لا تقتصر البيانات الأولى التى تصدر فى لحظات الثورات والتحولات الكبرى على كونها إعلانات سياسية، بل تتحول مع مرور الزمن إلى وثائق تاريخية ترصد ملامح مرحلة كاملة، وتكشف أسباب التغيير وتحدد أهدافه، وتعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع فى لحظات فارقة، لذلك يولى المؤرخون اهتمامًا خاصًا بهذه البيانات باعتبارها من أهم المصادر التى تساعد على قراءة التاريخ وفهم السياقات السياسية والاجتماعية التى صاحبتها، ويظل البيان الأول لثورة 23 يوليو 1952، إلى جانب بيانات 30 يونيو و3 يوليو 2013، من أبرز الوثائق التى ارتبطت بمحطات مفصلية فى التاريخ المعاصر، إذ تناولت تشخيص الأوضاع التى سبقت تلك الأحداث، ورسمت ملامح المرحلة التالية، وحملت رسائل موجهة إلى الداخل والخارج بشأن مستقبل الدولة واستقرارها.
فى هذا الحوار، يتناول الدكتور جمال شقرة، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس، مقارنة لهذه البيانات، موضحًا أوجه التشابه والاختلاف بينها، وكيف كانت القوات المسلحة المصرية هى القاسم الأعظم للثورتين، كما يبين تأثير هذه البيانات على الوعى الوطنى باعتبارها وثائق تاريخية لا تزال تمثل مادة أساسية لفهم تطور الدولة المصرية وكتابة تاريخها السياسى.
بداية، كيف تنظر إلى أهمية البيانات الأولى فى الثورات باعتبارها وثائق تاريخية تؤرخ للحظة التحول السياسى؟
البيانات التى تصدر عن الثوارت تعد وثائق تاريخية بالغة الأهمية، والبيان الأول له أهمية خاصة؛ لأنه هو الذى يكشف عن طبيعة الثورة أو الحركة، وبيّن أيضا الأهداف وراء تحرك الثوار، لذلك بيان ثورة 23 يوليو كشف عن الفساد والرشوة وعدم استقرار البلاد والحكم فى زمن الملك فاروق، كما أشار إلى الفترة الفترة العصيبة التى عاشتها وقتها وكيف أثرت على الجيش نفسه، كما ربط البيان بين الهزيمة فى حرب فلسطين والفساد الذى كان منتشرا فى مصر بهذه الفترة، كما أكد أيضا أن أصحاب النفوذ كانوا يتحركون لخدمة مصالحهم ولم يكن هناك أى مراعاة لصالح الجيش أو الوطن، كما أكد البيان أن الشعب المصرى استقبل تحرك الضباط الوطنيين بالابتهاج والترحيب، وأنه لا بد من التعاون بين الجيش والشعب لتحقيق أهداف الوطن، وهذا لم يشر إليها بالتفاصيل بالضبط، ولكن أحلام الوطن خاصة حلم التخلص من الاستعمار وتحقيق الحرية والاستقلال وتحقيق العدالة الاجتماعية، كل هذه كانت موجودة فى الشارع المصرى، وكان يمكن أن نطلق عليها أحلام المواطن المصرى العادى، ومن هنا يستمد هذا البيان أهميته لأنه يعرف أن الضباط الوطنيين قاموا من أجل القضاء على الفساد وتحقيق الاستقرار، وإنهاء مرحلة عصيبة من تاريخ مصر المعاصر.
أما بيان 3 يوليو 2013، الذى يعد بيان ثورة 30 يونيو ضد مكتب الإرشاد وجماعة الإخوان الإرهابية، فهو يشخص الأزمة السياسية والصراع المجتمعى الرهيب بين القوى السياسية والاجتماعية خلال السنة الوحيدة التى تولت فيها جماعة الإخوان الإرهابية الحكم، كما يوضح البيان أن القوات المسلحة المصرية هى قوات الشعب وأنها تستجيب لمطالب الجماهير، وأنه من المستحيل أن تقف متفرجة أمام هذا الصراع السياسى والاجتماعى الذى كان واضحًا تأثيره على أمن وسلامة المواطن المصرى، ولكن هذا البيان أعلن عن «خارطة طريق»، وعطّل دستور 2012، ودعا إلى الانتخابات، وحقق المصالحة الوطنية حتى يتم الاستقرار.
