تتغير خرائط السياسة، وتتبدل موازين القوى، لكن الدبلوماسية المصرية تبقى حاضرة فاعلة فى معادلات الإقليم والعالم، مستندة إلى إرث تاريخى ممتد، ورؤية تتطور بتطور التحديات؛ فمنذ أن أعادت ثورة 23 يوليو 1952 رسم ملامح الدور المصرى خارج الحدود، ظل الدور الرئاسى هو العنوان الأبرز لتحركات السياسة الخارجية، وإن اختلفت أولوياتها من مرحلة إلى أخرى.
فبينما حملت الدبلوماسية الرئاسية فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لواء دعم حركات التحرر الوطنى، وارتبط اسم القاهرة بقضايا الاستقلال ومناهضة الاستعمار، تتجه فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى إدارة الأزمات، وبناء التوازنات، وصناعة الاستقرار الإقليمى فى منطقة تعج بالصراعات والتحولات المتسارعة، وبين هاتين المرحلتين، تتجسد رحلة تطور الدبلوماسية المصرية، التى حافظت على حضورها وتأثيرها، بينما أعادت صياغة أدواتها بما يتلاءم مع متغيرات كل عصر.
التاريخ يذكر بوضوح أن ثورة 23 يوليو جاءت فى لحظة تاريخية كانت مصر فيها تسعى إلى استكمال استقلالها الوطنى وإنهاء الوجود البريطانى، ومنذ السنوات الأولى للثورة، كانت شخصية الرئيس عبدالناصر حاضرة باعتبارها أحد أبرز رموز العالم النامى، فانتقلت الدبلوماسية المصرية من نطاقها التقليدى إلى دور أكثر اتساعًا يقوم على دعم حركات التحرر فى آسيا وإفريقيا، ورفض سياسة الأحلاف العسكرية، وترسيخ مبدأ استقلال القرار الوطنى.
كما لعبت القاهرة فى هذا الوقت دورًا محوريًا فى تأسيس حركة عدم الانحياز إلى جانب جواهر لال نهرو وجوزيب بروز تيتو وكوامى نكروما، لتصبح أحد أهم الأصوات المعبرة عن دول الجنوب خلال حقبة الحرب الباردة، لتكون الدبلوماسية المصرية فى هذه المرحلة امتدادًا لمشروع سياسى يرى أن أمن مصر يبدأ من دعم استقلال الشعوب العربية والإفريقية، وأن النفوذ السياسى يمكن أن يُبنى عبر التأثير الفكرى والرمزى بقدر ما يُبنى عبر القوة التقليدية.
ومع تغير النظام الدولى وتصاعد الأزمات الإقليمية خلال العقد الأخير، واجهت السياسة الخارجية المصرية واقعًا مختلفًا تمامًا؛ فبدلًا من معارك التحرر الوطنى، أصبحت المنطقة تواجه تحديات الإرهاب، وانهيار مؤسسات الدولة فى بعض البلدان، وأزمات الهجرة غير الشرعية، والنزاعات المسلحة، إضافة إلى التنافس الدولى المتزايد على الشرق الأوسط والبحر الأحمر.
من كل هذه المعطيات، تشكلت ملامح الدبلوماسية الرئاسية فى عهد الرئيس السيسى على أساس الحفاظ على الأمن القومى المصرى عبر ما تصفه الدولة بسياسة «الاتزان الاستراتيجى»، وهى سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وعدم الانخراط فى سياسة المحاور، والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية بما يخدم المصالح الوطنية المصرية.
الرؤية المصرية تجاه الأزمات الدولية تجلت بلا غبار فى عدد من الملفات الإقليمية، حيث لعبت القاهرة أدوارًا متواصلة فى جهود وقف إطلاق النار بقطاع غزة، ودعم المسار السياسى فى ليبيا، والحفاظ على وحدة السودان، وتعزيز أمن البحر الأحمر، إلى جانب استمرار التحرك الدبلوماسى للدفاع عن الحقوق المائية المصرية فى قضية سد النهضة عبر المسارات السياسية والقانونية والدولية، والقيام بدور فعال فى الوساطة لوقف الحرب الإيرانية الراهنة، فى الوقت الذى توسعت بالتوازى نحو بناء شراكات مع قوى دولية وإقليمية متعددة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.
