رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من كسر الاحتكار إلى استقلال القرار


23-7-2026 | 14:28

.

طباعة
بقلـم: لواء أ.ح د. محمد الشهاوى

فى كل عام تحل ذكرى 23 يوليو 1952، لا نحتفى فقط بتاريخ، بل نستدعى «منهج دولة». منهج قام على فكرة جوهرية واحدة: أن استقلال القرار الوطنى لا يُمنح، بل يُنتزع بالإرادة والعمل.

ومن هذا المنطلق، يمكننا فهم لماذا بدأت الثورة بكسر احتكار الأرض، ثم كسرت احتكار السلاح، واليوم تستكمل الطريق بكسر احتكار التكنولوجيا والاقتصاد.

أولًا: لماذا قامت الثورة؟ قامت الثورة نتيجة تراكم أزمات هددت وجود الدولة المصرية نفسها.

 

أزمة التبعية والسيادة: 70 عامًا من الاحتلال البريطانى، وقصر ملكى يحكم بإرادة السفير البريطانى، وبرلمانات مزورة. كانت مصر «دولة بلا قرار».

أزمة العدالة الاجتماعية: 5 فى المائة من كبار الملاك كانوا يمتلكون 90 فى المئة من الأراضى الزراعية. تفشى الفقر والجهل والمرض، بينما كانت طبقة «البشوات» تحتكر الثروة والسلطة.

أزمة الكرامة الوطنية: كشفت هزيمة 1948 المستور. «أسلحة فاسدة» اشتراها النظام الملكى، وجنود مصريون يُقتلون بسلاح لا يعمل، أدرك الضباط الأحرار أن وطنًا بلا جيش قوى هو وطن بلا مستقبل.

من هنا جاءت الثورة لتقول: كفى.

المبادئ الستة.. دستور لبناء دولة

لم تكتفِ الثورة بإسقاط النظام، بل وضعت «عقدًا اجتماعيًا جديدًا» فى ستة مبادئ:

القضاء على الاستعمار وأعوانه: تجلى فى اتفاقية الجلاء عام 1954، وتأميم القناة عام 1956.

القضاء على الإقطاع: قانون الإصلاح الزراعى عام 1952، الذى أعطى الفلاح 5 فدادين، وكسر احتكار الأرض.

القضاء على الاحتكار: تأميم الشركات الكبرى، وإنشاء القطاع العام.

إقامة العدالة الاجتماعية: مجانية التعليم، والتأمين الصحى، وتوفير وظائف للخريجين.

إقامة جيش وطنى قوي: ليس لحماية نظام، بل لحماية وطن.

إقامة حياة ديمقراطية سليمة: كانت الفكرة أن تُبنى الديمقراطية على أساس العدالة الاجتماعية، لا على أساس طبقى.

التحديات.. معركة البقاء

واجهت الثورة، منذ يومها الأول، حربًا معلنة وغير معلنة:

التحدى الخارجي: كان العدوان الثلاثى عام 1956 عقابًا على تأميم القناة، إلى جانب الحصار الاقتصادى والعسكرى، ثم نكسة 1967، التى حاولت محو إنجازات الثورة.

التحدى الاقتصادي: كيف تبنى دولة صناعية من الصفر؟ كان الرد: السد العالى، ومصانع الحديد والصلب والغزل والنسيج، ومئات المصانع التى شكلت هيكل الاقتصاد المصرى.

التحدى الاجتماعي: محو الأمية، وبناء 3000 مدرسة، ومد الكهرباء إلى القرى. كانت معركة ضد التخلف نفسه.

لم تنتصر الثورة فى كل المعارك، لكنها لم تُهزم فى معركة «بناء الدولة».

23 يوليو و30 يونيو.. روح واحدة

بعد 61 عامًا، خرج المصريون فى 30 يونيو 2013 ليستعيدوا دولتهم مرة أخرى. وبالتحليل، نجد تشابهًا بنيويًا:

23 يوليو 1952

30 يونيو 2013

إسقاط تبعية الاحتلال والقصر

إسقاط تبعية جماعة تريد اختطاف الدولة

كسر احتكار السلطة والثروة

كسر احتكار الدين والسياسة

الهدف: بناء دولة وطنية حديثة

الهدف: بناء «الجمهورية الجديدة»

الشعار: الاستقلال الوطني

كلاهما كان «تصحيحًا للمسار» عندما حادت الدولة عن جوهرها: أن تكون دولة لكل المصريين، لا ملكًا لأحد.

ماذا لو لم تقم ثورة يوليو؟

سؤال افتراضى، لكنه يكشف حجم الإنجاز.

لو لم تقم الثورة، لكانت مصر اليوم مجرد «مزرعة قطن كبيرة» للغرب. لا صناعة ثقيلة، ولا سد عالٍ، ولا تعليم مجانى، ولا جيش قادر.

كانت ستظل الأرض محتكرة، والقرار مرهونًا، والكرامة الوطنية مفقودة.

الثورة هى التى حولت مصر من «مملكة» تابعة إلى «دولة» فاعلة فى الإقليم والعالم.

الدروس المستفادة

من تجربة 72 عامًا، نستخلص ثلاثة دروس رئيسية:

استقلال القرار يبدأ من الداخل: لا يمكنك أن تكون حرًا فى الخارج، وأنت أسير الفساد والتبعية فى الداخل.

الجيش الوطنى القوى هو الضمانة: «إقامة جيش وطني» لم يكن بندًا نظريًا، فهو الذى حمى الثورة، وحمى الدولة فى 1967، وفى 2013، ويحميها اليوم.

العدالة الاجتماعية هى خط الدفاع الأول: أى إصلاح سياسى أو اقتصادى بلا عدالة يصبح هشًا وقابلًا للانفجار.

من صفقة الأسلحة التشيكية إلى عقيدة التنويع

وهنا نصل إلى أهم تجليات فكر الثورة حتى اليوم.

فى عام 1955، عندما ربط الغرب السلاح بالشروط السياسية: «انضموا إلى حلف بغداد»، كان الرد المصرى هو «صفقة الأسلحة التشيكية». لم تكن مجرد شراء سلاح، بل كانت إعلان استقلال، ورسالة إلى العالم: «مصر لا تُبتز».

واليوم، بعد 70 عامًا، تطور هذا الفكر من «الاستبدال» إلى «التنويع الاستراتيجي».

فأصبحت المنظومة التسليحية المصرية تجمع بين المدارس الشرقية والغربية، مع إطلاق مشروعات ضخمة لـتوطين تصنيع الذخائر وقطع الغيار محليًا.

لماذا التنويع؟

لأن الدرس التاريخى يقول: «من يملك سلاحك، يملك قرارك».

فإذا منعت دولة ما قطع الغيار أو الذخيرة، يكون البديل جاهزًا من مورد آخر، أو مُصنَّعًا محليًا.

الهدف ليس امتلاك أسلحة، بل ضمان ألّا يُرهن القرار المصرى أبدًا.

23 يوليو لم تنتهِ فى عام 1952، بل هى مشروع مستمر.

بدأت بكسر احتكار الأرض، فكسرت احتكار السلاح، واليوم تكسر احتكار التكنولوجيا والطاقة والقرار.

علمتنا الثورة أن الدولة القوية ليست من تمتلك فقط، بل من «لا يمكن ابتزازها».

وهذا هو جوهر الانتقال من يوليو إلى يونيو.. من الجمهورية الأولى إلى الجمهورية الجديدة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة