرشحونهم للانتخاب، ومن ضمن هؤلاء الذين حددنا أسماءهم اللواء محمد نجيب.. وهو الذى لم يكن يعرف ماذا يجرى وراء الستار، وماذا نعده له نحن أفراد التنظيم من مفاجآت كبرى ستغير مجرى حياته!
ونجحت خطة التنظيم.. فكل الذين سجَّلنا أسماءهم فى قائمة الانتخابات نجحوا وبأغلبية ساحقة!
وليس هذا فقط، بل لقد مضينا فى تحدِّى القصر إلى أبعد مدى، فرفضنا تعيين مندوب من سلاح الحدود فى مجلس إدارة النادي!
وكذلك كسبنا المعركة حسب الخطة الموضوعة! وقد حدث ما توقعناه، ارتفعت الروح المعنوية بين جميع أفراد القوات المسلحة، وازددنا ثقة فى خطتنا ومعاركنا وأعمالنا..!
وجاءت الأحداث..
وأقبلت الأحداث لتدفع عجلة التاريخ بسرعة لم نكن نتوقعها، فقد وقع حريق القاهرة –يناير 1952– واجتمعنا على الفور لنغير خطتنا كلها. وكان الاجتماع فى منزل حسن إبراهيم، وكنا قد قدَّرنا مدة خمس سنوات للقيام بالعملية الكبرى، عملية قلب نظام الحكم، ولكن ذلك الحدث الضخم كان أشبه بالنذير لنا.. وقدَّرنا الموقف فى ذلك الاجتماع مرة ثانية، ثم قررنا أن نكون على استعداد خلال شهر واحد.. وبذلك تغيرت الخطة!
حقيقة رشاد مهنا
وقبل أن أمضى فى سرد أحداث ما بعد حريق القاهرة، أودّ أن أقف قليلًا لأتحدث عن رشاد مهنا.. لأزيح الستار عن سر آخر غير سر محمد نجيب!
إن رشاد مهنا لم يكن فى تنظيم الضباط الأحرار، لم يكن واحدًا منا.. وعلاقته بنا سأتناولها بالشرح التام.. فقد حدث بعد انسحاب عبدالمنعم عبدالرؤوف من الجمعية التأسيسية للضباط الأحرار أن اقترح جمال عبدالناصر ضم رشاد مهنا بدلًا منه، وعارضت رأى جمال لأنى كنت أعرف شخصية ذلك الرجل.. من تاريخه ومن واقع تصرفاته!
لكن جمال ذهب فعلًا إلى رشاد مهنا وعاد ليقول لنا إن رشاد لم يصدق أن فى الجيش تنظيمًا سريًا يعدّ العدة للقيام بثورة فى البلاد. كل ما كان يعرفه رشاد مهنا هو أن فى الجيش رأيًا علميًا ضد القصر فقط، وقال لنا جمال أيضًا إن رشاد مهنا رفض أن ينضم إلى التنظيم وقال إنه يفضل التعاون من بعيد لبعيد!
وهكذا تراجع رشاد مهنا فى عام 1950، مثلما تراجع من قبل عام 1942.
وأعود إلى قصتى فأقول أنه بعد أن طارت وزارة على ماهر فى فبراير عام 1952، ذهب جمال عبد الناصر مرة ثانية إلى رشاد مهنا وفاتحه فى موضوع تنفيذ الخطة.. أى قلب نظام الحكم!!
وهنا شعر رشاد مهنا أن المسألة جد، وأن الجيش فعلًا يمكن أن يفعلها – اليوم – ويقلب النظام، وقد وافق رشاد مهنا فى هذه المرة على الاشتراك فى تنفيذ الخطة، وقال لجمال عبد الناصر أن معه ناسًا، أى وراءه رأى عام فى الجيش..! وقد وضع جمال خطته لقلب نظام الحكم على أساس أن رشاد مهنا سيشترك فيها وأن معه ناسًا، وصدرت الأوامر للضباط الأحرار بالاستعداد.. وكان ذلك فى مارس عام 1952.
