فى مشهد مهيب يجسد أسمى معانى البطولة والإنسانية وفى لحظة فارقة تخلدها ذاكرة الوطن بسطور من نور، سطر رجال الحماية المدنية ملحمة استثنائية فى ميدان الشرف حين ارتقوا شهداء وهم يؤدون واجبهم المقدس فى إنقاذ الأبرياء من قبضة النيران والأنقاض، إنها حكاية تضحية لا تنسى تجمع بين الإقدام والإيمان بالرسالة، وتؤكد أن رجال الحماية المدنية ليسوا مجرد جهاز أمنى، بل هم صمام أمان المجتمع وأبطاله المجهولون الذين يدفعون أرواحهم ثمنا لحماية المواطنين.
فعلى مدار الساعة وفى كل بقعة من أرض الوطن يواجه رجال الحماية المدنية الموت بصدر رحب ويتحدون المخاطر فى سبيل إنقاذ حياة لا تعنيهم لكنها تعنى لهم كل شيء، لأنها جزء من واجبهم وعهدهم مع الله والوطن.
الأسبوع الماضى كان موعدهم مع الخلود فى حادث حريق ورشة نجارة بمنشية ناصر، التى تحولت إلى مأساة إنسانية حين انهار المبنى المنكوب على رجال الحماية المدنية وهم فى قلب الحدث ليسقطوا شهداء وسط الأنقاض.
استهل اللواء جمال حلاوة مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، مساعد وزير الداخلية السابق، حديثه بالآية القرآنية «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون» وقال إن تلك الآية القرآنية التى تتردد فى كل مناسبة استشهاد تأتى لتجسد حقيقة راسخة فى وجدان الأمة، بأن من يموت فى سبيل حماية الأرواح والممتلكات لا يموت بل يحيا فى قلوب الناس ويتردد اسمه فى سجل الخالدين، إن رجال الحماية المدنية هم جنود السلام فى زمن الحرب وجنود الحرب فى زمن السلم، يواجهون الموت كل يوم بصدر رحب ويضعون أرواحهم على كفوفهم فى سبيل إنقاذ الآخرين دون تردد أو خوف، مؤمنين بأن رسالتهم الإنسانية هى أسمى ما يمكن أن يقدمه الإنسان لوطنه.
وكشف اللواء جمال حلاوة أن التاريخ يسجل بطولات رجال الحماية المدنية فى مواجهة الأزمات والكوارث والأحداث اليومية، ويحملون أكفانهم على أيديهم بعزيمتهم القوية من أجل حماية الأرواح والممتلكات لشعب مصر العظيم.
كما يدفعون الغالى والنفيس حماية للأرواح ويقومون بإنقاذ المحاصرين فى المبانى وتحت الأنقاض، ومواجهة النيران والتعامل مع المفرقعات وهو ما يتعارض مع الطبيعة البشرية ولكنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه عزيمتهم القوية ورسالتهم السامية هى حماية الأرواح والممتلكات.
وأكد «حلاوة» أنه يتم اختيار أفضل العناصر من رجال الحماية المدنية وتأهيلهم وتدريبهم عمليا ونظريا لمواكبة التطورات وكيفية تعاملهم مع البلاغات بأنواعها، فى الأجواء المختلفة فهم يخضعون لتدريبات بدنية ونفسية مكثفة، يتعلمون خلالها فنون الإطفاء والإنقاذ والتعامل مع المواد الخطرة فضلا عن كيفية اتخاذ القرارات المصيرية فى ثوان معدودة، لأن التأخير فى مثل هذه المواقف قد يكلف حياة البشر وتوضع برامج تدريب وقائية للأمن من المخاطر قبل وقوعها، وتتمثل تلك البرامج فى فحص ومراقبة تطبيق إجراءات الوقاية، مع عمل توعية مجتمعية لكل أفراد المجتمع حول كيفية التعامل أثناء التعرض للحرائق والأزمات.
وتابع «حلاوة» أن رجال الحماية المدنية يقضون ساعات العمل الطويلة فى مراكز الإطفاء، بانتظار نداء الواجب فى أى لحظة حتى فى الأعياد والمناسبات وفى قلوبهم شوق إلى بيوتهم وأهليهم لكنهم يضعون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وأوضح «حلاوة» أن حريق ورشة النجارة فى منشية ناصر الأسبوع الماضى تجلت فيه معانى البطولة والتضحية، فالعمارة المشتعلة مكونة من أربعة طوابق يسكنها سبع عائلات بعضها يضم أطفالا ونساء وكبارا فى السن، بالإضافة إلى ورشة للنجارة مما زاد من حجم المأساة وصعوبة مهمة الإنقاذ ونظرا لخطورة البلاغ وسط الزحام السكانى الكثيف وضيق الشوارع المحيطة انتقلت قوات الحماية المدنية بأسرع وقت بإشراف مباشر من اللواء محمد الشربينى مدير عام الإدارة العامة للحماية المدنية، الذى أصر على قيادة غرفة العمليات ميدانيا، مؤكدا أن مكان القيادة الحقيقى هو قلب الحدث وليس خلف المكاتب، برفقة تحركات كبيرة من الضباط والقوات والإنقاذ الذين انتشروا فى محيط الحريق لتأمين المنطقة وإخلاء المواطنين من المبانى المجاورة.
