طروحات الدكتور الهلالى الفقهية، تؤشر على فقيه مصرى مجتهد يُذكرنا بالمجتهدين الأوائل الذين ملأوا الدنيا بعلمهم وفقههم على قاعدة التيسير على الطيبين. ينتمى إذا جاز التصنيف إلى المدرسة العقلية الحديثة (الإصلاح المعاصر)، التى نشأت فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على يد مفكرين عظام مثل جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده، ودعت إلى تحرير العقل من الجمود، والانفتاح على معطيات الحضارة الإنسانية، وإعادة فهم النصوص لتواكب مقتضيات العصر.
ومدرسة العقل فى اتجاه معاكس لمدرسة النقل (وتُعرف بمدرسة أهل الحديث)، وهى إحدى أبرز المدارس الفقهية والمنهجية فى الفقه الإسلامي، والتى تعتمد بشكل أساسى على النصوص الشرعية (القرآن والسنة) كمصدر وحيد أو رئيسى لاستنباط الأحكام، وتُقلل من اللجوء إلى الاجتهاد العقلى أو الرأى إلا فى أضيق الحدود.
معلوم، الدكتور سعد الدين الهلالى ربما لا يلقى قبول المعممين من أنصار مدرسة النقل الحرفى التى تجافى العقل، وبينه وبينهم فراسخ فكرية، سنوات ضوئية حتى يفقهوا فقه مدرسته العقلية التى لا تخاصم النص ولكن تعقله، وقاعدته الراسخة الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والجمود عن الاجتهاد مثل التولى يوم الزحف.
فى وصفه، ونرجو توفيقًا فى تثمين اجتهاده الثمين، الهلالى فقيه صعب المراس، قوى الشكيمة، بحر فى الفقه، مجدد، درس المذاهب جميعًا، ووقف مقارنًا بينها، مستصحبًا علومها، متفردًا ببيان عرضها، لا ينحاز إلى مذهب، ولا يقف عند تفسير، ويؤمن بالقلب، وعنوانه الأثير وصية الرسول صلى الله عليه وسلم، «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ»، وهذا الحديث من الأربعين النووية، رواه الإمام أحمد عن وابصة بن معبد رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له: (جِئْتَ تَسْأَلُنِى عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ نَعَمْ فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِى صَدْرِى وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِى النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِى الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ) .
الدكتور سعد الدين الهلالى أستاذ الفقه المقارن فى كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر يشكل نقلة نوعية فى مدرسة الفقه، ويصح عنوانًا لمدرسة التجديد المرتجاة.
إلمام الفقيه المحدث بالمذاهب جميعًا، لا يغادر تفسيرًا أو حديثًا أو رواية إلا أحصاها، ويقف على المتون ولا يهمل الحواشي، ويجتهد فى عرض الآراء جميعًا غير منحاز أو مشايع، مع ترك فرجة واسعة للمسلم أن يتخير بقلبه، ويُعمل عقله، دون سيطرة من عمامة، أو تسلط من شيخ، المسلم هو الأصل، ولستَ عليهم بمسيطر، هكذا عنوانه العريض.
قيمة الدكتور سعد الدين الهلالى العلمية يقدرها العلماء المنصفون، أما زاوية الرؤية اللافتة فهى عطفة «الهلالى» على أصحاب الديانات الأخرى، سيما إخوتنا المسيحيين، يغبطهم حديث الهلالى الذى يفيض بالإنصاف والعدل الذى تعلمه من مدرسة القرآن الكريم، ومتّنها بدراساته فى المدرسة النبوية الشريفة، وتطويع ما تيسر من الحديث والتفسير ما يُعلى من قيمة المواطنة والأخوة الإنسانية.
خطاب «الهلالى» يعرف من عناوين مؤلفاته القيّمة ومنها، «حقوق الإنسان فى الإسلام»، و«المعاملات المالية المركبة»، و«الأزمة المالية والحلول الإسلامية»، و«البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية»، و«الجانب الفقهى والتشريعى للاستنساخ».
«الهلالى» مصنف ضد الجماعات والشياخات وسطوة العمائم، يفضل ارتداء الثياب الأفرنكية وهو الأزهرى القح، ليس مجافيًا ولكنه ليس من أصحاب العمائم، يقف صلبًا شامخًا ضد محاولة الوصاية على المسلم، عنده المسلم هو الأساس، واختياره هو الأصل، وحكمه من القلب.
لا يأبه لمرشد ولا ينصّب نفسه شيخًا، ويفقّه المسلم ويحفزه، أنت أمام ربك، ودليلك فى قلبك، استفت قلبك، لا تحتاج إلى مرشد ولا إلى دليل، ويعرض على المتلقى أمينًا كل الآراء، وكل المذاهب، وكل ما ثبت عن الأقدمين، دون إغفال لرأى ولو كان نادرًا، أو تفسير ولو كان غريبًا، يعرض الآراء كلها، حتى جواز الأضحية بطير توسيعًا وتيسيرًا وحتى لا يحرم المسلم من ثواب الأضحية.
الهلالى يؤسس لتيار جديد فى تجديد الفقه يقوم على نزع القداسة، ولا يركن إلى تفسير وحيد وإن كان إجماع الفقهاء، هناك دومًا رأى مخفى عن عمد أو سهو وهذا يخالف الأمانة العلمية والفقهية، ولا يستطيب رأيًا فينتصر لقائله، ولا يغفل اجتهادًا منسوبًا لصاحبه.
مدرسة الهلالى يصح وصفها بمدرسة «العصف الفكرى»، يعصف الهلالى بالذهن الراكد، يتواصى مع المسلمين، بفكر، تدبر، الفقه من اجتهاد بشر، أما الشريعة فمن عند الله، ويأبى أن تعامل طبقة الشيوخ الفقه بقداسة أو ترفيع لما هو فوق إعمال الفكر، وينظر إلى فقه الأقدمين نظرة حداثية لا تهمل ظرفًا مكانيًا أو زمانيًا إلا أحصته وعرضته، وللمسلم حق الاختيار، لا يسلبه منه كائن منْ كان حتى لو كان من أهل الحل والعقد، وأهل الحل والعقد: هم أهل الشأن من الأمراء والعلماء والقادة والساسة ووجوه الناس.