ما أبرز أوجه التشابه بين البيان الأول لثورة 23 يوليو 1952 والبيان الأول الصادر فى 30 يونيو 2013؟
هناك العديد من أوجه التشابه الواضحة جدا بين البيانين، أولا: أن مصر كانت تمر بأزمة عصيبة قبل 23 يوليو، وكذلك كانت تمر بأزمة حادة قبل ثورة 30 يونيو و3 يوليو، وثانيا: فى البيان الأول الضباط هم الذين تحركوا وأيدهم الشعب، أما البيان الثانى فالشعب هو الذى تحرك وأيدتهم القوات المسلحة المصرية، وثالثا: أشار بيان ثورة يوليو لوجود مرحلة انتقالية، وكذلك فى بيان الأول لثورة 30 يونيو تم طرح فكرة المرحلة الانتقالية، كما أن بيان ثورة 23 يوليو اتسم بطابع فورى عنيف، بينما بيان 3 يوليو غلب عليه الجانب الدستورى والسياسى والتأكيد على وجود خارطة طاريق تدعمها الإرادة الشعبية.
وما أبرز الاختلافات فى السياق التاريخى والسياسى الذى صدر فيه كل من بيان يوليو 1952 وبيانى 30 يونيو و3 يوليو؟
هناك عدد من الاختلافات بين الظروف الموضوعية التى أحاطت بكلٍ من ثورة 23 يوليو وثورة 30 يونيو، ولكن يجب أولا أن نشير ونكرر أن الثورة الأولى ثورة الضباط الوطنيين أيدها الشعب وأعطاها الرضا الطوعى والشرعى والشرعية، أما ثورة 30 يونيو فهى أيضًا ثورة شعبية أيدتها القوات المسلحة المصرية وأعطتها الشرعية فى مواجهة فساد جماعة الإخوان الإرهابية، ولكن هنا جزءا مهما جدا هو أن الجيش هو القاسم المشترك الأعظم بالثورتين.
لماذا تحرك الضباط الوطنيون فى ثورة 23 يوليو، وتحركت القوات المسلحة فى 30 يونيو لتأمين البلاد ودعم الثورة الشعبية ضد مكتب الإرشاد والإخوان؟
تتمثل الإجابة فى أنه لم يكن هناك قوى سياسية قادرة على القيام بالثورة قبل 23 يوليو، وكان الضباط الوطنيون هم الذين يمتلكون السلاح والقدرة على الحشد، رغم أن جماعة الإخوان الإرهابية كانت تمتلك السلاح والقدرة على الحشد قبل 23 يوليو، إلا أنها جماعة انتهازية انتظرت الضباط هم الذين يفجرون الثورة وحاولت أن تسيطر على الثورة مثلما حدث فى ثورة 25 يناير 2011، والظروف التى هددت الدولة وأمنها القومى واستقرارها هى التى دفعتهم إلى أن يمارسوا دورا داخل الحدود بالإضافة إلى دورهم خارج الحدود، وهى نفسها الظروف الموضوعية من تهديد الدولة وتهديد أمنها القومى وسلامتها واستقرار شعبها، وهى التى دفعت المؤسسة العسكرية إلى التحرك لدعم الشعب الثائر ضد جماعة الإخوان الإرهابية فى 30 يونيو، حيث إن المؤسسة العسكرية هى مؤسسة وطنية ولا يجوز أن تقف بمعزل أو متفرجة عما يحدث ويهدد سلامة الوطن فى الحالتين.
