ومن المؤكد أن الرابع من يوليو 2026 سيظل يوما مشهودا فى تاريخ وطننا الغالى على مر العصور، وتتابع الدهور لأنه يوما أشرقت فيه شمس القيادة الاستراتيجية، التى تؤكد فى رسالة للجميع أن الجمهورية الجديدة تملك القدرة الشاملة على حماية حدودها على الجبهات كافة والاتجاهات جمعاء، وتستطيع بقدرة تامة التعامل مع مختلف المواقف باحترافية بالغة، ومواجهة شتى الظروف بأعصاب هادئة، وإدارة كل الأزمات بكفاءة واقتدار، فهذا الصرح الوطنى العملاق مجهزة بكل الإمكانات البشرية والفنية مع نقلة تكنولوجية، لأن التخطيط الجيد كان حاضرا بقوة منذ بداية هذه الفكرة العبقرية، والتدبير المحكم وفقا رؤية مسبقة على مدى مراحل تنفيذها، مع متابعة رئاسية متواصلة، فكانت الترجمة على أرض الواقع، بناء فى أحسن تكوين، فهو أيقونة فى التصميم، آية فى الإبداع، شامخ كالجبال، يؤسر الألباب، ويعكس عظمة التاريخ المصرى وعبقرية الحاضر وروعة المستقبل، فالمبانى تحكى همة البانى.
وأجدنى مدفوعا لتسجيل بعض الانطباعات الشخصية خلال حضورى لاحتفالية اِفتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة بالعاصمة الجديدة بتشريف الرئيس عبد الفتاح السيسى، لأنه منذ اللحظة الأولى لمشاهدة مقر القيادة الاستراتيجية تشعر بالهيبة والوقار مع الفخر، فهو ليس مجرد مبنى، بل تحفة معمارية حديثة، متعدد المؤسسات فى تناسق بديع وتناغم رائع، وهندسة فائقة لكل المساحات، فلا ترى تكدسا فى المبانى ولا تحس بإفراط فى المساحات الخضراء، المسارات والطرق متعددة، لكن لا تجدها زائدة عن الحاجة، المقرات تنبض بالوقار لكنها لا تشعرك بالرهبة، ثم عند المرور بين بعض قواتنا المصطفة من غالبية أفرع جيشنا العظيم على جانبى الطريق الممتد من البوابة الرئيسية إلى منصة الحفل، تتابعت رسائل القوة والقدرة الشاملة لقواتنا المسلحة، درع الوطن وسيفه، فالجميع يقف فى انضباط تام، والتزام شامل، مع حسن التنظيم ودقة الترتيب التى تعودنا عليها فى كل الفعاليات التى تشرف عليها إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة.
ومع وصول الرئيس السيسى تتابعت العروض العسكرية فى احترافية كاملة من الدراجات البخارية والخيالة، التى رافقت موكب الرئيس إلى مقر القيادة الاستراتيجية، وكان فى الاستقبال الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، والفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، ثم استقل الرئيس عربة مكشوفة إلى المنصة الرئيسية للاحتفال تزامنًا مع إطلاق 21 طلقة، ومُرافقة جوية بالطائرات الأباتشي، حيث تفقد الرئيس فى الطريق نحو المنصة القوات والمُعدات المُصطفة، وعزفت الموسيقى العسكرية تحية له، وتتابعت مراسم الاحتفال بإتقان وإحكام حتى توقيع الرئيس على وثيقة اِفتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، والضغط على زر رفع العلم، مع عزف الموسيقى سلام العلم، تزامنًا مع رفع الأعلام على المُثمنات، وإطلاق المدفعية 11 طلقة إيذانًا برفع العلم، ومرور فريق الألعاب الجوية، وحتى عرض تشكيل الهرم فى السماء باستخدام 10 معدات «دلتا» على ارتفاع 500 قدم، احتفالا بهذا الحدث التاريخى.
