رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الأمر أكبر من مجرد ذكرى السندريلا


18-6-2026 | 21:27

.

طباعة
بقلم: أشرف غريب

   أيام تمضى، وسنون تمر، والسندريللا - كما هى - ملكة متوجة على عرش التمثيل، والنجمة التى تدور حولها الشهب قبل أن تهوى سريعا حتى دون أن تحدث وهجا أو تترك أثرا، خمسة وعشرون عاما مرت سريعا على سقوط سعاد حسنى من "ستيوارت تاور" فى قلب مدينة الضباب لندن ذات مساء صيفى حار فى الحادى والعشرين من يونيو 2001 فى واحدة من حوادث العاصمة البريطانية الكثيرة التى لا يزال يلفها الغموض.

   نعم استقر فى يقين جهات التحقيق البريطانية أن سعاد قد انتحرت، لكن أحدا من عشاقها لا يتبنى هذه الفرضية، أو قل أنه لا يريد أن يصدق أن الفنانة التى ظلت حريصة على صورتها الأيقونية كإحدى ربات الجمال فى السينما المصرية يمكن أن تكون هذه نهايتها، وأيا ما كان الأمر نُحرت أو انتحرت، فإن الحقيقة التى لا يمكن تكذيبها هى أن سعاد حسنى قد ماتت وأخذت معها كل أطياف المتعة والبهجة التى لازمتها على شاشة السينما طوال اثنين وثمانين فيلما وعشرات الشخصيات الدرامية التى قدمتها منذ ظهورها السينمائى الأول فى فيلم " حسن ونعيمة " للمخرج هنرى بركات فى مارس 1959.

  وقبل أيام افتتح بالعاصمة السعودية ضمن فعاليات موسم الرياض معرض للفن التشكيلى عنوانه " وحدها تحت الضوء " شارك به ثلاثة فنانين تشكيليين أحدهم من مصر، والاثنان الآخران من المملكة العربية السعودية، خصصت كل مساهماتهم للاحتفاء بمناسبة مرور ربع قرن على رحيل السندريللا .. العنوان نفسه حتى قبل مقتنياته يدعو للتأمل، حيث يؤكد القائمون عليه أن السيندريللا هى التى تبقى دائما وحدها تحت الضوء من بين كل نجوم ونجمات الفن العربى، أو أنها إشارة بليغة إلى أن جل ما هو بين جدران هذا المعرض يخصها وحدها لا يشاركها فيه أحد اعترافا بمكانتها، واحتفاء بالحدث الكبير الذى قطع من عمر الزمن خمسة وعشرين عاما دون أن ينال من مكانة سعاد حسنى فى ذاكرة ووجدان عشاقها.

 وفى إطار تغطيته لفعاليات هذا المعرض المهم بالرياض كنت ضيفا على برنامج " ضفاف " الذى يقدمه التليفزيون العربى فى قطر  للحديث عن قيمة سعاد حسنى الفنية، وكيف تحولت من مجرد نجمة سينما إلى ظاهرة ثقافية عربية على خلفية الكتابين اللذين قمت بإصدارهما عنها " سعاد حسنى .. الحلم الضائع " الصادر عام 2001، و " العندليب والسندريللا .. الحقيقة الغائبة " الصادر قبل تسع سنوات، وبعد انتهاء التصوير فاجأتنى مذيعة البرنامج بسؤال أثار شجونى: لماذا نحتفى نحن العرب برموزكم الفنية أكثر منكم ونقدر عطاءهم بالصورة التى تليق بهم بينما أنتم لا تقدرونهم حق مقدارهم، والدليل هذه المناسبة الاستثنائية التى تخص سعاد حسنى والتى يتم الانتباه لها فى الرياض من جانب فنانين سعوديين، ونسلط عليها الضوء هنا فى قطر؟

 ورغم أننى أجبتها سريعا بأن سعاد حسنى ليست ملكا لنا وحدنا فى مصر، وإنما هى ملك لكل شعوب المنطقة من المحيط إلى الخليج، وأن أيا ممن أسعدتهم السيندريللا بأعمالها الفنية مطالب بالاحتفاء بها ومنحها ما تستحقه من اهتمام، وأننا لسنا بغافلين عن تلك المناسبة الاستثنائية، غير أن كل ما فى الأمر أنكم سبقتمونا فى الرياض والدوحة بأيام، وأن وسائل الإعلام فى مصر سوف تنتفض حتما عن بكرة أبيها فى اليام القادمة كى تلتف حول ذكرى سعاد وتعطيها من الاهتمام والتقدير ما تستحقه.

 ودعونى أصارحكم القول، فرغم أننى قلت ما قلت، لكننى غير متأكد من حكاية " عن بكرة أبيها " هذه، بل أزعم أن الأمر لن يزيد عن مجرد ذكر فى برنامج فضائى أو أرضى، أو عن موضوع عبر هذا الموقع الالكترونى أو ذاك، والشواهد على ذلك كثيرة، ولن أذهب بعيدا: فى الرابع من مايو الماضى كانت ذكرى رحيل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، فهل انتبه أحد؟ وفى الرابع والعشرين من الشهر نفسه حلت ذكرى رحيل إسماعيل ياسين مضحك الأجيال، فهل التفت أحد؟ وفى الخامس من يونيو كانت ذكرى هدى سلطان، وبعدها بيوم ذكرى محمود المليجى، ثم ذكرى نجيب الريحانى بعدها بيومين، فهل تحرك أحد؟!! فلماذا يتحركون من أجل السيندريللا؟

 هل هى أفة حارتنا النسيان كما قال نجيب محفوظ فى روايته " أولاد حارتنا " أم هو النكران أم هى تلاهى الحياة واختلاف سلم الاهتمامات والأولويات أم أننا اكتفينا بأن ينوب عنا أخواننا العرب فى تقدير رموزنا؟ والأمر هنا لا يتعلق بالجمهور أو العشاق، فهم دائما على عهد المحبة ودفء الذاكرة التى لا يبرحونها، وإنما المشكلة فى تلك الجهات التى من المفترض أن يناط بها الاحتفاء بهؤلاء القمم والرموز، إن جيرانا لنا بالمنطقة لا يتورعون عن سرقة تاريخنا، ويتبجحون على رموزنا بصورة مستفزة، وبعض أخواننا العرب يضخمون من تنجيم أى موهبة يمكن أن تظهر لديهم حتى لو كانت تلك الموهبة محدودة أو لا تستحق هذا التهليل من أجل أن يصنعوا لهم تاريخا وذكرى، أما نحن من لدينا الجذور والتاريخ، القمم والقامات والتراكم الإبداعى الأصيل فنعطيه ظهورنا، وأحيانا نهيل عليه تراب التجاهل والنسيان دون سبب او مبرر، وأخشى ما أخشاه أن يأتى يوم قريب نصبح فيه بلا تاريخ أو رموز، فنكون أمام الأجيال القادمة خائنى أمانة حمل هذا التاريخ، وفاقدى القدرة على الحفاظ على سيرة رموزنا ومكانتهم، الأمر إذن أكبر من مجرد ذكرى مرور ربع قرن على رحيل سعاد حسنى، فهل يخيب ظنى هذه المرة خلال الايام القادمة؟ صدقونى أتمنى أن يخيب.  

    كلمات البحث
  • ذكرى
  • السندريلا
  • ملكة
  • عرش
  • التمثيل

أخبار الساعة

الاكثر قراءة