هل يمكن اعتبار بيان 30 يونيو تمهيدا لبيان 3 يوليو؟ وكيف تكاملت الرسائل التى حملها كل منهما؟
البيانات التى صدرت عقب ثورة 30 يونيو كانت بمثابة تمهيد للبيان الرئيسى فى 3 يوليو، حيث أشارت إلى المرحلة الانتقالية والاستحقاقات الدستورية، ثم جاء بيان 3 يوليو ليضع الإطار التنفيذى لهذه المرحلة.
ما الرسائل الأساسية التى حرصت القيادة على توجيهها للمصريين فى كل بيان سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى؟
ركز البيان الأول على ضرورة تغيير الأوضاع الفاسدة والرشوة ومهاجمة عدم الاستقرار، وفى البيان الثانى كانت هناك نفس المبادئ فى إشارة إلى دعم الشعب ودعم حركته وحقه الدستورى وتحقيق الاستقرار، والرسائل الأساسية التى وجهت للمصريين فى كل بيان فى الحقيقة كانت تبعث برسائل طمأنة للشعب، وتنشر أملا من خلال إعلان أن الأيام القادمة سوف تكون أفضل وتحقق أهداف الشعب.
وكيف انعكست الظروف الإقليمية والدولية على صياغة هذه البيانات؟
لم تنعكس الظروف الدولية على صياغة البيانات، فهى كانت صياغة مصرية خالصة، أما من جانب الظروف الإقليمية فى 23 يوليو فإن الوطن العربى فى ذلك الوقت كان واقعا فى قبضة الاستعمار، وبالتالى فإن هذه الثورة كانت تمثل لهم قدوة والضباط الأحرار وعلى رأسهم الرئيس جمال عبد الناصر وهو كان قارئا جيدا، كانوا يتفهمون جيدا حالة الفرقة والانقسام والضعف والتدهور الذى يعانيه الإقليم قبل ثورة 23 يوليو، أما فيما يتعلق بـ30 يونيو، فقد ألقت الأحداث التى عرفت بثورات الربيع العربى بظلالها على الحركة السياسية فى مصر، وكان مؤشر التآمر ودور المخابرات فى الإقليم كله يمثل خطرا كبيرا دفع المؤسسة العسكرية إلى التحرك لمواجهة المستقبل الذى كان ينتظر الإقليم فى حالة هيمنة جماعة الإخوان الإرهابية على مقدرات الحياة السياسية فى الدول العربية.
وهل كان لذلك أثر فى مضمونها؟
بالطبع، فقد أثرت الظروف الإقليمية والدولية على مضمون البيانات وهذا أمر طبيعى جدًا، إذ تتأثر البيانات السياسية بالظروف الموضوعية المحيطة بها، سواء فى ثورة 23 يوليو أو ثورة 30 يونيو.
من منظورك كمؤرخ، كيف أسهمت هذه البيانات فى تشكيل الوعى الوطنى وترسيخ مفهوم الدولة المصرية فى أذهان المواطنين؟
البيان الأول فى ثورة 23 يوليو دفع الشعب المصرى إلى الجرأة على اتهام نظام الملك فاروق وانتقاده، كما أن الكثير من الكتابات التى كتبت فى هذه الفترة أشادت بأن المستقبل سيكون أفضل، وأكدت أنه كان من الضرورى أن تقوم ثورة تقضى على الفساد والرشوة وعمولات السلاح، وتقضى على الأسباب التى أدت إلى الهزيمة فى حرب 1948، وشجع البيان الأول المصريين فى 23 يوليو على إعلان موقفهم من الثوار والضباط الوطنيين، وهذا مشهد منشور ومصور فى الجرائد المصرية، حيث أظهر كيف تفاعل المصريون مع الضباط والجنود، وكيف صعدوا على عربات الجيش وقدموا المشروبات للجنود، وأعلنوا رضاهم الطوعى عن تحرك الضباط وعن رؤيتهم فى تحقيق الاستقرار لبلادهم، وهو أيضًا ما حدث فى 30 يونيو وبعد كتابة بيان 3 يوليو، فقد رأينا بأعيننا كيف كان هناك رضا طوعى ومنح الشرعية للجيش المصرى لكى ينقذ البلاد من الفوضى.