أتحدث عن شارع يتم تطويره، لكن تبقى أرصفته مكسورة، أو عن توصيل الخطوط الحديثة لشبكة الإنترنت، بما تمثله من نقلة اتصالية حقيقية، بينما يبقى الردم متناثرًا، وتُترك الحفر مفتوحة. أو أن نُشيّد بناءً قويًا رائعًا، لكن تبقى بجانبه مخلفات التنفيذ لأيام وأسابيع، وربما تمتد إلى شهور وسنوات. وبدلًا من أن يتذكر المواطن المشروع نفسه أو الخدمة ذاتها، سيتذكر الفوضى التى صاحبته، ثم أصبحت امتدادًا له.
المشكلة هنا ليست فى التطوير؛ لأنه، ببساطة، لا أحد يستطيع إنكار ما شهدته المدن المصرية خلال السنوات الأخيرة من نقلة نوعية فى التطوير العمرانى والخدمي. فقد افتُتحت طرق جديدة خففت الاختناقات المرورية، وتحولت مشروعات الإسكان والمرافق إلى معالم بارزة، واتسعت الخدمات الرقمية بوتيرة متسارعة. وهذه الصورة الكبيرة تدعو إلى الفخر الوطنى، وتعكس جهود الدولة فى تحديث البنية التحتية، وربما إنشائها من الأساس.
لكن هذه الصورة المشرقة كثيرًا ما تقابلها مشاهد تبدو وكأنها تعيدنا إلى نقطة البداية: حفرة تُترك لأشهر، وأكوام تراب تحجب الأرصفة، وأعمدة إنارة لا تعمل، ومخلفات بناء على حواف طرق حديثة، وكأن المشروع لم يكتمل بعد. هذا التناقض بين الإنجاز الظاهر والتفاصيل المهملة هو ما يمكن وصفه بـ«الجمال المشوَّه».
وما يجعل هذه الظاهرة أكثر إزعاجًا ليس مجرد مظهرها الخارجي، بل أثرها النفسى والعملى أيضًا؛ فالإنجاز الجزئى يولّد شعورًا بعدم اكتمال العمل، ويضعف ثقة المواطن فى قدرة الجهات التنفيذية على متابعة المشروعات حتى آخر خطوة، ويزرع فى ذهن المارة أن العمل قد توقف أو لم يحظَ بالاهتمام الكافي، مما يفقد المشروع جزءًا كبيرًا من وظيفته الاجتماعية. فمواطن الحى سيرى الواجهة الحديثة ويشعر بالإعجاب، لكنه سرعان ما يتأثر بالعناصر المشوهة، فتضعف الصورة الكاملة للتقدم.
المشكلة إذن تكمن فى ثقافة التطوير، لا فى التطوير ذاته. فالمسؤول التنفيذى أحيانًا ينظر إلى الإنجاز بوصفه تنفيذًا فنيًا فحسب، بينما الحقيقة أن التنفيذ الحضارى لا يكتمل إلا بالتشطيب، والتنظيف، وإعادة التأهيل، والمتابعة، والمساءلة؛ حتى يُكتب النجاح للمشروع بصورة تحفظ كرامة المواطن، وراحته، وجمال المكان. أما أن يُترك العمل نصف مكتمل، فذلك نوع من التقصير الذى قد يحوّل النعمة إلى عبء.
نعم، هناك واقع إدارى وميدانى يفرض نفسه؛ فمحاولات الالتزام بالمواعيد المحددة قد تدفع أحيانًا إلى تأجيل أعمال التنظيف والتشطيب باعتبارها خطوة يمكن استكمالها لاحقًا. ويُضاف إلى ذلك تعدد الجهات المنفذة، وهنا تبرز أهمية التنسيق بينها.
وفى المقابل، لا تقع المسؤولية على التنفيذيين وحدهم؛ فالمواطن أيضًا جزء من المشهد. فعندما يتسامح مع الإهمال، أو يبرر عبث بعض الأفراد، أو يتعدى على المساحات المنظمة، أو يزيد الأمر سوءًا بإلقاء المزيد من المخلفات، يصبح التشويه جماعيًا. فالجمال لا تحرسه الجهات المسؤولة وحدها، بل تحرسه أيضًا السلوكيات اليومية للناس، ويظل للمواطن دور أساسى بوعيه، وانضباطه، واحترامه للمكان، وبالتعاون مع الجهات المعنية حتى تكتمل منظومة التطوير.
ومع ذلك، لا ينبغى أن تتحول هذه الملاحظات إلى نقد سلبى يحجب قيمة الإنجاز. فالحقيقة أن الجهود المبذولة لإعادة تشكيل المدن وتحديث الخدمات جهود ضخمة وملحّة، وستظل ثمارها باقية. لكن الفارق بين إنجاز يُحتفى به وآخر يُنسى يكمن فى متابعة التفاصيل، والضمير التنفيذي، والمشاركة المجتمعية.
الحل، إذن، يتطلب نهجًا متكاملًا يربط بين التخطيط والتنفيذ والمتابعة اليومية. وأرى أنه يجب إدراج أعمال التشطيب، والتنظيف، والتنسيق العام ضمن جداول التنفيذ الرسمية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من معايير إتمام الأعمال وتسليمها.
وثمة بُعد رمزى لا يقل أهمية عن الأبعاد الفنية؛ فالمدينة المستوفية لمقوماتها تقرّب بين المواطن والدولة من خلال تجربة يومية متناسقة: طريق ممهد يسهّل الحياة، وإنارة تعمل تعزز الشعور بالأمان، وإنترنت مستقر يدعم التعليم والعمل. وعندما تتكامل هذه التفاصيل، يتحول الإنجاز إلى تجربة معيشة تعزز الانتماء والثقة. أما «الجمال المشوَّه»، فيخلق إحساسًا بالنقص يطمس أثر الجهد، ويجعل الجمهور يشعر بأن العمل لم ينجز بعد.
وفى زمن تبذل فيه الدولة المصرية جهودًا كبيرة فى مسيرة التحديث، تظل الفرصة قائمة لتحويل ظاهرة «الجمال المشوَّه» إلى استثناء لا قاعدة. ويتطلب ذلك ضميرًا تنفيذيًا لا يكتفى بالإنجاز الجزئي، ومواطنًا واعيًا لا يترك التفاصيل للإهمال، فيتحول من متلقٍ للخدمة إلى شريك مسؤول. وحين يلتقى الطرفان، تصبح المدن مرآة صادقة للتقدم، لا لوحة نصف مكتملة تتباهى بواجهتها، بينما تخفى خلفها فجوات تستدعى الاستكمال. فالتحدى الحقيقى ليس فى الإنجاز بحد ذاته، وإنما فى إتمامه وفق معايير تجعل الفرح به كاملًا ومستدامًا.
ويبقى الحفاظ على الهوية البصرية للمدينة المصرية عنصرًا أساسيًا فى نجاح أى مشروع تطويري. فالهوية ليست مجرد واجهات مبانٍ أو لافتات براقة، بل منظومة متكاملة من التفاصيل المتناسقة التى تعكس ذوق المجتمع وروحه. فعندما تُترك حفرة، أو تتراكم مخلفات أمام مبنى حديث، تتبدد هذه اللغة البصرية، وتتحول الصورة الموحدة إلى فسيفساء مشوهة تجمع بين الحداثة والفوضى. لذلك لا يكفى أن ننجز وحدات معمارية أو نحسن خدمة، بل يجب أن نضمن استدامة المظهر الجمالي. فهذا الاهتمام يحفظ هوية المكان، ويجعل الإنجاز ناطقًا بصورة مدينة منظمة ومحترمة، بدلًا من أن يتحول إلى إعلان يشوبه التشويش البصرى، فتتراجع قيمته. وعندها يصبح المشهد الحضارى مرآة صادقة للتقدم، لا لوحة نصف مكتملة.