لم يكن التوجه المصرى نحو الطاقة المتجددة وليد الصدفة، بل هو امتداد لجهود بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضى بتأسيس «هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة»، ورغم التكلفة الباهظة للتكنولوجيا آنذاك، فإن نقطة التحول الجذرى بدأت عام 2014، حيث تم دعم هذا الملف بنص دستورى وحزمة إصلاحات تشريعية طموحة دفعت بمشروعات الرياح والشمس والمياه إلى الصدارة، بالتكامل مع مشروع محطة «الضبعة» النووية لتوليد طاقة نظيفة خالية من الانبعاثات الكربونية، وخلف هذا التحول تقف إرادة سياسية قوية يقودها الرئيس عبدالفتاح السيسى بمتابعة مباشرة ودقيقة تهدف إلى تحقيق طفرة فى قطاع الطاقة المتجددة توازى الإنجاز التاريخى غير المسبوق الذى شهده قطاع الكهرباء وأشاد به العالم.
تميّزت الاستراتيجية المصرية بالمرونة والتحديث المستمر لمواكبة الأسواق العالمية، وهو ما ظهر جليا فى تعديل مستهدفات “مزيج الطاقة” لتسريع الجدول الزمنى والوصول إلى نسبة 45 فى المائة من الطاقات المتجددة بحلول عام 2028، ولم يقتصر الطموح على ذلك بل اقتحمت مصر سوق “الهيدروجين الأخضر” بقوة مع إعلان الرئيس فى مؤتمر المناخ COP27 عن تأسيس منتدى الهيدروجين الأخضر للاستحواذ على حصة من السوق العالمية، بالتوازى مع المتابعة الدقيقة لجدول تنفيذ الحلم النووى السلمى بالضبعة؛ فما تشهده مصر اليوم من قفزات فى إنتاج الطاقة النظيفة هو انعكاس لرؤية سياسية ثاقبة استشرفت المستقبل مبكرا، وأدركت أن تحصين الدولة ضد أزمات الطاقة العالمية يتطلب بناء مزيج قوى ومستدام من الطاقات المتجددة قائم على دراسات دقيقة وتنفيذ حاسم.
فى هذا الشأن، قال الدكتور محمد السبكى، أستاذ الكهرباء بهندسة القاهرة والرئيس الأسبق لهيئة تنمية الطاقات الجديدة والمتجددة: إن التجربة المصرية لتنمية الطاقات المتجددة واكبت التوجه العالمى لاستخدام مزيد من الطاقات المتجددة خاصة الرياح والشمس لإنتاج الكهرباء، من أجل تقليل استخدامات الوقود الأحفورى الصلب والسائل والغازى، إلى جانب الأهداف البيئية للحدّ من ارتفاع درجة حرارة الجو نتيجة لظاهرة الاحتباس الحرارى؛ فمصر كانت سبّاقة فى الاهتمام بالطاقات المتجددة، وقامت بإنشاء هيئة لتنمية الطاقات الجديدة والمتجددة فى 1986 طبقًا للقانون رقم 102، وبالفعل تم تنفيذ عدد من المشاريع الخاصة بالطاقات المتجددة تحت مظلتها، وبدأ الاهتمام بالطاقات المتجددة فى مصر بتوقيت كانت فيه تقنيات إنتاج الكهرباء من الوقود الأحفورى تمثل منافسة قوية جدا لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح والشمس، سواء بالنسبة للتقنيات المستخدمة، أو التكلفة الاستثمارية.
وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الإنتاج من الطاقات المتجددة لم يوقف المخطط المصرى فى تنمية الطاقات المتجددة؛ فمصر اعتمدت على التمويل الخارجى، بما فى ذلك المنح والقروض الميسّرة من شركاء التنمية، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر الدنمارك وألمانيا واليابان وفرنسا وإسبانيا لتنفيذ بعض المشاريع لمواكبة التطور التكنولوجى، وقامت بإصدار عدد من أطالس الرياح والشمس منذ 1995 وحتى 2017، وشهدت تنمية الطاقات المتجددة تحولاً جذريًا مع 2014، وكانت البداية بالإصلاحات التشريعية وتحديدًا فى الدستور المصرى الذى نص فى المادة 38 منه على أن الدولة المصرية ملتزمة بتنمية الطاقات المتجددة كمشاريع وأبحاث، وهو ما ترجم فى قانون 203 الخاص بتنمية الطاقات المتجددة الصادر فى ديسمبر 2014، والذى استهدف خمس آليات لتنفيذ إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة.
