فى مشهد مهيب تزيّنته رايات الجيش المصرى وتوسطته ابتسامة واثقة للرئيس عبدالفتاح السيسى، القائد الأعلى للقوات المسلحة، دُشنَ مطلع الأسبوع الجارى مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة فى حدث وصفه المراقبون والخبراء بأنه «نقلة نوعية غير مسبوقة» فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، فلم يكن الافتتاح مجرد قص لشريط أو كشف لستار عن مبانٍ حجرية بل كان إعلانًا رسميًا عن دخول مصر عصر جديد من القيادة والسيطرة، يضعها فى مصاف الدول الكبرى القادرة على إدارة الصراعات المعاصرة بتقنيات فائقة وتطويع الذكاء الاصطناعى وتحليل البيانات الضخمة لخدمة الأمن القومى، وجاء هذا التدشين فى توقيت بالغ الحساسية وسط أزمات إقليمية متلاحقة من حرب الإبادة فى غزة إلى اشتباكات البحر الأحمر وتهديدات الملاحة العالمية فى قناة السويس التى كلفت الاقتصاد المصرى خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائى والطاقة فى المنطقة، وفى هذا المشهد المضطرب تنقل «المصور» رؤية ثلاثة من أبرز الخبراء الاستراتيجيين والعسكريين فى مصر، ليكشفوا برؤى مختلفة - عسكرية وتقنية وجيوسياسية - أهمية هذا الصرح الذى أصبح أيقونة العصر فى الشرق الأوسط.
اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجى، قال إن مصر أصبحت رسميًا رابع دولة فى العالم تمتلك هذا المستوى المتطور من مراكز القيادة والسيطرة الاستراتيجية، بعد كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، وسبب التسمية التى أُطلقت على المقر – «الأوكتاجون» – ليست مجرد استعراب لكلمة أعجمية بل تحمل دلالة هندسية وفنية عميقة، فهى مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة التى تعنى «المثمن الأضلاع»، والاختيار جاء بناءً على عدد الأسلحة الرئيسية للقوات المسلحة المصرية، حيث يتيح الشكل المثمن وجود ثمانية محاور للقيادة تتوزع عليها المهام المتزامنة للقوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوى وحرس الحدود والحرس الجمهورى وغيرها من الفروع، مما يمنح مرونة أكبر بكثير من البنتاجون الأمريكى الذى يعمل بخمسة محاور فقط.
وأشار إلى أن الرئيس السيسى، خلال توليه منصب وزير الدفاع، كان أول زعيم عربى وأجنبى يُسمح له بدخول مركز القيادة الاستراتيجية الروسى فى الكرملين، وفى تلك اللحظة تبلورت الرؤية فى ذهنه وتساءل بصوت عالٍ وهو يشاهد التكنولوجيا الروسية الفائقة: «لماذا لا نملك نحن فى مصر هذا المستوى من التنظيم والتكامل؟»، ومنذ ذلك اليوم أصبح حلم «الكرملين المصرى» يراود العقل العسكرى المصرى ليتحقق اليوم على أرض الواقع فى قلب العاصمة الجديدة، فى مساحة تفوق نظيراتها العالمية وبمعايير تكنولوجية تضاهى بل وتتفوق على ما تملكه بعض الدول العظمى.
ونوه «فرج» إلى أن البنية التحتية الفائقة التى تمثل العمود الفقرى لهذه القدرات التنبؤية وعلى رأسها شبكة كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت الأرض عبر أنفاق مؤمنة بالكامل، مع نظام نسخ احتياطى أوتوماتيكى ذكى قادر على التحويل من كابل إلى آخر خلال أقل من خمس دقائق دون أن يشعر المستخدم بأى انقطاع، مما يضمن استمرارية العمل فى وجه أى محاولة تخريب أو اختراق جسدى أو سيبراني، والمركز يعتمد أيضًا على منظومة متطورة من الأقمار الصناعية المصرية المطورة بالتعاون مع شركاء دوليين موثوقين من الصين وفرنسا، إلى جانب محطات أرضية متقدمة تجعل من المستحيل اختراق شبكاته أو قطع اتصالاته، فى رسالة غير مباشرة ترد على ما شهدته وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون من اختراقات سيبرانية قبل عامين.