رشاد مهنا يتراجع
وفجأة، بعد أن أعددنا كل شيء للتنفيذ على أساس اشتراك رشاد مهنا معنا، جاء ذلك الرجل إلى جمال ليقول له إنه نُقِل إلى العريش.
وعرفنا بعد ذلك أن رشاد مهنا قدَّم طلبًا كتابيًا إلى رئاسة الجيش للخدمة خارج القاهرة.. ويبدو أنه شعر –بعد أن اتفق مع جمال على الاشتراك فى قلب نظام الحكم– بالخوف، فقدم ذلك الطلب ليبتعد عن هؤلاء الذين يريدون توريطه فى عملية قد تطير فيها رقبته.
وقد عُدِّلت الخطة بعد تراجع رشاد مهنا وسفره إلى العريش، وكان لابد من تعديلها بحيث لا تعتمد على رشاد مهنا، وأُلغيت الأوامر وأُجِّلت العملية إلى أجل غير مسمى.
كان موقف رشاد مهنا صدمة لكل الضباط الأحرار، وأخرجنا رشاد مهنا من حسابنا نهائيًا، مثلما أخرجنا عبدالمنعم عبدالرؤوف، وكان ذلك باعثًا على ارتياحى أنا شخصيًا لأنى كنت أعرف حقيقة رشاد مهنا أكثر من جميع الزملاء.. وكان رأيى دائمًا هو عدم الاتصال به أو الثقة فيه.
محمد نجيب والرغبة السامية
مايو 1952، وكنا فى رمضان، طلب محمد نجيب عقد الجمعية العمومية لنادى الضباط بناءً على رغبة سامية!
وعرض نجيب على الجمعية موضوع قبول عضو من سلاح الحدود، ورُفِض الطلب بالإجماع..
كان نجيب حتى ذلك التاريخ لا يدرى ما يدور حوله.. لا يعرف شيئًا ولا يرى شيئًا..
إن آخر شيء كان يتوقعه محمد نجيب هو أن يقلب الجيش نظام الحكم.
أقول كان لا يعلم حتى ذلك الحين – مايو عام 1952 – أن فى الجيش تنظيمًا سريًا، ولم يعرف أى شيء عن الضباط الأحرار، وإنما كان يعرف جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وصلاح سالم.
ولم يكن يعرفهم على أساس أنهم يعملون داخل تنظيم سرى يعدُّ العدة للقيام بثورة، بل كان يعرفهم على أساس أن لهم رأيًا عامًا فى الجيش فقط!
هكذا كان وضع قائد الثورة الذى حرر البلاد، وطرد الملك وأعلن الجمهورية وحطم الإقطاع وقضى على تجار السياسة والفساد.
هكذا كان حال اللواء محمد نجيب فى عام 1952، أى فى عام الثورة، رجلًا مسالمًا يرى أن الرغبة السامية لها احترامها، ويرى أن المسألة فى الجيش ليست ثورة بل رأى عام لجمال وصلاح وعبد الحكيم!
هكذا كان حال الرجل الذى تحدث عنه العالم كله وأشاد بثورته المجيدة وببطولته الفذة، وقيادته للشعب المصرى فى معاركه ضد الاستعمار والإقطاع.. ضد جلاديه.
كان مثل أى رجل فى مصر وفى مثل سنه، مثل أبى وأبيك.
جمال وعبدالحكيم فى القاهرة
وأعود إلى القصة فأقول إنه فى سياق ذلك العام، بحث التنظيم أمر تنفيذ الخطة من جديد، وتقرر تأجيل التنفيذ إلى نوفمبر من نفس السنة.. سنة 1952.
وكانت هناك حركة تنقلات ضخمة فى الجيش، وشعر التنظيم أن هذه الحركة إنما الغرض منها هو تشتيت شمل الضباط الأحرار وإحداث ارتباك بين صفوفهم.. وفعلًا حدث ما كانت تهدف إليه رئاسة الجيش.. فقد بدأت التحركات بين وحدات الجيش على أثر صدور حركة التنقلات السريعة، وشعر التنظيم بالخلل فى جهازه نتيجة لتلك التحركات.. فهناك ضباط أحرار كان عليهم أن يتركوا أماكنهم إلى غيرها نتيجة لتلك التحركات الجديدة.
كانت فترة حاسمة فى تاريخ الضباط الأحرار، وكان الوقت هو سيد الموقف.. ولابد من التماسك والتكتل ثم الوثوب على الأعداء قبل أن تحدث كارثة.
19 يوليو ونجيب لا يعلم
كانت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار توالى اجتماعاتها فى تلك الأيام التاريخية الرهيبة المليئة بالأحداث.
وأبلغ جمال الهيئة أنه يمكن تنفيذ الخطة الأساسية بالقوات الموجودة، وقال إن ذلك يمكن أن يتم ليلة 21 و 22 يوليو.
كل هذا كان يحدث وكل تلك الأحداث التاريخية الكبرى كانت تقع، واللواء نجيب فى بيته لا يعلم شيئًا ولا يرى شيئًا.. بل لم يكن قد عرف أن فى الجيش تنظيمًا سريًا سوف يقلب نظام الحكم.. وكنا فى 19 يوليو.
وقد صدرت الأوامر لجميع الضباط الأحرار بالانتظار يوميًا فى «مراكز تجمع» من الساعة الثالثة بعد الظهر حتى منتصف الليل، وأُبلغوا بموعد التنفيذ، وكل هذا واللواء نجيب فى بيته لا يرى شيئًا ولا يسمع شيئًا، بل ولم نكن قد فاتحناه حتى ذلك الوقت بمسألة قيادته للثورة.. على أى حال، لقد كان كل شيء يُعَدُّ له لكى يدخل من أبواب التاريخ، لكى يحرر الشعب، ويطرد الملك، ويقضى على الفساد، ويعلن الجمهورية.
كنا جميعًا نمهد له الطريق فى تلك الأيام نحو الخلود.. كنا نواصل ليلنا بنهارنا لكى يخرج من بيته –وهو لا يعلم– ويُقال له: أنت زعيم.
وكان جمال عبد الناصر هو الذى وضع الخطة العامة، وعاونه عبدالحكيم عامر وكمال الدين حسين، وكان عبدالحكيم فى تلك الأيام –كما قلت فى الفصل السابق– فى إجازة مرضية.
وتم وضع الخطة العامة ثم كُلِّف عبدالحكيم بوضع الخطة التفصيلية، واستعان عبدالحكيم بزكريا محيى الدين.
وفى 20 يوليو، أى قبل الثورة بثلاثة أيام، توجه جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر إلى بيت محمد نجيب لإبلاغه بأنه الزعيم والقائد ومحرر البلاد الذى سيقلب نظام الحكم.
وطرق العملاقان باب البيت، وكان عند نجيب البكباشى جلال ندا والصحفى محمد حسنين هيكل.. وكانت الأنظار قد اتجهت إلى نجيب فى ذلك الوقت بعد أزمة مجلس إدارة نادى الضباط.
وأقول مرة ثانية وثالثة ورابعة حتى الألف: إن نجيب لم يكن يعلم لماذا جاء إليه جمال وعبدالحكيم.. وربما ظن أن الاثنين جاءا لمواساته بعد حل مجلس إدارة النادى ولتشجيعه كالعادة.. وتظاهر جمال وعبدالحكيم أنهما جاءا للاستفسار عن صحة اللواء... وأخيرًا لم يجد جمال وعبدالحكيم بدًا من الانصراف.. دون أن يفاتحا «نجيب» فى مسألة الثورة.. وكان لا يدرى ماذا فى رأسيهما.
وبعد تلك الزيارة –فى 20 يوليو– لمس جمال أنه ربما يكون من الخطر على الثورة الاتصال بنجيب مرة ثانية؛ إذ ربما أنه كان فى ذلك الوقت موضوعًا تحت المراقبة.
وأمام هذا الخاطر، قرر جمال الاتصال بنجيب بعد نجاح الخطة.. أى بعد القيام بالثورة.
أزمة النادى وأزمة الحكم
وجاء يوم 21 يوليو.. ولم تكن الخطة التفصيلية قد فُرِغ منها بعد.