وأوضح “السبكى” أنه تم تطبيق خمس آليات بالتوازى لدعم مشروعات الطاقة المتجددة، إلا أن بعض هذه الآليات شهدت تقدما أسرع على مستوى التنفيذ وجذب الاستثمارات مقارنة بغيرها، وتمثلت الآلية الأولى فى مشروعات الطاقة المتجددة المملوكة للدولة والتى تنفذها هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، إلى جانب المشروعات التى يتم تنفيذها من خلال قروض ميسرة تقدمها الدولة سواء كانت مشروعات كبيرة أو صغيرة الحجم، وعقب إصدار تشريع تعريفة التغذية الكهربائية أصبحت الطاقة المنتجة من هذه المشروعات تنقل عبر شبكات النقل والتوزيع التابعة للدولة، ثم تباع للشركة المصرية لنقل الكهرباء وفقا للتعريفة المقررة، وكان المستهدف آنذاك تنفيذ مشروعات طاقة شمسية بقدرة 300 ميجاوات للمشروعات الصغيرة، و2000 ميجاوات للمشروعات الكبيرة، بالإضافة إلى 2000 ميجاوات من مشروعات طاقة الرياح.
وأضاف أن الآلية الثانية مرت بمرحلتين، الأولى امتدت من عام 2014 حتى 2017 وشهدت تنفيذ مشروع واحد ضمن مشروع بنبان للطاقة الشمسية، أما المرحلة الثانية فقد تضمنت استكمال بقية مشروعات مجمع بنبان بإجمالى قدرات بلغت 1465 ميجاوات، وفى المقابل لم تحقق مشروعات تعريفة التغذية الكهربائية صغيرة الحجم انتشارا واسعا بسبب ضعف إقبال المستخدمين على تركيب الألواح والخلايا الشمسية فوق أسطح المنازل. وفيما يتعلق بمشروعات طاقة الرياح، فإن اشتراطات التمويل كانت تتطلب إجراء قياسات لسرعات الرياح لمدة عامين، وهو ما حدّ من قدرة هذه المشروعات على تحقيق انطلاقة قوية خلال المرحلتين الأولى والثانية، وتمثلت الآلية الثالثة فى نظام البناء والتملك والتشغيل والذى يتيح للمستثمر امتلاك المشروع وبناءه وتشغيله، فهذه الآلية تعد الأكثر تطبيقا فى الوقت الحالى على غالبية مشروعات الطاقة المتجددة.
وبيّن أن الآلية الرابعة لا تزال فى مرحلة التجريب وتعتمد على إبرام اتفاقيات مباشرة بين منتج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة والمستهلك النهائى، مع استخدام شبكات النقل والتوزيع المملوكة للدولة مقابل سداد رسوم استخدام، كما أن القدرات المستهدفة من هذه الآلية تبلغ 500 ميجاوات، بينما تجرى حاليا الدراسات التنفيذية الخاصة بها بدعم من البنك الأوروبى لإعادة الإعمار والتنمية، أما الآلية الخامسة فتتمثل فى نظام الكوتة، وذلك فى حال احتياج الدولة إلى قدرات إضافية من الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، حيث يمكن إلزام الجهات المعنية بنسبة محددة من توليد الكهرباء من هذه المصادر ضمن مزيج الطاقة المستخدم، فمثلا بادرت الدولة بفرض نسبة 25 فى المائة من إنتاج الكهرباء المستخدمة فى الأنشطة الصناعية من الطاقات المتجددة عبر 7 آلاف منشأة صناعية، وما تم الاتفاق عليه مع الموارد المائية عبر إدارة طولومبات المياه وأساليب الرى بالطاقات المتجددة.