وقدّم اللواء «فرج» مثالًا حيًا على حجم التغيير الذى أحدثه هذا المركز، مستشهدًا بهيئة الإمداد والتموين إحدى أكبر هيئات القوات المسلحة المصرية التى تضم سبع إدارات رئيسية. قبل الافتتاح، وكانت هذه الإدارات موزعة بشكل مبعثر جغرافيا؛ فإدارة الوقود (البنزين، الديزل، السولار، والشحومات الخاصة بالطائرات والدبابات) كانت موجودة فى مدينة نصر، وإدارة التعينات (الغذاء والكساء) فى العباسية أمام كلية الشرطة، وإدارة الخدمات الطبية التى تخدم كل الجيش المصرى فى كوبرى القبة، وهذا التوزيع كان يهدر الوقت والجهد ويُعقّد عمليات التنسيق، لكن اليوم أصبحت جميع هذه الكيانات متكاملة تحت سقف واحد فى العاصمة الجديدة، مع ربط إلكترونى فائق السرعة يسمح بالانتقال الفورى بين البيانات والصلاحيات، وكأنما هى خلية نحل واحدة تعمل بتناغم تام.
وأوضح أنه لم يقف التكامل عند الحدود العسكرية، بل امتد ليشمل جميع أجهزة الدولة المدنية فالمركز الجديد يضم الآن بيانات شاملة عن كل مفاصل الجمهورية؛ بدءًا من مواقع المستشفيات والمدارس ومراكز الإطفاء والإسعاف مرورًا بالمخازن الاستراتيجية للسلع الغذائية والدوائية وصولًا إلى المخططات العمرانية الجديدة، وشبكات الرى والمناطق الزراعية المستصلحة حديثًا وحتى خطوط نقل الكهرباء والمحولات الرئيسية، وهذا يعنى أن المركز أصبح «العقل المدبر» للدولة، القادر على إدارة أزمة فى قطاع الصحة أو توزيع المياه، أو مواجهة كارثة طبيعية، بنفس الكفاءة التى يدير بها العمليات العسكرية.
وحول ظهور الرئيس السيسى بالزى العسكرى خلال حفل التدشين، أكد اللواء «فرج» أن ظهور القائد الأعلى للقوات المسلحة بالزى العسكرى هو رسالة طمـأنة مباشرة للمواطنين مفادها أن جيشهم أصبح مزودًا بأحدث تقنيات العصر وهو الضامن الحقيقى للسلام والهدوء الذى نعيشه، وهو الضمانة الأكبر بأن مصر لن تفاجأ مجددًا بأى أزمات طارئة مثل التى سبقت ثورة 30 يونيو بل ستسبقها بالتحليل والتنبؤ مما يعزز ثقة المواطن فى مؤسسات دولته، أما الرسالة الثانية كانت موجهة إلى الخارج وهى رسالة ردع واضحة لكل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر القومى، كما أن ارتداء الزى العسكرى فى هذا المقر الاستراتيجى يبعث برسالة للأصدقاء والشركاء والأعداء على حد سواء بأن «مصر قوية بجيشها وبشعبها، وبما تمتلكه من إمكانات من خلال هذه المنظومة المتطورة»، فالرسالة تقول للعالم بوضوح: «نحن متمسكون باستراتيجية السلام التى انتهجناها، ولن نعتدى على أحد، ولكن من يفكر فى الاقتراب من حدودنا، أو اختراق مجالنا السيبراني، أو المساس بأمننا العقائدى أو الاجتماعي، فسيجد أمامه جيشًا مسلحًا بأحدث التكنولوجيا، وقادرًا على الردع والتدمير، فمصر خط أحمر، ومقدراتها ليست مجالًا للمزايدات».