وأُجِّلت العملية من ليلة 21/22 إلى 22/23 حتى يمكن استدعاء جميع الضباط الأحرار الذين لا يزالون فى الإجازة، وكان كمال الدين حسين هو حلقة الاتصال معهم.. يُبلغهم تطورات الموقف أولًا بأول.
فماذا حدث بعد 21 يوليو؟!
أى قبل الثورة بيومين اثنين؟!
إن نجيب لم يعرف. كان لا يزال ينتظر فى منزله حل أزمة تأذى الضباط، أما نحن فكنا ننتظر حل أزمة نظام الحكم.
وبعد هذا، أى فى 20 يوليو، تَحَدَّد موعد قيام الثورة نهائيًا ليلة 22/23 يوليو، وصدر ذلك القرار بالموعد النهائى من أعضاء الجمعية التأسيسية الموجودين فى القاهرة، ولم أكن موجودًا يومها فى القاهرة، وكذلك صلاح سالم وجمال سالم، فقد كنا فى العريش ورفح.
فى مطار العريش..
وفى يوم 21 يوليو، فى ساعة مبكرة من الصباح، كانت هناك طائرة تتجه من القاهرة إلى العريش.. وهى نفسها الطائرة التى تسافر إلى العريش عادة كل يوم اثنين – لكن فى هذه المرة كان حسن إبراهيم فيها، أرسله جمال عبد الناصر إلينا.. صلاح سالم وجمال سالم وأنا.
وكان جمال عبدالناصر قد اتصل بنا تليفونيًا وأخطرنا بأن “حسن” فى طريقه إلينا.. وفى مطار العريش كنت مع جمال سالم فى انتظار الطائرة.
جاء حسن إبراهيم ليبلغنا أن الخطة الأساسية ستنفذ ما بين 22 يوليو و5 أغسطس!!
وطلب حسن منى أن أسافر على الفور إلى القاهرة لمقابلة جمال عبدالناصر..!
وقال جمال سالم إنه ما دامت الخطة ستنفذ خلال هذه الفترة، فإنه سيبقى فى العريش لينهى بعض الأعمال العاجلة، ثم يطير إلى القاهرة يوم الخميس.
وتركت حسن إبراهيم لأعود إلى رفح سريعًا، وأعددت حقائبى على الفور، ثم استأذنت من قائدى فى السفر، بعد أن أخبرته أن والدتى مريضة جدًا.. وكان القطار الذى يسافر إلى القاهرة يقوم فى الصباح!
وفى صباح 22 يوليو كنت جالسًا فى قطار القاهرة.
من السينما إلى المعركة!
وفى محطة القاهرة، وكانت الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر، رأيت أن أقضى السهرة مع أولادى فى إحدى دور السينما الصيفية القريبة من منزلنا.. اعتزمت هذا على أساس أننى سأتوجه فى الصباح التالى لأقابل جمال عبدالناصر وأتلقى منه ما يخصنى من أوامر لتنفيذ الخطة..
وكانت دار السينما تعرض –كالعادة– ثلاثة أفلام مرة واحدة.. وجلست مع الأولاد فى السينما نتابع الروايات الثلاث.
وفى خلال تلك المدة، كان جمال قد ذهب إلى منزلى بسيارته الأوستن المشهورة ولم يجدنى، ولم يعرف البواب دار السينما التى ذهبنا إليها، وعاد جمال يسأل مرة أخرى بعد ساعة، فلما لم يجدنى، ترك لى بطاقة مع البواب كتب عليها:
«المشروع ينفذ الليلة، المقابلة فى بيت عبدالحكيم الساعة 11»..
وجمال فى تلك الليلة كان يلفّ بسيارته فى جميع أنحاء القاهرة كالنحلة تمامًا.. ليوزع الأوامر على الزملاء.
وما كاد البواب يناولنى البطاقة بعد عودتنا من السينما حتى وجدت نفسى أقفز فوق درجات السلم إلى شقتى، تاركًا أولادى مذهولين مع البواب..!
وخلعت القميص والبنطلون، وارتديت ثيابى العسكرية، ثم ركبت سيارتى الخاصة الصغيرة وانطلقت بها..