وشدد أستاذ الكهرباء على أنه إلى جانب هذه الآليات الخمس وضعت الدولة استراتيجية للطاقة جرى تحديثها بشكل دورى خلال السنوات الماضية، حيث كانت تستهدف الوصول بنسبة مساهمة الطاقات المتجددة إلى 42 فى المائة بحلول عام 2040، قبل أن يتم تعديل الجدول الزمنى لتحقيق هذا الهدف فى 2035، ثم تقديمه لاحقا إلى 2030، وصولاً إلى آخر تحديث يستهدف بلوغه فى 2028، مشيدا بالتوجيهات الرئاسية الداعمة لتنمية مشروعات الطاقة المتجددة فقد أسهمت فى تسريع وتيرة التنفيذ والتوسع فى هذه المشروعات بما يهدف إلى تقليل الاعتماد التدريجى على الوقود الأحفورى، مع الإبقاء على مزيج متوازن من مصادر الطاقة المختلفة، حيث كان من غير الممكن وقف الاعتماد على الوقود الأحفورى بشكل كامل، لكن الاتجاه نحو مزيج يجمع بين المصادر التقليدية والمتجددة هو الحل الأكثر واقعية واستدامة، فكل كيلووات/ ساعة يتم إنتاجه من مصادر الطاقة المتجددة يوفر فى المتوسط ما يعادل 200 جرام من الوقود الأحفورى، وهو ما يعكس كفاءة هذه المصادر مقارنة بمحطات التوليد التقليدية، خاصة منخفضة الكفاءة منها.
وفى السياق ذاته، أشار «السبكى» إلى البعد البيئى المهم للتوسع فى استخدام الطاقة المتجددة، حيث إن كل كيلووات/ ساعة يسهم فى تقليل أكثر من 350 جراماً من انبعاثات ثانى أكسيد الكربون الضارة بالبيئة والصحة العامة، وهذا التوجه يعزز من القدرة التنافسية للمنتجات المصرية فى الأسواق الأوروبية فى ظل المعايير البيئية التى يفرضها الاتحاد الأوروبى على السلع المصدرة، والدولة المصرية تستهدف تحقيق توسع فى مشاريع الطاقات المتجددة بما يحقق أمنا للطاقة متوازنا ومستداما، سواء بالمشاريع الكبيرة أو المشاريع الصغيرة؛ فكل كيلو أو اثنين أو حتى خمسة كيلووات سيُحدث فارقًا، وتطبيق الآليات الخمس بشكل متوازٍ وتحديدا آليات استثمار البيع والتمليك والتشغيل وتطوير تكنولوجيا المنقولة، وبالفعل هناك تطور كبير فى جزئية الألواح الشمسية بما انعكس على انخفاض سعرها، وأصبحت أسعارها ممكنة وقابلة للاقتناء على المستوى الصناعى وعلى المستوى الفردى، فتكلفة الواحد كيلو وات ساعة تتراوح من عشرين إلى 25 ألف جنيه، بما يزيد من جذب الأفراد لتركيب ألواح شمسية فوق أسطح المنازل.
وكشف عن أن تحقيق مستهدفات التوسع فى الطاقة المتجددة صاحبه تطوير وتدعيم شبكات الكهرباء للنقل والتوزيع، بما يرفع قدرتها الفنية على استيعاب الأحمال المتزايدة من القدرات المولدة، والتوجه لا يقتصر على زيادة القدرات الإنتاجية فقط بل يمتد أيضا إلى رفع كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد الكهربائى، والدولة المصرية أتاحت المجال للهيدروجين الأخضر ووضعت استراتيجية لتطويره وتنفيذ مشروعاته، فى ظل أزمات الطاقة المتتالية والحاجة المتزايدة إلى مصادر نظيفة ومستدامة، وهذا المجال لا يزال يواجه تحديات تتعلق بارتفاع التكلفة، إلا أنها مرشحة للانخفاض مع التطور المتسارع فى التكنولوجيا، وتقييم التجربة المصرية فى مجال الطاقة المتجددة على مستوى القارة الإفريقية يضع مصر إلى جانب المغرب وجنوب إفريقيا ضمن الدول الرائدة فى هذا المجال، وما يميز مصر بشكل خاص هو موقعها الجغرافى وسعيها لتعزيز مشروعات الربط الكهربائى بما يتيح تصدير الطاقة المتجددة إلى القارة الأوروبية، كما أن وجود مشروعات الربط الكهربائى وأحدثها مشروع الربط الكهربائى بين مصر والسعودية، يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التكامل فى منظومة الطاقة بالمنطقة.