وكشف «فرج» عن أن التوقيت الذى جاء فيه الافتتاح، بالتزامن مع احتفالات ثورة 30 يونيو، له دلالات بالغة الأهمية فهو استذكار لدروس الماضى القريب وتأكيد أن مصر تعلمت من محنتها، وستظل واقفة على قدميها، تدافع عن كرامتها واستقرارها بكل قوة، فى وقت يشهد فيه المحيط الإقليمى أزمات متلاحقة تتطلب يقظة استثنائية وقدرة على إدارة الأزمات بحرفية وهو ما يوفره هذا المركز بشكل فائق.
من جانبه، أكد اللواء أركان حرب محمد عبدالمنعم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق والخبير العسكرى، أن هذا الصرح العملاق ليس مجرد مبنى عسكرى بل هو منظومة متكاملة لإدارة الدولة فى السلم والحرب، فنحن أمام مركز يضم السيطرة على جميع مفاصل الدولة المصرية ليس فقط العسكرية بل المدنية أيضًا، وهو الأوحد من نوعه فى الشرق الأوسط من حيث الإمكانات والمنشآت والقدرات وهو ما يضع مصر فى مصاف النخبة العالمية فى إدارة الصراعات والتحديات، واصفًا بأن المقر يعد «الضلع الرابع» والأحدث فى منظومة التطوير الشامل للقوات المسلحة، إلى جانب ثلاثة أضلاع أخرى تم إنجازها خلال الأعوام الماضية؛ وهى تحديث منظومات التسليح وتطوير القواعد العسكرية على اختلاف أنواعها، وتحسين منظومة التأهيل والتدريب للعنصر البشرى، واكتمال هذه الأضلاع الأربعة يجعل القوات المسلحة المصرية على أتم الجاهزية لمواجهة أى تحديات مستقبلية، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية.
وكشف عن أن المركز يعمل بأحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعى التوليدى والتحليلى إلى جانب أنظمة التعلم الآلى القادرة على معالجة ملايين النقاط البيانية فى الثانية الواحدة، وهذا يُترجم فى الواقع إلى تقليص «دورة اتخاذ القرار» – وهى الفترة الزمنية بين لحظة رصد الحدث ولحظة إصدار الأمر التنفيذى – من ساعات وربما أيام، إلى دقائق معدودة، لكن اللافت حقًا هو قدرة المركز على التنبؤ بالعدائيات والأزمات فى آفاق زمنية بعيدة، متجاوزًا النمط التقليدى للإدارة الاستراتيجية الذى كان يكتفى بالرصد والتحليل اللاحقين، فالمركز الجديد يعمل بنظرية «الاستباقية» بدلًا من «التفاعل» مع الأحداث؛ أى أنه قادر على رسم سيناريوهات متعددة للمستقبل، واقتراح الحلول الجاهزة لكل سيناريو قبل حدوثه.
وأوضح «عبدالمنعم» أن هناك تحولاً جذريًا فى الفلسفة الاستراتيجية للدولة المصرية، فمصر كانت فى السابق تعمل بنظرية «رد الفعل» أى التعامل مع الأحداث بعد وقوعها؛ فعندما كان يحدث هجوم إرهابى أو تهديد خارجى كانت الأجهزة تبدأ التحرك بعد حدوث الفعل، مما يمنح المهاجمين أفضلية كبيرة، أما اليوم وبفضل امتلاك هذا المركز فقد تحولت الدولة إلى العمل بنظرية «الفعل الاستباقي» وذلك دون أى اعتداء على أحد، بل فى إطار دفاع استباقى مشروع عن الأمن القومى، وهذا التحول يحقق نسبة نجاح كبيرة جدًا للدولة، حيث يتم كشف التهديدات وتحليلها وتفكيكها قبل أن تصل إلى المدن المصرية أو البنى التحتية الحساسة.