ويعتبر دبلوماسيون وسياسيون، أنه رغم اختلاف البيئتين التاريخيتين بين عهد الرئيسين عبدالناصر والسيسى، فإنه ثمة خيط مشترك يجمع التجربتين، يتمثل فى مركزية مؤسسة الرئاسة فى رسم توجهات السياسة الخارجية المصرية، إلا أن طبيعة الدور تغيرت بتغير التحديات؛ فإذا كانت دبلوماسية عبدالناصر قد ارتبطت بقيادة مشروع التحرر الوطنى وبناء النفوذ السياسى، فإن دبلوماسية الرئيس السيسى تركز على إدارة التوازنات الإقليمية، واحتواء الأزمات، وتعزيز الاستقرار فى محيط شديد التعقيد، مع توسيع شبكة الشراكات الدولية بما يحافظ على استقلال القرار المصرى.
يرى السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصرى للشئون الخارجية، أن الدبلوماسية الرئاسية إبان فترة الرئيس عبدالناصر وصولاً إلى الفترة الراهنة فى عهد الرئيس السيسى أحدثت تغييرًا جذريًا فى بنية الدولة المصرية، إذ جاءت ثورة يوليو فى سياق التحرر الوطنى، وأحدثت تحولًا جوهريًا فى نظام الحكم من الملكية إلى الجمهورية، كما تبنت توجهات سياسية واستراتيجية جديدة اختلفت بصورة كاملة عن السياسات التى كانت سائدة فى ظل النظام الملكى، إلى جانب الأخذ بالنظام الاشتراكى، وانتهاج سياسة خارجية قامت على تحقيق التوازن فى العلاقات الدولية، مع الميل إلى تبنى سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز.
وفيما يتعلق بالتوازن فى العلاقات الدولية، أوضح «حليمة» أن السياسة الخارجية المصرية فى عهد الرئيس عبدالناصر اتجهت بدرجة كبيرة نحو المعسكر الشرقى، وعلى رأسه الاتحاد السوفيتى، فى ظل ظروف الحرب الباردة، وهذا التوجه شهد تغيرًا فى مراحل لاحقة، لاسيما خلال عهد الرئيس الراحل أنور السادات، أما السياسة الخارجية فى عهد الرئيس السيسى فتقوم على مبدأ التوازن فى العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، بما يحقق المصالح الوطنية المصرية، وهذا النهج يتجسد فى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين، وفى مقدمتهم الصين وروسيا والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة الأمريكية، دون الانحياز إلى طرف على حساب آخر.
ومن هذا المنطلق، أكد «حليمة» أن من أبرز أوجه التشابه بين التجربتين اهتمامهما الواضح بالقارة الإفريقية، إذ احتلت إفريقيا مكانة مهمة فى السياسة الخارجية المصرية خلال عهد الرئيس عبدالناصر، كما تحظى بالأهمية نفسها فى عهد الرئيس السيسى، لافتا إلى وجود اختلاف جوهرى فى طبيعة الرؤية تجاه إفريقيا بين العهدين، موضحًا أن رؤية عبدالناصر كانت تنطلق من إطار جغرافى يركز على القارة الإفريقية باعتبارها نطاقًا جغرافيًا مستقلًا، فى حين شهدت العلاقات العربية آنذاك العديد من التقاطعات، رغم الاهتمام بمشروع القومية العربية.