إننى لم أجد أحدًا فى بيت عبدالحكيم عامر.. فأين أذهب؟ كنت حائرًا!!
الملازم الذى قبض عليَّ!
لم أرَ بدًا من التوجه إلى مبنى رئاسة الجيش، لابد أن قواتنا قد اتجهت إليها مادامت العملية قد بدأت، وكنت منطلقًا فى شوارع القاهرة بأقصى سرعة تحتملها السيارة الصغيرة، وعند قشلاق العباسية أوقف أحد الضباط سيارتى.. ولما رأى رتبتى خاطبنى بلهجة حاسمة مليئة بالحزم، بالرغم من أنه كان يوزباشيًا لكنه كان من الضباط الأحرار..
قال لى أن لا أذهب إلى وحدتى فى الصباح وأن أكون فى انتظار أوامر جديدة!
وعلمت أن تلك كانت صيغة الأمر الذى يُبلِّغه الضباط الأحرار إلى جميع الضباط من رتبة بكباشى فما فوق!
وتابعت مسيرى فوصلت إلى قشلاق السوارى، وكان الطريق هناك مقفلًا، وتأكدت أن العملية بدأت فعلًا، وخاصة بعد أن سمعت أصوات مئات الطلقات وهى صادرة من ناحية مبنى القيادة!
وأردت أن أمرَّ من “الكردون” الذى صنعته قواتنا.. ولكن الضباط منعونى. وكان صارمًا جدًا معى لأنى لا أعرف كلمة السر!
كان موقفى رهيبًا.. فبلا كلمة السر لن يسمح لى الضابط الصغير أن أمرَّ من “الكردون” إلا على جثته! فكيف أتصرف إذن؟!
كيف أقنعه أنى من الأحرار.. كيف أدعه يتركنى أخوض المعركة مع قواتنا؟..
لقد كنت أرى أشباحًا عديدة من بعيد.. إنها قواتنا تغلب نظام الحكم.. وإذا بى واقف خلف “الكردون” والضابط الصغير يمنعنى بل وبدأ يتحرش بى..!
وامتلأت رأسى بمئات الخواطر: ترى هل أُصيب أحد من الزملاء؟ ترى ماذا يصنع جمال الآن؟ وأين عبدالحكيم؟ أين الجميع وماذا صنعوا؟..
وعدت بسيارتى ثم اضطررت إلى اللفّ من فوق كوبرى القبة، لأمرَّ من المدخل الثانى للكوبرى الذى يواجه مستشفى الجيش.
وهناك وجدت الطريق مغلقًا أيضًا، ولكن ضابط “الكردون” كان يعرفنى.. لمحت وجهه من بعيد فعرفته، إنه ملازم أول كان يعمل معى فى رفح، وهو يعرفنى شخصيًا، قضينا معًا وقتًا طويلًا فى مكان واحد!
وما كدت أقترب حتى سمعت صوت الملازم صديقى وهو يمنعنى من الاقتراب.. ثم وهو يقترب منى ويرى وجهى.. لكن لا تظهر على وجهه علامات تبشر بالخير، فبالرغم من أنه عرفنى، فإنه كان لا يعلم أنى من الضباط الأحرار، فألقى القبض علىّ فى الحال!!
وهنا شعرت بصدرى يمتلئ بالضيق ورأسى يكاد ينفجر، حاولت إفهامه دون جدوى، أن الصداقة التى تربط بيننا لم تشفع لى عنده فى معركة الحياة أو الموت.. فلم يصدقنى لأنى لا أعرف كلمة السر!
ولم أعرف ماذا يمكننى أن أفعل، وزاد من علمى أن أصوات الطلقات النارية من قريب ازدادت حدتها!!
يا عبدالحكيم.. أنا أنور!
وفجأة أضاء الأمل مرة أخرى صدرى. وكنت مع الملازم صديقى الذى قبض علىّ فوق الكوبرى، فسمعت صوتًا من بعيد يشبه صوت عبدالحكيم عامر.. واجتاحنى شعور بالخلاص، كان الصوت القريب إلى نفسى يصدر تعليمات إلى قوات كثيرة، ويحدد لها أماكنها.. وفى هذه اللحظة كانت العربات المحملة بالجنود والضباط تمرّ من أمامى، إنها قواتنا بدأت تقلب نظام الحكم!