وقال إن القيادة الاستراتيجية ليست مجرد منشأة جديدة تُفتتح لأول مرة بل هى منظومة تعمل بالفعل منذ فترة، وخاضت تجارب واختبارات ميدانية قاسية خلال أزمات حقيقية شهدتها المنطقة وتحديدًا أحداث أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب غزة والاشتباكات الإيرانية الإسرائيلية وتهديدات الحوثيين فى البحر الأحمر والقرصنة الإلكترونية التى استهدفت مؤسسات عدة فى المنطقة، فمصر كانت الدولة الوحيدة فى الإقليم التى لم تُخترق أراضيها أو مجالها الجوى أو منظوماتها السيبرانية خلال كل هذه الأحداث المضطربة، على عكس معظم الدول المجاورة التى تعرضت لاختراقات متنوعة سواء بصواريخ عابرة أو طائرات شبحية أو مسيرات انتحارية أو هجمات إلكترونية مدمرة للبنية التحتية، والفضل هنا يعود إلى المزيج الفريد الذى يوفره المركز من قدرات تحليلية فائقة إلى سرعة فى اتخاذ القرار إلى وعى استخباراتى دقيق بالخريطة الكاملة للتهديدات، والدول العظمى والكبرى وكذلك الأعداء قبل الأصدقاء يشهدون جميعًا بقوة مصر وتماسكها، وهو ما ظهر جليًا خلال الأزمتين الأخيرتين، حيث كان الجميع يراقب كيف تدير مصر ملفاتها بحكمة دون أن تنجر إلى الصراع، مع الحفاظ على سيادتها الكاملة.
وحول أثر توحيد مقر القيادة العامة للقوات المسلحة والوزارات والجهات السيادية داخل كيان مركزى واحد، أكد اللواء عبدالمنعم أن سرعة اتخاذ القرار أصبحت أحد أبرز مكاسب هذا النموذج، مستشهدًا بحكمة استراتيجية مفادها أن «اتخاذ القرار فى التوقيت المناسب يشكل نصف النجاح، بل قد يتجاوز النصف إلى الثلثين أو أكثر»، فمتخذ القرار فى السابق كان يضطر إلى استدعاء المسؤولين من مواقع متفرقة وجمع الملفات والبيانات من جهات ومخازن موزعة داخل القاهرة وخارجها ثم تحليلها قبل الوصول إلى قرار نهائى، وهى عملية كانت تستغرق ساعات وربما أيامًا، بما يمنح الخصم أو الظروف الطارئة فرصة لاستغلال هذا الفارق الزمنى، أما اليوم فإن التكامل المؤسسى غيّر هذه المعادلة بالكامل، إذ أصبحت المعلومات العسكرية والمدنية متاحة أمام متخذ القرار فى مركز واحد وفى الوقت نفسه بما يتيح تكوين صورة شاملة للموقف واتخاذ القرار المناسب فى أسرع وقت مع توجيه جهات التنفيذ بكفاءة ودقة.
أما اللواء هشام الحلبى، الخبير الاستراتيجي والعسكرى، فقد أكد أن القيادة الاستراتيجية ليست مجرد مبنى حجرى أو قلعة عسكرية بل هى مشروع وطنى متكامل يعكس رؤية الدولة المصرية للتحول الرقمى والتكامل المؤسسى، فمقر الأوكتاجون يعد انعكاسًا حقيقيًا لعصر «الجمهورية الجديدة»، حيث تتداخل فيه القدرات العسكرية والمدنية لخدمة المواطن المصرى، وحماية مكتسبات التنمية الهائلة التى تحققت خلال السنوات الأخيرة من مدن الجيل الرابع إلى المشروعات العملاقة كالعلمين الجديدة والمثلث الذهبى وقناة السويس الجديدة، وهذا المركز يمنح الدولة قدرة غير مسبوقة على تنسيق الجهود بين الوزارات المختلفة، وكسر العزلة بين الإدارات، مما يحقق رؤية متكاملة للدولة المصرية تضعها فى مصاف الدول المتقدمة، ليس فقط فى المجال العسكرى بل فى مجال الإدارة الاستراتيجية للدولة، والسنوات العشر القادمة ستشهد نقلة نوعية فى كيفية إدارة مصر لأزماتها وتنميتها، معتمدين على هذا العقل الإلكترونى العملاق.