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد الخياط، رئيس هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة السابق، أن التجربة المصرية فى مجال الطاقة المتجددة تعد تجربة متميزة؛ فمصر تتمتع بمعدلات إشعاع شمسى مرتفعة تم توظيفها فى العديد من التطبيقات من بينها محطات الطاقة الشمسية المتصلة بالشبكة الكهربائية والتى تصل قدراتها إلى نحو 3 آلاف ميجاوات ويشارك فيها القطاع الخاص بدور محورى، كما أن من أبرز هذه المشروعات مجمع بنبان للطاقة الشمسية بقدرة 1465 ميجاوات والذى يضم 32 مشروعا باستثمارات إجمالية تقارب مليارى دولار إلى جانب مشروعات أخرى فى كوم أمبو وأسوان، ووجود نحو 1500 ميجاوات من المشروعات قيد الإنشاء سيتم ربطها بالشبكة الكهربائية، فضلا عن مشروعات إضافية قيد الدراسة والتطوير تصل قدراتها إلى نحو 4500 ميجاوات من الطاقة الشمسية، ويصل إجمالى القدرات من الطاقة المتجددة فى مصر إلى نحو 9300 ميجاوات تشمل 2230 ميجاوات من الطاقة المائية، بالإضافة إلى طاقة الرياح التى تبلغ نحو 3000 ميجاوات.
وفيما يتعلق بدور هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، أوضح أنها تتولى اعتماد الشركات العاملة فى تركيب وصيانة منظومات الطاقة الشمسية إلى جانب اختبار مكونات هذه الأنظمة عبر معامل متخصصة تخضع للمواصفات القياسية، كما تقوم شركات توزيع الكهرباء على مستوى الجمهورية بالإشراف على ربط مشروعات الطاقة الشمسية سواء الصغيرة أو الكبيرة بشبكات التوزيع، بينما يتم ربط المشروعات الكبرى بالشبكة القومية لنقل الكهرباء التابعة للشركة المصرية لنقل الكهرباء؛ فهذا التكامل المؤسسى بين الجهات المعنية، ومنها هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة ومرفق تنظيم الكهرباء، يسهم فى تنظيم سوق الكهرباء وضمان كفاءة عمل منظومة الطاقة المتجددة. وفيما يخص التوسع فى استخدام الطاقة الشمسية بالمنازل، فإنها تمثل عنصرا مهما فى دعم انتشار الطاقة المتجددة، سواء من خلال نظم الاستهلاك الذاتى التى تتيح للمستهلك إنتاج الكهرباء واستهلاكها خلال النهار، أو عبر نظام صافى القياس الذى يسمح بتصدير الفائض إلى الشبكة وإجراء مقاصة بين ما يتم استهلاكه وما يتم إنتاجه.
وأشار إلى أن الدولة تقدم حزمة من الحوافز لدعم هذا القطاع تشمل خفض الرسوم الجمركية على مكونات الطاقة المتجددة إلى 2 فى المائة، وتطبيق ضريبة قيمة مضافة بنسبة 5 فى المائة، إلى جانب تخصيص الأراضى للمشروعات الكبرى مقابل حق انتفاع يصل إلى 2 فى المائة، إضافة لإتاحة الاستفادة من بيع شهادات الكربون فى الأسواق المحلية والعالمية وهو ما يعزز جدوى المشروعات، خاصة الكبيرة منها، وكذلك ربط الطاقة المتجددة بمشروعات التنمية الاقتصادية، وهو ما يمثل توجها مهما، حيث يتم استخدام الطاقة الشمسية فى تشغيل أنظمة ضخ المياه للمشروعات الزراعية بما يسهم فى تقليل الاعتماد على السولار، وخفض تكاليف الإنتاج ورفع تنافسية المنتجات الزراعية، فضلا عن تقليل أثر تقلبات أسعار الوقود مع الاعتماد على مصدر طاقة نظيف ومستدام.
وتوقع “الخياط” أن تتحول مصر بحلول عام 2040 من دولة مستهلكة للطاقة إلى مركز إقليمى وعالمى للطاقة النظيفة عبر مشروعات الربط الكهربائى مع أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، بما يتيح تصدير الفائض من الطاقة الشمسية نهارًا وطاقة الرياح ليلاً، فى ظل تسارع وتيرة تنفيذ مشروعات قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة.