فى إطار الاحتفال بذكرى ثورة يوليو 1952، يبرز ملف التسليح والتطوير العسكرى كأحد أبرز محاور مسيرة بناء الدولة المصرية الحديثة، فمنذ اللحظة الأولى للثورة وضعت القيادة السياسية نصب عينيها بناء قوات مسلحة قوية قادرة على حماية المقدرات الوطنية، وهو ما تجسد فى تطور مستدام عبر العصور، امتد من عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلى العصر الحالى بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى. وإيماناً من «المصور» بأهمية هذا الملف الاستراتيجى، تستعرض آراء نخبة من كبار الخبراء العسكريين والاستراتيجيين لتسليط الضوء على المحطات الفارقة فى تاريخ التسليح المصرى.
فى هذا الشأن، يوضح اللواء طيار دكتور هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن ثورة يوليو 1952 كانت البداية الفعلية لإرساء مفهوم الدولة القوية ذات القوات المسلحة القادرة على حماية المقومات الوطنية، فقد شهد عهد الرئيس جمال عبد الناصر انطلاقة كبرى فى مجال التصنيع العسكرى المحلى، ولم تقتصر الجهود على مجرد الاستيراد بل تم إنشاء مصانع حربية عملاقة، وخاضت الدولة تجارب رائدة فى تصنيع الطائرات مثل مشروعات «القاهرة 100» و«القاهرة 200»، ولا يزال النموذج التجريبى للطائرة «القاهرة 300» شاهداً على تلك المرحلة الفارقة التى وضعت أسس الصناعة الوطنية.
وأضاف «الحلبى» أن اعتماد مصر على الذات فى التصنيع لم يكن خياراً ترفيهياً بل ضرورة حتمية فرضتها طبيعة الصراع مع قوى التسلح العالمية، مما دفع الدولة إلى استثمار العقول العلمية المصرية فى الكلية الفنية العسكرية وغيرها من المعاهد لتكون نواة للنهضة الصناعية الدفاعية، وكانت حرب أكتوبر 1973 المحطة الأبرز فى إعادة تشكيل العقيدة العسكرية المصرية، حيث أثبت العنصر البشرى المصرى قدرته على اقتلاع أسطورة الجيش الذى لا يُقهر، رغم الفجوة التقنية فى التسليح آنذاك، ففى عهد الرئيس السادات تولدت قناعة راسخة بأهمية تنويع مصادر السلاح، وظهرت الهيئة العربية للتصنيع ككيان صناعى واعد، ودخلت مصر فى شراكات مع كلا المعسكرين الشرقى والغربى، وهو النهج الذى استُكمل فى عهد الرئيس مبارك، مع استمرار التطوير فى منظومتى التدريب والتأهيل، مما تراكمت معه خبرات الجيش المصرى فى اختيار أحدث النظم القتالية، وساهم هذا التراكم المعرفى فى تكوين مدرسة قتالية مصرية خالصة، تمزج بين أفضل ما فى المدارس العالمية بما يتناسب مع طبيعة الأرض والعدو والتضاريس المصرية.
ووصف اللواء الحلبى تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى قيادة البلاد بأنه «طفرة كبرى فى كافة الاتجاهات»، موضحا أنها ارتكزت على استراتيجيات واضحة ومحددة قابلة للقياس والرصد الميدانى، تتمثل فى تحديث وتنويع التسليح حيث تم تطوير المنظومة الدفاعية بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا العالمية، مع تنويع مصادر السلاح، ودخلت إلى الخدمة طائرات «الرافال» الفرنسية ومقاتلات «الميج-29» الروسية، بالإضافة إلى حاملتى المروحيات «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات»، ولم يقتصر الأمر على القوات الجوية والبحرية فقط بل شمل منظومات الدفاع الجوى المتكاملة التى تم تحديثها بأنظمة رادارية وصاروخية متطورة تجعل الأجواء المصرية محصنة ضد أى طائش، مما يعكس استراتيجية واضحة للوصول إلى أعلى مستويات الكفاءة القتالية.
وبيَّن أنه فى ظل فترة الرئيس السيسى حدثت قفزة فى التصنيع العسكرى، فقد تم تصنيع معدات وأسلحة بمعايير عالمية داخل مصر، فعلى سبيل المثال تم تصنيع جزء كبير من ناقلات الجند «إى إم إل» محلياً بعد شراء النموذج الأول من فرنسا، كما شهدنا طفرة فى تصنيع الطائرات بدون طيار بتصميم وتنفيذ مصرى 100 فى المائة، فضلاً عن إنتاج ذخائر دقيقة موجهة وأنظمة اتصالات مشفرة بالكامل بأيدٍ مصرية، وتجلى هذا التطور بوضوح فى معرض «إيدكس» الدولى للسلاح، مما جعل مصر قبلة للوفود العسكرية العالمية فى مجال التصنيع الدفاعى، والذى حظى بتصنيف عالمى متميز من نسخته الأولى، وأظهر قدرة الصناعة المصرية على منافسة أحدث الأسلحة العالمية.
وتابع: لم يقتصر التطوير على السلاح فحسب، بل امتد ليشمل البنية التحتية والكوادر البشرية، حيث تم إنشاء وتحديث قواعد عسكرية حديثة مثل قاعدة «محمد نجيب» وقاعدة «برنيس»، وأصبحت هذه القواعد مجتمعات عسكرية متكاملة تضم مراكز محاكاة قتالية على أعلى مستوى لتناسب أحدث النظم التسليحية، كما شهدت منظومة التدريب والتأهيل طفرة كبرى، تجسدت فى نقل الأكاديمية العسكرية المصرية ومعاهدها إلى مواقع جديدة بالعاصمة الجديدة، وتطوير مركز القيادة الاستراتيجية للقوات المسلحة، مع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى إدارة العمليات وربطها بغرف عمليات موحدة تتيح اتخاذ القرار فى لحظات.
وأكد اللواء الحلبى أن الفلسفة العسكرية المصرية فى العصر الحديث تقوم على مفهوم شامل للأمن القومى، لا يقتصر على البعد العسكرى فقط بل يمتد ليشمل التعاون مع القطاعات المدنية، عبر المشاركة فى المشروعات التنموية الكبرى وتأهيل الكوادر المدنية لمواجهة التحديات والتهديدات الهجينة، مما يعزز الردع ويحقق الأمن الشامل، ويظل العنصر البشرى المصرى هو الرقم الأصعب فى المعادلة حيث حرصت القيادة على صقله بأحدث برامج التدريب، حتى أصبحت الكفاءة القتالية للجيش المصرى تضاهى بل تتفوق أحيانا على نظيراتها فى كبرى الدول العظمى، وهو ما يظهر بوضوح فى كثرة التدريبات المشتركة التى تجريها مصر مع مختلف الدول على مدار العام.
من جانبه، أضاف اللواء أركان حرب الدكتور محمد قشقوش، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية ومستشار المجلس المصرى للشئون الخارجية، أن تغطية المسيرة من ثورة 23 يوليو إلى اليوم تتطلب موسوعة متكاملة، إلا أن الرصد الدقيق لأهم النقاط الفاصلة يكشف عن تطور العقيدة العسكرية المصرية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وأن جوهر النجاح يكمن فى عدم الجمود على نمط واحد بل المرونة فى اختيار ما يناسب المصلحة الوطنية العليا، وكانت البداية الفعلية قد انطلقت مع ثورة 1952، حيث تولى الرئيس محمد نجيب رئاسة الدولة فى أعقاب الثورة، بينما شغل الرئيس جمال عبد الناصر منصب وزير الداخلية، ثم رئيس الوزراء، قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية رسمياً عام 1954، وشهدت هذه الحقبة أحداثاً كبرى بدءاً من اتفاقية الجلاء، مروراً بالعدوان الثلاثى عام 1956، وتجربة الوحدة مع سوريا عام 1958، وحرب اليمن، وصولاً إلى نكسة 1967 التى شكلت صدمة عنيفة دفعت القيادة السياسية والعسكرية إلى إعادة النظر فى منظومة التسليح بالكامل، وصولاً إلى حرب الاستنزاف التى تلت ذلك، والتى أثبتت فيها القوات المصرية جدارتها فى إنهاك العدو.
وأشار «قشقوش» إلى أن اللحظة الأكثر حسماً فى عهد عبد الناصر كانت صفقة التسليح التشيكية التى مثلت تحولاً استراتيجياً جذرياً من الاعتماد على المدرسة الغربية إلى المدرسة الشرقية (السوفيتية)، ليس فقط فى الترسانة بل فى التنظيم والتكتيك القتالى، وذلك بعد إدراك القيادة المصرية أن الغرب لن يلبى احتياجاتها التسليحية، وظلت هذه المدرسة هى المهيمنة حتى وفاة عبد الناصر عام 1970 رغم محاولات تصحيح المسار فى النصف الثانى من الستينيات، وفى عهد الرئيس محمد أنور السادات، ظلت المدرسة الشرقية هى المهيمنة، لكن مصر لم تحصل على كامل احتياجاتها العسكرية لخوض حرب أكتوبر 1973، فخاضت المعركة بما توافر لديها من إمكانات محققة النصر العظيم بفضل عبقرية التخطيط والإرادة الفولاذية للعنصر البشرى، وهو ما يؤكد أن السلاح وحده لا يصنع النصر، بل الروح القتالية والإدارة الميدانية المتفوقة، ومع توقيع اتفاقية السلام تحولت مصر إلى المدرسة الغربية والأمريكية، وبدأ تدفق المساعدات العسكرية الأمريكية اعتباراً من عام 1979، وهو المسار الذى استمر فى عهد الرئيس محمد حسنى مبارك، مع زيادة نظم التسليح الأمريكية على حساب نظيرتها السوفيتية فى استراتيجيات تسليح انتقالية.
ونوّه «قشقوش» إلى أن عام 1995 شهد حدثاً بالغ الأهمية تمثل فى بدء التصنيع المشترك لدبابة «إم 1 إيه 1» أبرامز بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، لتكون مصر أول دولة فى العالم تدخل فى هذا المستوى من التصنيع المشترك مع أمريكا فى ذلك التوقيت، وقد تدرجت نسبة المكون المحلى فى هذه الدبابة من 35 فى المائة إلى 65 فى المائة، وهو إنجاز صناعى وعسكرى كبير يحسب لجهود التعاون المصرى الأمريكى، وظلت هذه الدبابة آنذاك ضمن أفضل دبابات العالم، وما زالت تشكل العمود الفقرى للقوات المدرعة المصرية، وهو نموذج يحتذى به فى كيفية تحويل المساعدات العسكرية إلى توطين تكنولوجى حقيقى، لافتا إلى أن الفترة الانتقالية التى أعقبت أحداث 2011 وحكم الفصائل السياسية لم تشهد تغيرا جوهرياً فى مسار بناء وتطوير المؤسسة العسكرية، وظلت القوات المسلحة بمنأى عن التداعيات السياسية، محافظة على تماسكها وجاهزيتها ولم تؤثر سلباً على مسيرة التطوير والتسليح.
وشدد «قشقوش» على أن النقلة النوعية الحقيقية والطفرة الشاملة تحققت فعليا فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، وتمثلت فى استراتيجية «تنويع مصادر السلاح» بشكل غير مسبوق، حيث لم تعد مصر مقتصرة على مدرسة بعينها بل انفتحت على كبرى الدول الصناعية، فالترسانة المصرية تضم الآن السلاح الفرنسى (الرافال) والروسى (الميج) والأمريكى أيضا، بالإضافة إلى التعاون الوثيق مع إسبانيا وإيطاليا، ولم يقتصر الأمر على الشراء المباشر بل امتد ليشمل التصنيع المشترك والتصنيع المصرى الخالص بنسبة 100 فى المائة، مما جعل هذه المرحلة الأغنى والأكثر تطوراً فى تاريخ التسليح المصرى، ورسخ لمبدأ الاستقلالية فى بناء القدرات الدفاعية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المعاصرة.