ووجدت نفسى أنادى بملء صوتي: يا عبدالحكيم.. يا عبدالحكيم.. أنا أنور..!
رأيت شبح عبدالحكيم يقترب منا.. وهنا فقط أفرج عنى صديقى الضابط!
البطل الصامت..!
ومضيت مع عبدالحكيم.. لم يكن معى صلاح، وناولنى عبدالحكيم طبنجة.. وهو فى تلك الليلة كان يحمل كل أنواع الأسلحة الصغيرة.
وبدأت أسأل عبدالحكيم فى لهفة عن الموقف.. وكان صوت الطلقات لا يزال يدوى كالرعد من حولنا، وقال عبدالحكيم:
- رئاسة الجيش سقطت..
وصمت ثم عاد يرد على أسئلتى فى هدوء عجيب..
قال لي:
- الطلقات التى أنت سامعها دى عملية تطهير لمبنى الرئاسة.
- ولم يقل لى عبدالحكيم فى تلك اللحظة إنه هو الذى قاد معركة رئاسة الجيش، وإنه هو الذى احتلها بجنوده!
- هو الذى قاد الجنود ثم يعدو بهم واقتحم بهم المبنى وهو يحمل طبنجته.. تمامًا مثلما فعل ذات يوم فى فلسطين.. عندما تقدم وفى يده مسدس ومن خلفه عساكره واقتحم مستعمرة نيتساليم.. وكان تصرفه ذاك أشبه بالأساطير التى ترويها لنا جداتنا..
- ولولا أنه رُقِى إلى رتبة «صاغ» استثنائيًا لما عرف أحد ماذا صنعه يوم نيتساليم.. إنه صامت على الدوام، لا يتكلم أبدًا عن نفسه، وأعصابه تبدو كأنها فى أعماق الجليد!
لقد كان عبدالحكيم عامر دائمًا باسلًا حاسمًا يخوض معاركه بإيمان راسخ متين وأعصاب تبدو ساعة المعارك كأنها الفولاذ! إنه فى يوم نيتساليم، بمسدسه وعساكره من خلفه.. وفى يوم رئاسة الجيش بمسدسه وعساكره من خلفه..
وفى يوم 27 فبراير فيما بعد.. فى عام 1945 حين تدخل ببسالته وحسم الموقف، فمنع بجرأته قيام حرب أهلية كانت على وشك أن تقع بعد دقائق..
أقول فى كل هذه المواقف كان عبدالحكيم بطلًا أسطوريًا يحمل رأسه على كفيه وبإيمان لا يزعزعه رصاص أو ديناميت.
المخابرات تعرف الخطة
وأعود إلى قصتنا.. إلى قصة سقوط رئاسة الجيش.. بمن فيها من قادة!!
فى الساعة الحادية عشرة مساء يوم 22 يوليو، توجه أحد ضباط المخابرات، اليوزباشى سعد توفيق، وكان من الضباط الأحرار، وأبلغ جمال عبدالناصر أن الخطة اكتشفتها رئاسة الجيش، وأن حسين فريد رئيس هيئة أركان حرب الجيش، قد دعا قواد الوحدات إلى مؤتمر عاجل فى مبنى الرئاسة.
جمال كقائد..
وكان معنى ذلك أن الثورة لن تقوم.. بعد أن عرفت قيادة الجيش خطة الضباط الأحرار..
لكن جمال عبدالناصر لم يتراجع.. إن العملية قد بدأت ولا سبيل إلى التقهقر، فلم يبقَ غير ساعة واحدة وتصل جميع قوات إلى مراكز تجمعها.. وتبدأ المعركة..!!
أقول لم يتراجع جمال، بل قرر القبض على هؤلاء القادة الذين دعاهم حسين فريد للاجتماع فى مبنى الرئاسة!
وفى ذلك الوقت، وبعد كل تلك التطورات، كان اللواء محمد نجيب لا يزال فى منزله.. لا يرى شيئًا ولا يسمع شيئًا!