وحال وصول القوات كانت صرخات السكان المحاصرين فى الأدوار العليا وهم يستغيثون طلبا للنجاة وسط ألسنة اللهب المتصاعدة وأعمدة الدخان الكثيفة التى حجبت الرؤية بالكامل وعليه قامت القوات بسرعة إخلاء المبنى من السكان ونشرت فرق الإطفاء لمساندة فرق الإنقاذ للتعامل مع النيران الملتهبة إذ كانت مواد النجارة الخشبية سريعة الاشتعال تهدد بامتداد النيران إلى باقى العقارات وفى لحظة فارقة وعند إجراء عمليات الإخلاء حدث انهيار مفاجئ وغير متوقع لأجزاء كبيرة من المبنى ويتحول إلى كومة من الأنقاض فى ثوان وبداخله الأبطال الذين كانوا يؤدون واجبهم حيث ارتقوا شهداء فى الحال وقدموا أرواحهم فداء لرسالتهم السامية، ولم يبخلوا بأرواحهم فى سبيل إتمام رسالتهم التى عاهدوا الله عليها، هذا المشهد الإنسانى البطولى سيبقى خالدا فى ذاكرة الوطن يتناقله الأبناء عن الآباء وسيكون درسا فى التضحية والفداء للأجيال القادمة.
ويكشف اللواء أشرف قابيل وكيل الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة السابق عن أهم بطولات رجال الحماية المدنية التى لا تنتهى، وقد قدموا أرواحهم فداء للوطن والمواطنين ومنها حريق العمارة 35 شارع عباس العقاد مدينة نصر أول، حيث تم إخطارنا من مشرف غرفة العمليات بالإدارة بالتوجه لمكان بلاغ حريق فى بدروم مخزن أدوات منزلية تابع لمحل لبيع المستلزمات المنزلية وكان هذا الحريق يبعد عن سكنى مسافة 2 كم يعنى يتم الوصول إليه فى مدة خمس دقائق وبالفعل توجهت بسيارة الاستعداد لبلاغات الحريق، وكان ضابط منوب قطاع الشرق النقيب عامر عميرة ومعه ضابط منوب ليلى النقيب محمد الجابى وقد وصل معهما عدد 2 سيارة إطفاء من رئاسة القطاع وخزان مياه وكذلك سيارة إطفاء نقطة الرقابة الإدارية، وعند الوصول فوجئت بأن النيران تلتهم معظم محتويات المخزن وشدة الحرارة تنتج عنها حمل حرارى نظراً لسوء التهوية بالبدروم والذى لا يوجد به أى أدوات أو شبكات إطفاء الحريق نظراً لمخالفته تراخيص العقار وأنه لا يتم استخدام البدرومات أسفل العقارات إلا فى تجريش السيارات فقط، وتم التوجه لمدخل العقار للتأكد من حارس العقار بأن جميع السكان المقيمين قد غادروا العقار والمفاجأة أنه أخطرنى بأن هناك أسرتين فى الطابق الأخير لم يستطيعوا النزول نظراً لانقطاع التيار الكهربى، والذى يحدث دائماً عند الإبلاغ بحريق بأى عقار سكنى حيث يتم إخطار شركة الكهرباء عن طريق غرفة العمليات لفصل التيار حتى لا يحدث ماس كهربائى يتسبب بصعق أفراد الإطفاء عند استخدام خراطيم المياه فى عمليات الإطفاء وقد قمت باستخدام كشاف الطوارئ الذى بعهدتى وتوجهت لمدخل السلم وتم توجيه إضاءة الكشاف لأعلى السلم والنداء بمعرفة حارس العقار على السكان المعلقين بالدور الحادى عشر وتم نزولهم بسلامة الله وإخراجهم إلى الجزيرة الوسطى بالشارع ثم حضر اللواء محمد نصير نائب مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة وطلب نجدة من ضباط وسيارات الإطفاء نظراً لكبر حجم الحريق بالبدروم.
