رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الموانئ المصرية.. «قوة لوجستية ضاربة»


23-7-2026 | 14:21

.

طباعة
بقلـم: د. وفاء على

القدرات اللوجستية أبجدية أى دولة تنظر إلى الخريطة العالمية بعين المكان والمكانة، ومن هنا تأتى مفاتيح القوة.

لا شك أننا ماضون فى طريقنا، وتحولنا لمركز دولى للتجارة العالمية والطاقة، ولم نترك هذا الملف تبعًا للظروف الدولية أو الأحداث الراهنة، فوسط كل الضجيج العالمى اليومى والتوترات المشحونة بالتغيرات الجيوسياسية وصراع الكبار، كانت مصر تخطط وتعمل وفق قرارات سديدة، فعندما تأتى الرياح فأغتنمها.

 

لقد وضعت القيادة السياسية فى اعتبارها منذ اليوم الأول لتولى المسؤولية أن تستغل كل الأدوات الجيواقتصادية لمصر، واليوم ندخل نادى الكبار للتجارة العالمية كمنصة للتصدير للأسواق العالمية والإقليمية، وتعزيز تقديم الخدمات البحرية وتموين السفن، لنحقق حلمًا طال انتظاره، واستطعنا العمل على مصادر عدة شملت ممرات لوجستية زراعية وصناعية وخدمية وتعدين وإنشاء، وشبكة طرق وشرايين مواصلات ضخمة للربط بين الممرات والموانئ، وإنشاء وتطوير موانئ جافة ومناطق لوجستية، وزيادة الأرضية الحالية وزيادة الأعماق فى الموانئ بجانب مركز إقليمى للطاقة، أيضًا، والقضاء على أحلام من يفكرون فى الجوار فى حفر قنوات تخنق قناة السويس أو إنشاء خطوط سككية من أجل المنافسة، لقد كسرت الدولة المصرية أحلام الطامعين فى ترند الحيازة الدولية للتجارة العالمية.

وتمثل الموانئ الظهير الأقوى لأى دولة واقتصادها وأمنها القومى والاقتصادي، كذلك تؤثر اجتماعيًا بشكل مستدام، فهى بمثابة نقطة الارتكاز للتجارة العالمية سواء الصادرات أو الواردات، ويصل حجم السلع التى يتم تداولها عبر الممرات المائية العالمية إلى ما يتجاوز 12 مليار طن حول الموانئ العالمية.

إن قوة الظهير الخاص بالموانئ من شأنه أن يعطى للدولة قوة اقتصادية عملاقة، فهى مورد رئيسى للعملة الأجنبية، بالإضافة إلى فرص التوظيف الواسعة، وإقامة كثير من الصناعات سواء التحويلية أو التكميلية فى المناطق المجاورة لهذه الموانئ، وتعزيز الحيز الجغرافي، مما أدى إلى احترام المنافسة بين دول العالم لتطوير موانئها والحصول على ترتيب متقدم فى معايير الجودة والأداء والتداول والقياس، فالكل يسعى أن يكون مركزًا لوجستيًا للتجارة العالمية.

والسؤال المهم الذى تم طرحه من قبل: لماذا مدت مصر شرايين الحياة فى كل الطرق على المساحة الكونية لمصر، وما هو دورها فى استكمال شبكة الربط سواء البرى أو البحرى أو السككى أو بحريًا، وهناك سباق كبير لإنهاء هذه المنظومة المتكاملة؟ وتأتى الإجابة بكل وضوح أننا نستكمل عناصر القوة الشاملة أو ما يسمى بالقوة الضاربة، فمصر بموقعها الجيوسياسى الذى وهبه الله لها، وميزة الجغرافيا العبقرية التى قال عنها الجغرافى العبقرى جمال حمدان إنها «عبقرية المكان»، فلدينا أهم ممر ملاحى عالمى ألا وهو قناة السويس، لدولة تربط بين القارة الإفريقية والأوروبية والآسيوية والتى يمر من خلالها أكثر من 12 فى المائة من حركة التجارة الدولية العالمية، والتى أثبتت نفسها فى المرحلة الراهنة من حيث الأفضلية كأهم ممر ملاحى عالمى حاز على التميز، خصوصًا فى ظل الظروف الجيوسياسية التى يمر بها العالم على خلفية التوترات الجيوسياسية.

قناة السويس وإدارتها قادرة على أن تجلب أكبر الحاويات، خصوصًا فى ظل المنافسة الشرسة والقوية بين كافة الموانئ العالمية.