كما أننى كغيرى من الحاضرين فى الاحتفالية أو المصريين المتابعين عبر مختلف وسائل الإعلام تابعت بانبهار عروض القوات الجوية التى وصلت إلى 12 تشيكلا من
الـ»هيل هجومى» وهى من أحدث ترازات الهليكوبتر الهجومى فى العالم وصولا إلى تشكيل الـ»Ka» الذى رسم علم مصر فى سماء العاصمة الجديدة، وما بينهما الكثير من تشكيلات طائرات قواتنا المسلحة، التى تقطع بأن وطننا محروس برا وبحرا وجوا، وهذا غيض من فيض رسائل هذا اليوم الخالد فى مسار امتلاك القدرة الشاملة.. ولأن الأجواء فى المكان تفرض نفسها على المتواجدين وحتى المشاهدين أمام الشاشات فى البيوت والتجمعات، فقد وجدت نفسى أردد كمن حولى «الله أكبر.. تحيا مصر»، وترديد الأغانى الوطنية مع الأوركسترا السيمفونى، فالمشاهد المتتابعة والعروض العسكرية المتلاحقة أكدت بلغة الأفعال أن «الأوكتاجون» يكلل مسيرة الجمهورية الجديدة المستمرة لحماية أمن الوطن وصون مقدرات شعبه من كيد الكائدين وحقد المتآمرين، وعلى الباغى تدور الدوائر، فالمصريون على قلب رجل واحد، وكتف بكتف مع قائدهم الرئيس السيسى للعض بالنواجذ على نعمتى الأمن والاستقرار، واستكمال مسيرة البناء والتنمية الشاملة، وهو عهد يجدده الرئيس فى كل المناسبات الوطنية وخطاباته لأهله وناسه، مع التشديد على ضرورة التحلى بالوعى السليم للحفاظ على المكتسبات التى تحققت، ورعاية للإنجازات التى حدثت فى كل القطاعات وعلى جميع المستويات.
وهنا أتوقف بإمعان أمام رسائل الرئيس السيسى فى هذا اليوم التاريخى خلال كلمته بافتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة، والذكرى الثالثة عشرة لثورة الثلاثين من يونيو، وأولها أن هذا الصرح الوطنى الشامخ؛ الذى يعلو فى قلب عاصمتنا الجديدة، شاهدا على إرادة أمة لا تعرف المستحيل.. من حقنا كمصريين أن نفخر بهذه الملحمة، وأن نباهى الدنيا كلها بقدراتنا على تحقيق النجاحات المتتالية رغم الظروف الشاقة والتحديات الكبيرة، فالجمهورية الجديدة حققت المعادلة الصعبة، فقد تحركت فى معركة التنمية على كل المسارات وهى تحارب الإرهاب على مدى نحو 10 سنوات من 2014 وحتى 2023، ومازالت تواجه ميليشياته الإلكترونية وأذرعه الإعلامية المحترفة فى صناعة الشائعات وبث الأباطيل الهدامة، فهم يريدون إفساد كل فرحة للوطن، والتقليل من أى إنجاز، والتشكيك فى أى نجاح، ولكنهم واهمون وفى غيهم يعمهون، لأن سفينة الدولة المصرية تسير بثبات وتخطو بثقة ولا قيمة لأوهام الجماعة الإرهابية وحلفائها فى الداخل والخارج، ولن تعود عقارب الساعة للوراء أبدا، فالشعب نجح فى ثورة يونيو المجيدة فى إسقاط حكم المرشد، وهو من أيام التاريخ الوطنى اللامعة كالنجوم التى تضيء عتمة الليل وتبدد ظلمة الطغيان، وقد أعلن الشعب يومها أن مصر للمصريين مستقلة فى قرارها ولا تتبع إلا إرادة شعبها، ومصالحه العليا، وكان الثلاثون من يونيو، عنوانا لإعادة تأكيد وحدة الوطن تحت هويته المصرية الجامعة التى لا تفرق والشاملة للشعب كله دون تمييز أو انقسام، كما أكد الرئيس السيسى فى كلمته خلال الذكرى العاشرة لثورة يونيو.
إن القيادة الاستراتيجية هى بمثابة عقل للدولة المصرية كلها، وهذه رسالة أكدها الرئيس السيسى، فلم يكن اختيار العاصمة الجديدة، مقرًا لهذا الصرح مصادفة، بل هو تجسيد حى لركائز الجمهورية الجديدة، فالقيادة الاستراتيجية للدولة؛ تمثل نقلة نوعية فى منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات، بما تمتلكه من بنية تكنولوجية متقدمة، وأنظمة اتصالات مؤمنة، وقدرات فائقة على جمع المعلومات وتحليلها، وربط المستويات القيادية والتنفيذية فى إطار واحد، يحقق أعلى درجات التكامل والدقة، وسرعة الاستجابة، وحتى تصل تلك الرسالة للجميع، لفت الرئيس إلى أن هذه القيادة ليست معنية بإدارة المواقف العسكرية فحسب، بل هى ركيزة أساسية فى قدرة الدولة على مواجهة التحديات والظروف الاستثنائية وفق رؤية شاملة ونظم متطورة، تجعل أمن الوطن واستقراره فوق كل اعتبار، وتواكب عالما تتسارع فيه المتغيرات، بوتيرة غير مسبوقة.
«حماية الأوطان مسئولية».. وفى هذه الرسالة لخص الرئيس السيسى الهدف المحورى من وراء تدشين «الأوكتاجون»، وأوضح الصورة الكاملة لعموم المصريين، مع تحذير واضح لكل صاحب غرض فى الإضرار بالأمن القومى المصرى على المستويات كافة من الميدان إلى الفضاء الإلكترونى، فالقيادة الإستراتيجية جاءت لتجسد عقيدة راسخة بأن حماية الأوطان مسئولية لا تحتمل التهاون وأن ردع كل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر وسيادتها واجب مقدس وأن حدود مصر خط أحمر تحميها إرادة شعبها، ويصونها رجال قواتها المسلحة، بما يملكون من كفاءة واقتدار وأن الدولة لن تسمح أبدا بالمساس بمقدرات شعبها، مع تمسكها بالسلام لمن يريد السلام، ولن تنحنى إلا لله سبحانه وتعالى.. وقواتنا المسلحة حصن الوطن المنيع، ولا تعرف إلا الوفاء لمصر، وهى قوة تحمى السلام بقدر ما تملك القدرة على حمايته، وتصون الأرض بقدر ما تملك القدرة على حمايتها.
«التكاتف والعمل الجاد ضرورة قومية».. هذه الرسالة الرئاسية يجب أخذها على محمل الجد، لأن مواكبة الاضطرابات الإقليمية مع تتابع الأزمات الاستثنائية القادمة من الخارج جعل كل الدول مجبرة على البحث عن الحلول المحلية لمواجهة كل التداعيات، والتحوط لحفظ أمنها القومى، بزيادة الإنتاج فى كل القطاعات لتوفير الاحتياجات الوطنية ورفع معدلات التصدير لجلب العملة الصعبة، وهنا تتجلى أهمية العمل بكل ما أوتينا من قوة، وعزيمة وإصرار، لبناء الدولة الحديثة وهى عملية ممتدة، تتطلب تضحيات وجهودا من الجميع، فالتكاتف والعمل الجاد هما السبيل الوحيد للتقدم، أما البديل؛ فهو التخلف والتراجع، فى محيط إقليمى ملىء بالتحديات والأطماع، ولقد واجهنا أزمات استثنائية متلاحقة بدءًا من تداعيات الأحداث التى شهدتها مصر، فى الفترة من عام 2011 وحتى عام 2014 مرورًا بالحرب على الإرهاب، ثم جائحة «كورونا»، وتداعيات الحرب الأوكرانية وصولا إلى الحرب فى غزة، وأخيرًا الحرب فى إيران، وقد ترتب على هذه الأزمات خسائر جسيمة؛ كما قال الرئيس السيسى.
«تحسين مستوى معيشة المواطن الشاغل الأول فى قرار رئاسى».. واختتم الرئيس كلمته بهذه الرسالة، فهو يرى أحوال المصريين بعين الأب والأخ ورب الأسرة وليس فقط الرئيس المسئول عن قيادة الوطن داخليا وخارجيا فى مرحلة صعبة إقليميا ودوليا، فقد أكد أنه يعلم يقينا؛ ما يتحمله المواطن المصرى من أعباء، ويدرك أن تحسين مستوى معيشته وتخفيف معاناته، يظل فى مقدمة أولويات الدولة، ولقد واجهنا معا خلال السنوات الماضية؛ تحديات استثنائية، وتحملنا جميعا؛ مسئولية الحفاظ على وطننا، فى ظروف بالغة الدقة والتعقيد.. واليوم؛ ونحن نقترب من مرحلة جديدة، فإن ما تحقق من بناء وإصلاح، يفرض علينا أن نواصل المسيرة، بنفس القدر من المسئولية والحكمة لبلوغ غايتنا.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء.