وإذا كان التطابق بين الثورتين ليس موجودا، وفى التاريخ لا يمكن أن يكون هناك تطابق بين حدثين كبيرين، يفصل بينهما، أكثر من ستين عامًا، لكن هناك أوجه شبه فى مسار الثورتين من ذلك التمسك بالنظام الجمهورى والإصرار عليه، أقامت ثورة يوليو النظام الجمهورى، وأقامت ثورة 30 يونيو «الجمهورية الجديدة»؛ إذ لا توريث للسلطة ولا للحكم تحت أى مسمى، بل يُعرض الأمر على الشعب فى انتخابات حرة تنافسية، فى معظم سنوات الجمهورية الأولى كان الانتخاب يتم بنظام الاستثناء، ولكن منذ سنة 2005 صار بالانتخاب بين أكثر من مرشح، كان نظام الاستفتاء معمولاً به فى كثير من دول العالم، ومازالت بعض الدول تترك إلى مجلس النواب اختيار الرئيس والمصادقة عليه، دون انتخاب من المواطنين، لبنان الشقيق نموذجًا، العراق أيضًا، لكننا فى مصر انحزنا إلى نظام الانتخاب بين عدد من المرشحين، صاحب الأغلبية هو الذى يفوز.
فيما بين الثورتين قضايا وأمور مشتركة، على رأسها قضية الاستقلال الوطنى..
فى حالة ثورة يوليو 1952، كانت المسألة واضحة، وهى استكمال الاستقلال بجلاء الاحتلال البريطانى عن مصر جلاءً تامًا، وطبقًا لمعاهدة سنة 1936 التى وقّعها النحاس باشا عن مصر مع وزير خارجية بريطانيا أنتونى إيدن، خرج الإنجليز من المدن المصرية وتركزت قواتهم فى منطقة قناة السويس، كان لديهم 80 ألف جندى بعتادهم وسلاحهم الكامل فى منطقة القناة، وكان الخطر هو أن يتم تحريك هذه القوات فى أى لحظة نحو الداخل المصرى، وقبل سنة 1952 فشلت كل محاولات التفاوض مع بريطانيا أو الضغط عليها للجلاء التام، ولما تسلم الضباط الأحرار الحكم دخلوا فى عملية تفاوض، وكان أن تم توقيع اتفاقية الجلاء سنة 1954؛ وقّعها من الجانب المصرى الرئيس جمال عبدالناصر ومن بريطانيا أنتونى إيدن، وبالفعل تحقق الجلاء التام فى 18 يونيو سنة 1956 –بعد 74 سنة من الاحتلال- وحاولت بريطانيا العودة ثانية بعد قرار تأميم قناة السويس فى 1956 بالعدوان الثلاثى، لكن فشلوا، ونالت مصر استقلالها التام.
بعد ثورة 30 يونيو، كانت لدينا مشكلة، صحيح أنه بحمد الله لم يكن ثمة احتلال، لكن حدودنا الأربعة، لم تكن مؤمّنة، حدودنا الغربية مع ليبيا الشقيقة، وفى الشمال الشرقى بسيناء، كانت الحدود مستباحة من جماعات الإرهاب التى تأتينا من الخارج والأسلحة التى يتم تهريبها، فضلا عن الهجرات غير الشرعية وتهريب المخدرات، حتى أن بعض المجلات والصحف العالمية تناولت أكثر من مرة مسألة حدودنا فى سيناء، غير المؤمّنة، والحق أن الحدود غير آمنة، يعنى حرفيا سيادة منقوصة أو مهددة، ليس فقط أنها تفتح الباب للتهريب وخلافه، لكن قد تفتح الباب لقدوم مستوطنين يؤسسون مجتمعًا خاصًا بهم هناك، أو يعلنون إقامة ولاية خاصة، وتصبح دويلة، وهذا ما حاولته فعلاً جماعة الإرهاب، بتأسيس «ولاية سيناء» بالعلم الأسود، ويجب القول إننا خضنا كفاحا مريرا وصعبا كى ننزع هذا الخطر، خاضت قواتنا المسلحة مع رجال الشرطة المدنية والمواطنين حربًا حقيقية، قدمنا أكثر من ثلاثة آلاف شهيد وجريح حتى أمكن تأمين الحدود والانتصار على الإرهاب، وتم كذلك تأمين حدودنا مع ليبيا الشقيقة، وأيضا حدودنا الجنوبية، ولنتذكر أن قواتنا المسلحة فى الجنوب طردت الشهر الماضى أكثر من 99 ألف مهاجر غير شرعى، استوطنوا فى الجنوب وأقاموا خيامًا وراحوا ينقبون عن الذهب والمعادن، لو تُرك هؤلاء فترة يعلم الله كيف كانت ستمضى الأمور بهم وبنا.