لقد حرصت القيادة السياسية التى تعرف قيمة مصر وقدراتها وأهمية موقعها الجيوسياسى أن تضع استراتيجية لتطوير الموانئ بشكل مستدام وتنموى متكامل يمتد إلى المحيط الجغرافى لتلك الموانئ، ليكون هناك ظهير من المناطق اللوجستية لزيادة الطاقة الاستيعابية، ترسيخًا لكون مصر مركزًا إقليميًا وعالميًا للتجارة وكذلك الطاقة.

لقد حرصت الدولة المصرية فى إطار مشروعها الوطنى لخدمة منظومة التنمية الشاملة والمشروعات القومية التى تتبناها الدولة، والتى تسهم بشكل مباشر وغير مباشر فى تحسين خدمات التجارة الخارجية، خصوصًا تجارة الترانزيت والخدمات اللوجستية والتنمية الصناعية والتجارية، لما له من مردود إيجابى على الاقتصاد القومى فى جلب مزيد من الاستثمارات، وإتاحة فرص التشغيل، ووجود تشابك وربط بين مصر ودول الجوار وكل دول المحيط الإقليمى والدولي.

فى إطار تكامل المنهج التكتيكى لاستراتيجية الدولة المصرية فى التنافسية العالمية نحو طريقها للعالمية كمركز إقليمى ودولى للتجارة العالمية، أولت الدولة اهتمامًا بمناطق الموانئ الجافة والبرية والمناطق اللوجستية، فهناك موانئ برية هى (أرقين البرى الذى ظهر دوره الريادى فى استقبال الفارين من الحرب فى السودان، وقد تقدم بخدماته على طول الـ 24 ساعة للأشقاء من السودان العابرين إلى مصر الحاضنة، بالإضافة إلى ميناء قسطل البري، ميناء رأس حدربة، ميناء السلوم البري، كذلك موانئ طابا البرية، ميناء العوجة البري، وميناء رفح)، ولقد تم إعداد مخطط شامل على أساسه يوجد عدد 17 ميناء جافًا ومركزًا لوجستيًا على مستوى الجمهورية، وهي: «السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، السادات، برج العرب الجديدة، دمياط الجديدة، الفيوم الجديدة، بنى سويف، سوهاج الجديدة، وادى كركر، توشكى، أبو سمبل، قسطل، أرقين، السلوم».

لقد تدرجت مصر فى مؤشرات الأداء للخطوط الملاحية البحرية على المستوى الإفريقى والاقتصادات الأكثر ترابطًا، وفى نفس الإطار وضع قطاع النقل البحرى أهدافًا استراتيجية قائمة على نظرية أساسية أن 90 فى المائة من حجم تجارة مصر مع العالم يتم من خلال الموانئ البحرية والدولية المصرية التى تعمل جاهدة فى تطوير البنية الفوقية والتحتية للموانئ البحرية، من أجل الآتي:

عمل خريطة استثمارية للموانئ المصرية.

التغطية الجغرافية لمصر بخدمات لوجستية مقدمة للنقل البحري.

اعتماد البنية التحتية والفوقية على معايير السلامة الدولية.

وجود سلاسل ربط بين الموانئ وشبكة الطرق المصرية (شرايين الحياة).

تحويل مصر استهدافًا للعالمية لمركز تجارى عالمى دولي.

الحرص على تأهيل القدرات البشرية.

إصدار التشريعات التى تمكن الدولة من إعطاء مرونة للمستثمرين.

تأمين الموانئ البحرية بأحدث الوسائل الحمائية.

استهداف التصنيف العالمى الدولى للموانئ المصرية بتحويلها إلى موانئ خضراء لتحقيق الاستدامة بحلول عام 2030.

دعم وتطوير الأسطول التجارى البحرى المصري.

تنمية سياحة اليخوت والسياحة البحرية.

إن الشواطئ المصرية بطولها الذى يبلغ 3000 كيلومتر أهلت الدولة لامتلاك 18 ميناء تجاريًا، وتعمل على استغلال كل قدراتها وإمكاناتها، وذلك لجذب الاستثمارات بمشروعات متكاملة تقدر بـ 80 مشروعًا بتكلفة تصل إلى 129 مليار جنيه، ويتم التنفيذ بالأيدى العاملة المصرية التى تقدر بحوالى 150 ألف عامل، ومشاركة حوالى 100 شركة من القطاع الخاص، وكون بعضها تحالفات مع شركات عالمية للتطوير والتشغيل، وهذا هو قانون العالم اليوم، ومنها شركات CMA - CGM الفرنسية وذلك مع الشركة المصرية للمحطات متعددة الأغراض لإدارة وتشغيل محطة تحيا مصر.

إن مصر التى تسعى إلى وضع مكانها على الخريطة العالمية للمنافسة قد أعدت خطة لوجستية متكاملة قائمة على تلك الممرات التى قلنا عنها من قبل (شرايين حياة جديدة) بأيادٍ مصرية، تحتوى على مناطق التدريب كذلك مناطق الاحتفاظ بالحاويات المبردة.

لا شك أن الموانئ هى بوابات الدول على العالم لزيادة حجم التجارة العالمية، ولذلك قامت مصر بتطوير ظهيرها من الموانئ على عدة محاور:

أولها: خلق ممرات لوجستية متكاملة، وهى الموانئ الحديثة بأرصفة تصل إلى 65 كم وأعماق تتراوح بين 15 إلى 18 مترًا، ليصبح لدينا 100 كم أرصفة.

ثانيا: استهداف تعميق الممرات الملاحية لتستوعب 370 مليون طن بدلاً من 185 مليون طن سنويًا.

ثالثا: استيعاب الموانئ 22 مليون حاوية مكافئة بدلاً من 12 مليون حاوية مكافئة سنويًا.

رابعاً وأخيراً: استعادة قوة الأسطول البحرى المصري، وانضمام السفينة وادى الملوك إلى ترسانة مصر البحرية.

تأتى منطقة العين السخنة وميناؤها الحيوى ليكون نقطة انطلاق مع بداية عام 2024، ومع تشغيل القطار السريع من ميناء السخنة إلى العلمين الجديدة، هناك 23 كم من الأرصفة بالعين السخنة وبعمق 18 مترًا، مع وجود ساحات تداول تصل إلى 10 كم، ومع وجود السكك الحديدية ستصل إلى 17 كم.

لقد تم اختيار شركاء يتمتعون بالقوة فى مجال النقل البحرى وتشغيل المحطة الخاصة بتحيا مصر وفقًا لأحدث الأساليب العالمية، خصوصًا فى أعمال الروافع والأوناش العملاقة، وتعمل جميع المعدات باستخدام الطاقة النظيفة.

لقد شكلت مساحات التداول بميناء الإسكندرية حوالى نصف مليون متر مربع، توفر 1500 فرصة عمل مباشرة و2000 غير مباشرة.

بالإضافة إلى مشروع تحيا مصر بالسخنة وميناء الإسكندرية، هناك محطة متعدد الأغراض رصيف 100 بميناء الدخيلة، ورصيف بطول 1,8 كم، وأيضًا محطة حاويات ثانية تحيا مصر 1، 2 بميناء دمياط، وأرصفة بإجمالى طول 2 كم و 3,4 كم، ورفع كفاءة حاجز الأمواج الشرقي، وإنشاء حاجز أمواج غربى مستجد بميناء دمياط بإجمالى 5,4 كم، وإنشاء محطة متعددة الأغراض (سفاجا 2) بميناء سفاجا البحرى بإنشاء رصيف بطول 1,1 كم، وإنشاء محطات متعددة الأغراض فى ميناء برنيس بأطوال أرصفة 1,2 كم، وإنشاء محطات متعددة الأغراض فى ميناء جرجوب بأطوال أرصفة 2,2 كم.

لقد تم وضع آلية أثناء عمليات التطوير لظهير تأمين الموانئ فى طريق التحول لمركز لوجستى للتجارة العالمية، وتحويل هذه الموانئ إلى موانئ خضراء تراعى البعد البيئى باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتطبيق أعلى معايير التكنولوجيا لتقليل نسب الانبعاثات الكربونية والتلوث لتحسين الأداء البيئي، وإنهاء أى آثار سلبية من تغيرات المناخ، من أجل رفع التصنيف الأول للموانئ البحرية المصرية وتحويلها كلها إلى موانئ خضراء تستخدم مصادر الطاقة المتجددة، وهناك محطات للتحكم فى أى غازات صادرة.