رشاد مهنا مرة أخرى
وفى الساعة الثانية من صباح 22 يوليو، بَلَغَت من القاهرة إشارة – النجاح– المتفق عليها إلى جميع وحدات الجيش خارج القاهرة.. فلم تمضِ ساعة حتى كانت جميع وحدات القوات المسلحة يسيطر عليها الضباط الأحرار.
فقد كانت التعليمات تقضى بأنه بمجرد تبليغ إشارة النجاح، يسيطر الضباط الأحرار على القادة فى الحال.
وفى العريش ورفح، كان صلاح سالم وجمال سالم قد سيطرا على جميع القوات هناك سيطرة كاملة.. بمَنْ معهما من ضباط أحرار.
وفى تلك اللحظة، وبعد أن سيطر جمال سالم وصلاح سالم على قوات العريش ورفح، توجه جمال سالم إلى رشاد مهنا.. وكان وقتذاك فى العريش، وطلب جمال سالم من رشاد مهنا أن يتولى قيادة لواء العريش، وبالرغم من أن «رشاد» كان قد عرف أنباء نجاح التنظيم فى السيطرة على الجيش، إلا أنه تردد أيضًا فى هذه المرة مثلما كان دائمًا يفعل كلما اتصل به أحد من التنظيم ليطلب منه أن يشترك فى العمليات!
وبعد أن رفض رشاد مهنا أن يتولى القيادة فى العريش، طلب جمال سالم من صلاح حتاتة –رئيس الدائرة الأولى لمحكمة الشعب اليوم– أن يتولاها، وفعلًا تولى صلاح قيادة لواء العريش بدلًا من رشاد مهنا!
متى عرف نجيب؟
وفى الساعة الثالثة من صباح يوم 23 يوليو، قال جمال لنجيب بالحرف الواحد:
- الضباط الأحرار قاموا بالثورة الليلة.. والثورة نجحت والمنطقة العسكرية محاصرة.. وإحنا عايزينك تيجى، حنبعَت لك عربية تجيبك.. وهكذا عرف نجيب –لأول مرة– حكاية الضباط الأحرار!
وفى الساعة الخامسة صباحًا.. أى بعد ساعتين من معرفة نجيب لحكاية الثورة، وبعد أن عرف أن جمال يجلس –الآن– مع أعضاء القيادة الجديدة فى مبنى رئاسة الجيش.. أقول فى الساعة الخامسة وصل نجيب إلى مبنى رئاسة الجيش.. وفى هذا الوقت كان عبدالحكيم عامر جالسًا بعد البيان الذى سيُذاع على الشعب فى الصباح من محطة الإذاعة.
وجلسنا جميعًا فى مبنى القيادة نرقب شروق الشمس.. وكل شيء قد كُلِّل بالنجاح الساحق، ولم نكن نتوقع النجاح بهذه الصورة السريعة الخاطفة!
فى أقل من 24 ساعة..
وكنا نحن نعتقد أن تنفيذ المراحل الثلاث للخطة الأساسية ربما استغرق وقتًا طويلًا بعد بدء العملية.
لكن ما إن انتصف نهار 23 يوليو حتى كانت السيطرة على الجيش قد أصبحت مطلقة، بل إن الذى كان يرى حال البلد فى منتصف نهار ذلك اليوم.. كان يقطع بأن الجيش قد سيطر عليها أيضًا!
وكان المظهر الضخم لهذه الحقيقة –أى سيطرة قيادة الثورة على البلد– يبدو من فرحة الناس بما حدث.. وتلك الفرحة كانت تكاد تقفز من وجه كل مواطن فى الطريق!
تمت –إذن– مرحلتان من الخطة الأساسية فى أقل من 24 ساعة.. لقد كانت –فعلًا– معجزة لم نتوقع أن تتم على الإطلاق فى مثل هذا الوقت القصير جدًا!.. ولم يبقَ أمامنا إلا المرحلة الثالثة.. طرد الملك!
ثم بعد ذلك نمضى فى تحقيق أهداف الثورة المصرية..