وحضر خمسة ضباط للمساعدة فى عمليات مكافحة الحريق وتم استخدام خراطيم الإطفاء بالسائل الرغوى نظراً لمعرفتنا بأن المخزن فيه مواد بتروكيماوية مثل المشمع والستائر الخاصة بالحمامات وبعض عبوات التنر والبيرسول الخاص بمكافحة الحشرات وسوائل تنظيف البلاط والسراميك والمعطرات وجميعها من الأنواع القابلة للاشتعال وبعد هدوء ألسنة النيران نتيجة تكثيف مكافحة الحريق بسيارات الإطفاء بالسائل الرغوى وبعد مضى حوالى 45 دقيقة فوجئنا بحدوث فرقعة فى أساسات العقار وانهار العقار على الضباط والأفراد ونتج عن هذا الحريق بعد انهيار العقار 35 ش عباس العقاد وفاة الشهيد عميد عبدالفتاح سالم والشهيد عقيد إبراهيم عبدالعزيز والشهيد المقدم عامر عميرة والشهيد الرائد محمد الجابى وسبعة أمناء ومساعدين ومخبري إطفاء من قوة مطافى القاهرة وإصابة عدد من الضباط ومنهم العميد أحمد عبدالفتاح والعقيد محمد شاهين وثلاثة أفراد من القوة.
وكشف اللواء أشرف قابيل أن تضحيات رجال الحماية المدنية لا تنتهى ففى بلاغ سنترال رمسيس حيث التهمت النيران معظم معدات وكوابل التليفونات وغرف مولدات الكهرباء ومعظم المكاتب الإدارية وغرف الفنيين بالمبنى، حيث قام ضباط الإدارة بصحبة عدد كبير من أفراد وأطقم الإطفاء ببذل مجهود جبار فى إخلاء وإطفاء معظم محتويات المبنى بشارع رمسيس والذى تم إعادة تأهيله بمعرفة شركة المقاولون العرب نظراً لأهمية هذا السنترال لأنه من أقدم السنترالات ذات الأهمية الأمنية لشبكة المعلومات والاتصالات الخاصة بجهات سيادية بالدولة والتى تكلف ملايين الجنيهات لإعادة تشغيله وترميمه.
ولم ينس اللواء أشرف قابيل بلاغ حريق مصنع ملابس حى سراى القبة بالزيتون، حيث قام صاحب العقار باستخدام البدروم وجزء كبير من الطابق الأرضى فى نشاط مصنع وتفصيل ملابس وتخزين أقمشة وملابس مع غلق معظم الأبواب وعدم توافر اشتراطات الحماية من أخطار الحريق بالمبانى بالمخالفة لكود الحريق المصرى وللأسف يسأل عن هذه المخالفات مسئولى الأحياء وإدارات التراخيص بها ونتج عن هذا الحريق الهائل وفيات لعدد من العاملات وإصابة أكثر من 8 عمال وعاملات نظرا لسوء التهوية وعدم توافر اشتراطات الوقاية من مخاطر الحريق بالمبانى السكنية.
وتابع اللواء قابيل إن بلاغ الحريق الأخير الذى حدث بمنطقة منشية ناصر بطريق الأوتوستراد الأسبوع الماضى، حيث قام صاحب العقار المخالف باستغلال الطابق الأرضى مخزن وورشة تقطيع أخشاب وتصنيع موبيليات وحدث الحريق حوالى الساعة الثانية والنصف ليلاً وقام اللواء محمد الشربينى مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة بالتوجه مع ضباط وقوات أفراد الإطفاء وبصحبتهم معدات الإنقاذ والإطفاء وسلم هيدروليكى لمنطقة منشية ناصر نظرا لعلمه الجيد بطبيعة المنطقة العشوائية، حيث كان أعلى الورشة ثلاثة طوابق سكنية بها سبع أسر عالقين أعلى الحريق نظراً لعدم تمكنهم من النزول على سلم الحريق لوجود أدخنة كثيفة ودرجة حرارة عالية وتم الدفع بفرق الإطفاء لمكافحة النيران المشتعلة داخل الورشة والمخزن وقام النقيب عبدالرحمن ومعه أمين الشرطة باستخدام السلم الهيدروليكى من على واجهة العقار وتم الوصول للطوابق الثلاثة العلوية وإنزال الأسر المحجوزة أعلى العقار بسلامة الله.
وكان اللواء الشهيد محمد الشربينى يشرف بنفسه على عمليات الإنقاذ والإطفاء وتوزيع خطوط الخراطيم فى أكثر من اتجاه لسرعة إطفاء النيران المتوهجة بالمبنى بالطابق الأرضى ونظرا لضيق الشوارع بهذه المنطقة العشوائية وعدم وجود شبكات لحنفيات الحريق الأرضية بهذه الشوارع أخذت عمليات الإطفاء وقتا كبيرا حيث توجه اللواء الشهيد محمد الشربينى ومعه النقيب الشهيد عبدالرحمن وصحبة الأفراد للإطفاء داخل الورشة إلا أنه حدث انفجار للكومبروسور الخاص بضاغط الهواء بالورشة نظراً لانتقال الحرارة المرتفعة حول جسم الكومبروسور مما أدى إلى انهيار العقار وحدوث وفيات لكل من موظف شركة الكهرباء فنى كهرباء والنقيب الشهيد عبدالرحمن وأمين شرطة واستشهاد اللواء محمد الشربينى على إثر الحادث.