وأضاف أن رؤية الرئيس السيسى لإفريقيا تختلف من حيث العمق والمنهج، إذ لا تنطلق من مفهوم جغرافى ضيق، وإنما من رؤية جيوسياسية تراعى اعتبارات الأمن الإقليمى والتفاعلات الاستراتيجية، وهو ما انعكس فى الربط بين الاهتمام بالقارة الإفريقية والاهتمام بمنطقة البحر الأحمر ومنطقة الخليج، بما أسهم فى ترسيخ مفهوم يربط الأمن القومى العربى بالأمن القومى الإفريقى، مؤكداً أن هذا التوجه تجسد عمليًا فى إنشاء مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بما يعكس رؤية تقوم على تعزيز التعاون بين العالم العربى والقارة الإفريقية، انطلاقًا من اعتبار إفريقيا امتدادًا طبيعيًا للمنطقة العربية، والمنطقة العربية امتدادا للقارة الإفريقية، وأن البحر الأحمر يمثل حلقة وصل بين الجانبين وليس حاجزًا يفصل بينهما.
بينما يوضح الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن أحد أبرز المبادئ التى أرستها ثورة 23 يوليو يتمثل فى استقلال القرار الوطنى وعدم الارتهان لأى من القوى الكبرى، فى حين أن السياسة الخارجية المصرية فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قامت على الانفتاح على مختلف القوى الدولية، ولكن من منطلق الحفاظ على الإرادة الوطنية.
وأضاف أن عبدالناصر بدأ بمحاولة الحصول على السلاح من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لتحديث الجيش المصرى، إلا أن اشتراطات تلك الدول حالت دون إتمام الصفقة، الأمر الذى دفعه إلى التوجه نحو الاتحاد السوفيتى عبر وساطة رئيس الوزراء الصينى آنذاك تشو إن لاى، لتبدأ مصر مرحلة جديدة من تسليح قواتها المسلحة بالأسلحة الشرقية، فى إطار سياسة مستقلة بعيدًا عن الضغوط السياسية، مشيرا إلى أن النهج ذاته تجسد فى مشروع السد العالى، إذ سعت مصر فى البداية للحصول على تمويل من الولايات المتحدة والبنك الدولى، لكن بعد سحب عرض التمويل لأسباب وصفها بأنها ذات دوافع سياسية، اتخذ عبدالناصر قرار تأميم شركة قناة السويس، بما عكس استقلال القرار المصرى، ثم حصلت مصر على الدعم الفنى من الاتحاد السوفيتى لاستكمال تنفيذ المشروع القومى.
وأكد د.أحمد يوسف أن هذا المبدأ لا يزال حاضرًا فى السياسة الخارجية المصرية حتى اليوم، فالرئيس السيسى يتبنى سياسة «الاتزان الاستراتيجى»، والتى تقوم على تنويع الشراكات الدولية والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى العالمية، دون التخلى عن استقلال القرار الوطنى، كما تحتفظ مصر بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، لكنها لا تتردد فى إعلان مواقفها عندما تتعارض بعض الطروحات مع ثوابتها، مستشهدًا بالموقف المصرى الرافض لمقترحات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وما طرح آنذاك بشأن تحويل القطاع إلى منطقة سياحية.
وأضاف أن سياسة الاتزان الاستراتيجى فى عهد الرئيس السيسى انعكست أيضًا فى توطيد العلاقات مع روسيا والصين، والانضمام إلى تجمع بريكس، إلى جانب استمرار الشراكة مع الاتحاد الأوروبى، بما يعكس توجهًا يقوم على تنويع العلاقات الدولية وعدم الانحياز إلى محور واحد، وبالتالى فإن مبدأ الاستقلال الوطنى الذى شكل أحد المرتكزات الأساسية لسياسة ثورة 23 يوليو لا زال حاضرًا فى توجهات السياسة الخارجية المصرية، معتبرًا أن هناك قواسم مشتركة واضحة بين أسس الدبلوماسية المصرية فى عهد عبدالناصر والسياسة الخارجية الحالية، وفى مقدمتها الحفاظ على استقلال القرار الوطنى والالتزام بسياسة الاتزان الاستراتيجى.