ولا يجب أن نتصور أو يزعم أحد أن تلك المخاوف مبالغ فيها، حدث ذلك فى أكثر من بلد، لاحظ مثلًا منطقة أرض الصومال بالنسبة للصومال، وفى شرق أوروبا حدثت حالات مشابهة وغيرها.
إلى جوار تأمين السيادة واستقلال الوطن، كانت هناك معركة استقلالية القرار المصرى، بعيدا عن أى ضغوط أو مؤثرات. فى الخمسينيات شاركت مصر فى تأسيس دول عدم الانحياز، وتشكيل كتلة بعيدا عن الاستقطاب وقتها بين الجانب الاشتراكى بقيادة الاتحاد السوفييتى والحلف الغربى (الرأسمالى) بقيادة الولايات المتحدة، لكن حاليا الأمر مختلف، صار العالم منذ سنة 1990 محكوما بقوة وحيدة هى الولايات المتحدة ولابد من علاقة معها، وفى نفس الوقت بناء علاقات مع الأطراف الدولية المختلفة، بحيث يتحقق التوازن فى العلاقات الخارجية ولا نكون أسرى طرف واحد، من هنا تعمقت العلاقات المصرية الصينية، زار الرئيس الصينى مصر، وتعمقت علاقاتنا بروسيا وبالاتحاد الأوروبى، الأمر الذى حقق لنا توازنا فى علاقاتنا واستقلالية القرار والتواجد المصرى، لم نعد أسرى طرف بعينه.
وفى الجمهورية الجديدة، جرى تحديث تسليح الجيش وتدريباته، ولا يجب أن ننسى أن أحد أهداف ثورة يوليو كان بالنص «بناء جيش وطنى قوى»، وتم بناء الجيش قويا وطنيا، جيش المصريين، ليس جيشا فئويا ولا طائفيا، بل من أبناء مصر، هذا الجيش هو الذى قام بالعبور فى السادس من أكتوبر سنة 1973، وحرر سيناء، وهو نفس الجيش الذى حفظ البلاد وحمى المؤسسات فى يناير 2011 وما بعدها، وهو الذى قام بحماية ملايين المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع يوم 30 يونيو، ثم خاض حربًا ضارية ضد الإرهاب والإرهابيين، وفى الأزمة التى انفجرت بالمنطقة منذ يوم السابع من أكتوبر 2023، كان هذا الجيش هو الدرع الواقية والحامية لمصر وللمصريين، ولم يتأخر لحظة عن أداء واجبه الوطنى فى حماية الأرض والحدود، وحماية الدستور والشرعية السياسية.
على أن أبرز سمة فى ثورتى يوليو 52 و30 يونيو 2013، هو اتجاه كل منهما إلى التأسيس والبناء، ثورة يوليو أسست السد العالى، الذى كان حلمًا لدى المصريين منذ سنوات الثلاثينيات، وهو بتقدير هيئة الأمم المتحدة أهم مشروع مائى تنموى فى القرن العشرين، وثورة 30 يونيو اتجهت إلى البناء والتنمية منذ اللحظة الأولى، وحتى اليوم، كانت البداية بازدواج قناة السويس، خلال سنة، الأمر الذى أثار دهشة العالم كله، تم المشروع بأموال عموم المصريين، ثم إنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وخرجت مصر إلى الصحارى، تنشئ المدن والمجتمعات الجديدة، بكل ما تحتاجه من خدمات ومرافق، نحو 21 مدينة زكية جديدة، أبرزها أمامنا مدينة العلمين الجديدة.. والمهم تأسيس «العاصمة الجديدة» وربطها بالقاهرة بكل وشسائل المواصلات الحديثة؛ المونوريل والأتوبيس الترددى والقطار الكهربائى.
بناء عاصمة جديدة هو تفكير تعرفه الدولة المصرية، تأسست الفسطاط مع الفتح العربى، وبعدها القطائع، ثم القاهرة، وفى العصر الحديث خرج البناء إلى مناطق صحراوية، فكان حى العباسية ثم القاهرة الخديوية، وبعدها مصر الجديدة، وهكذا.. وفى زمن ثورة يوليو تأسست مدينة نصر، ثم حى المهندسين، ثم مدينة أكتوبر والعاشر من رمضان، وها هو البناء يتواصل، لكن هذه المرة بمقر جديد للدولة بمؤسساتها كافة، وقد اكتمل السبت قبل الماضى بقيام فخامة الرئيس بافتتاح المقر الاستراتيجى لقيادة الدولة، مبنى «الأوكتاجون» بالعاصمة الجديدة إلى جوار هذه المنشآت، تأسست عشرات الجامعات الجديدة، فى سنة 2013 كان لدينا (50) جامعة حكومية وخاصة وأجنبية، الآن تضاعف الرقم، لدينا أكثر من 103 جامعات، فضلاً عن عدد آخر من الأكاديميات والمعاهد العليا والمتخصصة.. لم يعد أبناؤنا بحاجة إلى السفر بعد الثانوية العامة إلى الخارج بحثًا عن مقعد داخل إحدى الكليات فى أوكرانيا أو رومانيا وغيرهما من البلدان الأوروبية، وحرصت الدولة على أن يكون هناك تآخٍ بين الجامعات الجديدة والجامعات الكبرى فى العالم، ليكتسب الخريج الخبرة العلمية والأكاديمية الأحدث فى العالم.
ولا يقتصر الأمر على المنشآت والمؤسسات الأكاديمية، لكن هناك الكثير من المشروعات الحديثة، أبرزها التأمين الصحى الشامل، بدأ التأمين الصحى سنة 1964 وكان خاصًا بالعاملين فى الدولة، لكن الآن نحن نسير فى إطار التأمين الصحى الشامل لكل المواطنين والمواطنات فى أنحاء البلاد.
وإذا كان استقلال الوطن وسيادة قراراته هدفًا رئيسيًا لثورة 30 يونيو، كما كان مع ثورة يوليو 52؛ فإن ذلك أدى إلى تعميق الوعى بمصريتنا والدولة الوطنية المدنية، ضد مشروعات أممية كانت تهدف إلى تذويب الوطنية المصرية والدولة فى مشروعات لا تعترف بالوطن، مثل دولة الخلافة تارة أو مثل دعاة العولمة والشرق الأوسط الجديد، وكل منهما كان يساند الآخر ويتمم هدفه، وأظن أن الوعى العميق بالدولة الوطنية وبمصريتنا هو الذى وقف حائلاً دون هؤلاء ومشروعاتهم المشبوهة، فى مطلع القرن العشرين هتف مصطفى كامل: «لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون مصريا»؛ صاح بها فى وجه المحتل البريطانى، ورفعت ثورة يوليو شعار: «على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل»، ونحن الآن نصر على الدولة الوطنية- المدنية الحديثة، بحماية الحدود وضمان استقلالية القرار الوطنى..
فى التاريخ لا مفاضلة بين الثورات، كما أنها لا تتطابق، لكن بين ثورتى 1952 و2013، تبقى القواسم الوطنية مشتركة والأهداف النبيلة العظيمة متكاملة ومتقاربة.
تحيا مصر.