ميناء شرق بورسعيد الأخضر هذا الميناء الذى انتقل من المركز الـ 36 إلى المركز العاشر عالميًا، والذى يعمل كأول ميناء أخضر فى القارة صديق للبيئة، هذا الميناء الذى يتمتع بميزة فريدة وهى عدم وجود أى (انحراف قاري)، بمعنى أن السفن لا تحتاج لأى مناورة حتى تلتف وترسو على الأرضية، فعمليات المناورة تحتاج إلى وقت ومهارة فى أداء ربان السفن، وأيضًا الوقت يساوى زيادة استخدام الوقود، وهذا يؤدى إلى زيادة التكاليف، بالتالى ميناء شرق بورسعيد، لقد بلغت تكلفة إنشاء الأرضية الاستراتيجية التى تساوى 5 كم بميناء شرق بورسعيد نحو 6,8 مليار جنيه، ووصلت أرصفته لتسع 15 مليون حاوية، تعمل بها شركة ميرسك التى لها أكبر رصيف فى الشرق الأوسط، ويعد هذا الميناء واحدًا من 6 موانئ بحرية بالمنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس، وهى (شرق بورسعيد، ميناء غرب بورسعيد، ميناء العريش، ميناء العين السخنة، ميناء الطور، ميناء الأدبية).

السفينة وادى الملوك هى إحدى سفن البلق أى ذات الأحجام الاستيعابية الكبيرة، كصرح عملاق فى مجال النقل البحري، وذلك لاستعادة الريادة البحرية، فنحن ملوك البحار منذ عهد محمد علي، وهناك خطة واسعة لبناء أسطول تجارى مصرى قوى مع الاهتمام بوجود نظم حديثة، وهو ما يسمى ببوابات التعريف بالسفن لتوفير الوقت والتكاليف، ومع زيادة الغاطس إلى حوالى 18 مترًا استطاعت مصر أن تبدأ عصر.. تجارة الترانزيت

لقد آلت مصر على نفسها بهذه الاستراتيجية أن تكون مركزًا لدعم سوق الترانزيت، فلقد أصبحنا نستطيع أن نستقبل 1,5 مليون طن كوزن حاوية، وتأتى السفينة وادى الملوك كأكبر سفن الأسطول التجارى المصرى المطابقة للمعايير العالمية.

لقد تم زيادة الطاقة الاستيعابية لتبلغ 233 فى المائة بـــ90 كم من الأرضية من أجل إنشاء المناطق اللوجستية بنظام متعدد الوسائط.

وتتميز هذه المناطق اللوجستية أن لها بعض الصناعات سواء محليًا أو خارجيًا كمناطق ترانزيت، مما يفتح آفاق فرص التشغيل، ولا ننسى أن شرايين الحياة للربط البرى بشبكاته وتطوير الدعم اللوجستى والقطارات السريعة لـــ 75 طريقًا يساوى 7000 كم.

إن تدعيم تجارة الترانزيت خطوة مهمة تنعكس على مركز مصر فى التجارة العالمية بمساحات التداول التى فاقت 1/2 مليون متر مربع، إقامة المساحات لعمليات التعزيل والتبريح، محطات ذكية تستقبل 7 سفن ذات حمولات كبيرة فى نفس الوقت مع عدم تراكم السفن فى أى من الموانئ، أى تكدس للحاويات والسفن.

كان لابد أن يصاحب هذا التطوير وتزامنًا معه منظومة للإفراج الجمركى تعتمد على تخفيض الزمن وبالتالى تخفيض التكلفة.

كانت هناك حاجة ماسة لتطوير التشريعات فى التعريفة، وتفعيل منظومة الاستيراد وحوكمتها، وتدريب الكوادر البشرية، والانتقال إلى محور الميكنة والتحول الرقمى ونظام التسجيل المسبق، كذلك اتباع أحدث الأساليب العلمية لإدارة المخاطر، فنحن أمام مشروع خط التجارة العربى مع الأردن والعراق للتصدير إلى أوروبا وأمريكا، وكان يحتاج إلى آليات تتميز بالسرعة لتستفيد مصر من قدراتها وموقعها الاستراتيجي.

إن شبكة الموانئ المصرية هى شبكة تليق بحجم مصر وموقعها الجغرافى ووجود أهم ممر ملاحى عالمي.

لقد وضعت الدولة المصرية خطتها لإدارة ثرواتها وتفعيل أدواتها الجيواقتصادية لتدخل ترند التجارة العالمية، وتقول للعالم كله: «هنا القاهرة مركز التجارة العالمية، هنا عبقرية المكان، نحن أصحاب المركز العالمى الجديد، لقد تم إنشاء الطرق والمحاور والكبارى والقطارات السريعة لربط مفاصل مركزنا اللوجستى العالمى للتجارة الدولية، بالإضافة إلى أن نكون مركزًا لوجستيًا لتداول الطاقة، وهذا يحتاج إلى حديث آخر».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة