رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رجل الأقدار.. سيـــرة قائــد فــى مسيـــرة وطـــن


9-7-2026 | 13:40

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

وعن مثله الأعلى، قال الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي، ردًا على سؤال ماكر من مذيع قناة Europe 1 جان بيير الكباش: «لقد رأيت الرئيس الفرنسى السابق، شارل ديجول، حيث حكم فرنسا فى مرحلة حرجة، وحقق نجاحًا كبيرًا. بالطبع لا أستطيع مقارنة نفسى بهذا الزعيم العظيم، لكننى أتمنى أن أنجح فى التحدى الذى يواجه مصر الآن، مثلما نجح هو فى التحدى الذى كان يواجه بلاده».

 

مباشرة، طفق بسطاء المصريين يبحثون على محركات البحث الإلكترونية عن ديجول هذا الذى اختاره رئيسهم السيسى نموذجًا ومثالًا، وعندما علموا أنه جنرال فرنسا الحرة، استبشروا خيرًا.

المثقفون عكسوا رضاهم، فهو اختيار يعكس قراءة رئيسهم للتاريخ، واختيار ينم عن رؤية استشرافية لدوره المنتظر فى تاريخ مصر الحديثة.

تحير العاديون قليلًا: لماذا اختار السيسى الجنرال ديجول نموذجًا يحتذى به؟ أما المؤرخون فعادوا إلى أوراقهم، يقرأون ما تيسر من سيرة جنرال فرنسا العظيم، فعقدوا المقارنات، ورسموا المقاربات، وانتهوا جميعًا إلى أن ديجول كان أسطورة فرنسية خالصة.

المقارنة هنا تحتمها حركة التاريخ، ديجول جاء إلى الحكم وفرنسا محتلة، فنادى بفرنسا الحرة، وجاء السيسى ومصر محتلة إخوانيًا، فنادى بمصر الحرة، ديجول خاض حربًا على كل الحدود، والسيسى خاض ويخوض حربًا على كل الحدود، ديجول من موقعه فى الجيش الفرنسى صار رئيسًا، والسيسى من موقعه فى الجيش المصرى صار رئيسًا.

ديجول سياسيًا خسر بعضًا من شعبيته بعد انتصار تاريخي، قبل أن يستدعيه الشعب الفرنسى لإنقاذ الجمهورية مجددًا، والسيسى لم يخسر شعبيته، ولم يفاخر بها، ولم يرهن إنقاذ مصر من وهادها بمنسوب شعبيته.

الشعب الفرنسي، بحذق تاريخي، عندما استدعى ديجول لإنقاذ فرنسا، كان مؤمنًا بقدراته وخبراته ووطنيته، والشعب المصري، عندما استدعى السيسى من موقعه فى الرئاسة إلى موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة مجددًا، ليخوض حرب الإرهاب، ويذود عن الحياض المقدسة، ويستعيد منعة الدولة المصرية التى تتكالب عليها الأكلة تكالبها على قصعتها.

ديجول الفرنسى دخل التاريخ من باب الجمهورية الجديدة، وديجول المصري، السيسى، دخل التاريخ من باب الجمهورية الجديدة، دخل السيسى تاريخ مصر بانتصار باهر على أقدم تنظيم إرهابى عرفته البشرية.

كلاهما اعتقد فى مقولة نابليون بونابرت: «لا نحكم شعبًا إلا بأن نريه المستقبل، القائد هو تاجر الأمل».

ديجول استعاد لفرنسا الجريحة سمعتها وهيبتها الدولية، ثم انخرط فى بناء فرنسا الحديثة على الأصعدة والمستويات كافة. وأثبت ديجول أنه شخصية تاريخية قادرة على مواجهة الأعاصير والأزمات الكبرى بكل رباطة جأش، ولقب فى السردية الفرنسية بـ«رجل فى الأعاصير».

وكذا السيسي، يمكن تلقيبه بـ«رجل الأقدار». تحمل قدره صابرًا، محتسبًا، لم يشكُ يومًا، ولم يتنصل من واجب مستوجب، واشتغل على نفسه وشعبه ووطنه، أنجز نصره على الإرهاب بتضحيات جسام، وأعاد الأمن والأمان، واستعاد لمصر دورها كواحة سلام، وجلى ألقها، وزاد من وهجها، وأخذ على عاتقه تعويض ما فاتها فى بضع سنين.

القائد التاريخي، فى التحليل الأخير، ليس ذلك الذى يتبع الموجة، أو يسير مغمضًا خلف رغبات عاطفية، ولا تجتذبه مغامرات وقتية، ولا ينجر إلى فخاخ سياسية، يفهم لغة شعبه، ويلتقط شارته، لكنه لا يسير مغمضًا على طبل أجوف، وإنما ذلك القائد الذى يتجرأ على أن يقول «لا» حتى لشعبه إذا اقتضت المصالح العليا، وعينه على مقاصد الوطن، هنا تكمن عظمة ديجول فى الواقع الفرنسي، وكذا عظمة السيسى فى الواقع المصري.

للخبير الأمريكى البارز فى مجال الإدارة والقيادة (Warren Bennis) جملة مفتاحية تقول: «تكمن قدرة القيادة فى تحويل الرؤى إلى حقيقة».

كان ديجول رؤيويًا شفافًا، يرى إلى البعيد أو بعيد البعيد، وهنا تكمن السمة الأساسية للقادة الكبار، هنا يكمن الفرق بين القائد التاريخى والسياسيين الانتهازيين الصغار. وكذا السيسي، مثله مثل مثله الأعلى، يرى أبعد كثيرًا من قصار النظر، ويصبر طويلًا صبرًا جميلًا. فيما بعد، أدرك الشعب الفرنسى أن زعيمه ديجول كان على حق ضد الجميع تقريبًا، وأنه كان يشتغل ويجتهد لمصلحة الشعب، وكذا السيسي، لا تعدو عيناه الشعب، ويجتهد لصالح الشعب، ويتبرع من ثروته لسداد الديون، ضاربًا المثل فى التضحية والفداء، هذا الجانب نادرًا ما يتحدث عنه أحد، رغم أنه، فى رأيي، أكبر دليل على عظمة السيسي، فالعظمة ليست أن تكون مع أو ضد الآخرين، فهذا شيء سهل، وإنما تكون مع الصالح العام، مجردًا من الهوى، ويعتقد فى قول ذائع: لا ينتفع الإنسان شيئًا إذا ربح العالم كله وخسر نفسه؛ لأن المكاسب الدنيوية (كالسلطة والمال والمكانة) مؤقتة، ومصيرها الفناء، بينما «الخسارة» هنا تشير إلى خسارة الروح أو جوهر الإنسان، وهو ما لا يمكن تعويضه أو استبداله بأى ثروة أو كنوز العالم مهما عظمت.

(من مقدمة كتاب رجل الأقدار)

أخبار الساعة

الاكثر قراءة