رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بين الخسائر المليارية والعزلة الجماعية.. أعطال «التواصل الاجتماعى».. بروفة «الانهيار الكامل»


19-6-2026 | 13:22

.

طباعة
تقرير : وائل الطوخى

مع تكرار حوادث أعطال «ميتا» وتوقف عمل منصاتها: فيسبوك إنستجرام واتساب وثريدز، برز تفسير شعبى عالمى يرى أن هذه الأعطال مجرد بروفة لانقطاع إنترنت عالمى شامل؛ ليُجرى من خلال ذلك التمرين المقصود تجربة على السيطرة أو اختبارا لقدرة الأنظمة على إغلاق الشبكة كاملة فى سيناريو أزمة إدارة العالم رقميًا، بينما يفسر الخبراء الظاهرة بتركز البنية التحتية وتعقيدها الهائل الذى يجعل فشلاً واحدًا ينتشر كـ«الدومينو»، باعتبار أن هذه الأعطال ليست نهاية العالم الرقمى، لكنها تحذير صارخ من شبكة الإنترنت التى صُممت لتكون مرنة فأصبحت أكثر هشاشة بسبب التركز؛ حتى أصبحت خدمات حياتنا الرقمية بين مطرقة الاكتفاء بالصدمة وسندان الاستثمار فى مرونة حقيقية قبل أن تتحول البروفة إلى واقع.

 
 

ففى لحظة واحدة يتوقف العالم الافتراضى عن التنفس، آلاف بل ملايين التقارير تتدفق على Downdetector والشاشات تتحول إلى رموز خطأ بيضاء، نهاية الأسبوع الماضى 12 يونيو 2026 عندما تعرضت منصات ميتا، فيسبوك، إنستجرام، واتساب لانقطاع عالمى واسع كشف هشاشة بنية الإنترنت الحديثة بكل وضوح فى مشهد أعاد إلى الأذهان نفس ما جرى أكتوبر 2021، عندما استمر انقطاع ميتا لنحو 6-7 ساعات.

ولم يكن الأمر بين حادث أكتوبر 2021، عندما أدى أمر صيانة روتينى خاطئ إلى فصل مراكز البيانات عن بعضها، ومنع المهندسين من الوصول السريع للتصحيح؛ لتكشف أن هذه الأخطاء البشرية أو البرمجية شائعة فى أنظمة معقدة للغاية.

وحادث يونيو 2026، عندما تعثر المستخدمون فى تسجيل الدخول، تحديث الخلاصات، والوصول إلى الخدمات، مجرد إزعاج مؤقت، بل صدمة جماعية أعادت لملايين المستخدمين شعورًا بالعزلة والقلق، وكشفت مدى الاعتماد النفسى والاقتصادى على هذه المنصات، اقتصاديًا تقدر خسائر ساعات قليلة من الـowntime بملايين الدولارات فى الإعلانات والتجارة الإلكترونية، اجتماعيا يفقد الناس الاتصال بعائلاتهم، يتعطل عمل المؤثرين وتتوقف حركة المعلومات فى أزمات حقيقية تقنيا.

وحسب موقع Downdetector المتخصص فى رصد أعطال الإنترنت حول العالم، تعود معظم هذه الأعطال إلى أخطاء فى بروتوكول BGP (Border Gateway Protocol) الذى يدير توجيه حركة البيانات بين الشبكات وأنظمة أسماء النطاقات العريضة DNS، عندما يفقد المستخدمون القدرة على «العثور» على الخوادم، بالإضافة إلى اعتماد مفرط على بنى تحتية داخلية مترابطة، ما يؤدى إلى تأثيرات متسلسلة (Cascading Failures) مع تغييرات تكوين مراكز بيانات على أيدى حفنة من اللاعبين الكبار، مثل: أمازون وكلاود AWS وCloudflare.

وحسب تقرير «Internet Resilience Report 2025» من Catchpoint، تظهر أن 51 فى المائة من المنظمات تتكبد خسائر اقتصادية تفوق مليون دولار شهريًا بسبب الاضطرابات فى «Internet Stack» الطبقات الأساسية للإنترنت مثل DNS BGP و(CDNs)، أما تقرير جارتنر Gartner المتخصصة فى أبحاث سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فيشير إلى أن 35 فى المائة من الشركات ستستخدم الذكاء الاصطناعى AI لتحسين عمليات الشبكات والمرونة بحلول 2028 AIOps (AI for IT Operations) لتتحول الشبكات من رد الفعل إلى التنبؤ، ما يقلل الوقت المطلوب لإصلاح الأعطال Mean Time to Repair) MTTR) بشكل كبير.

وكشف الدكتور أحمد خطاب، رئيس المعهد القومى للاتصالات، أن فهم المرونة فى سياق الإنترنت يتجاوز بكثير مجرد ضمان وقت التشغيل أو الـUptime إنها تعنى القدرة الحقيقية على الاستمرار فى تقديم خدمات مقبولة وجودية حتى فى مواجهة التحديات المتعددة، سواء أخطاء بشرية أو هجمات سيبرانية أو كوارث طبيعية أو قطع كابلات بحرية.

وأوضح «خطاب» فى تصريحات خاصة لـ«المصوّر» أن التركيز التقليدى على زيادة السرعة مثل رفع عرض النطاق الترددى إلى 400G يحسن الأداء فى الظروف المثالية، لكنه يغفل نقاط الضعف الهيكلية الناتجة عن التركز الشديد حول عدد محدود من مقدمى الخدمات السحابية والكابلات البحرية، ما يجعل فشلًا واحدًا قادرًا على شلّ قطاعات اقتصادية بأكملها.

رئيس المعهد القومى للاتصالات، أكد أن الاستثمار الفعال فى المرونة يبدأ بالتنويع وتقليل نقاط الفشل المفردة يجب على الجهات المعنية تبنى استراتيجيات Multi-Homing وPeering لربط الشبكات بمزودين متعددين والمشاركة فى نقاط تبادل الإنترنت IXPs، ملقيا الضوء على أهمية استخدام Multi-CDN وMulti-Cloud مع آليات failover تلقائية بين منصات مثل AWS وAzure وGoogle Cloud، ولا غنى عن بناء مسارات جغرافية متنوعة تشمل كابلات بحرية احتياطية وتقنيات الأقمار الصناعية منخفضة المدار مثل Starlink لتخفيف الخسائر الناتجة عن أى قطع.

وتابع أنه على المستويين السياسى والاقتصادى يتعين على الحكومات تشجيع المنافسة ودعم نقاط التبادل المحلية وفرض معايير MANRS إلى جانب التركيز على التنويع الجغرافى والـGeo-Redundancy كما فى التجارب الأوروبية والكندية، أما فى الشركات فعليها حساب تكلفة الـDowntime التى غالبًا ما تصل إلى ملايين الدولارات مقابل استثمار متواضع يمثل نحو 3 فى المائة فقط من ميزانية البنية التحتية مع دعم الابتكار المحلى فى خدمات السحابة والـCDN الإقليمية لتقليل الاعتماد على Big Tech.

كما طالب رئيس المعهد القومى للاتصالات، بتعزيز البروتوكولات الأساسية من خلال تحسين BGP عبر RPKI لمنع الاختراق والتكوين الخاطئ واستخدام DNS متعدد المزودين وتقنية Anycast لضمان استمرارية الوصول، وفى هذا السياق تكمن الفرصة الاقتصادية الأكبر فى دور الذكاء الاصطناعى ببناء شبكات ذاتية الشفاء قادرة على التنبؤ بالأعطال عبر التحليل الزمنى الفعلى وإعادة توجيه حركة البيانات تلقائيًا وكشف الشذوذ والتهديدات السيبرانية بكفاءة تفوق الطرق التقليدية، مشددًا على أن هذه الاستراتيجيات المتكاملة هى السبيل لتحويل هشاشة الإنترنت الحالية إلى قوة مرونة مستدامة.

من جانبه، قال ناجى أنيس، خبير تكنولوجيا المعلومات: الأمر ليس انقطاعًا كونيًا بالمعنى الحرفى كما يتصور البعض، معظم هذه الأعطال تبقى داخلية لشركة واحدة سواء كانت ميتا أو كلاودفلير أو أمازون ويب سيرفيسز وليست هجومًا منسقًا أو كارثة شاملة، لكنها فى الواقع بروفة غير مقصودة لسيناريوهات أشد خطورة، لأنها تكشف بوضوح عن التركز الخطر فى البنية التحتية للإنترنت.

وأضاف «أنيس»: اليوم تعتمد غالبية الخدمات الرقمية على حفنة محدودة من مقدمى الخدمات السحابية الكبرى AWS وGoogle Cloud وAzure، كما أن كابلات بحرية قليلة تحمل نحو 99 فى المائة من حركة البيانات العالمية ما يجعلها عرضة للقطع العرضى، سواء بسبب صيد الأسماك أو الزلازل أو المتعمد فى ظل التوترات الجيوسياسية، ولا ننسى نقاط التبادل الرئيسية IXPs وأنظمة DNS وBGP التى تمثل نقاط ضعف استراتيجية يمكن أن تؤدى إلى تأثيرات متسلسلة مدمرة.

وضرب «ناجي» مثالاً بحادث يونيو 2025، حيث أدى خلل فى Google Cloud وCloudflare إلى انقطاع واسع شمل خدمات Google وDiscord وTwitch وغيرها هذا الحادث لم يكن مجرد تعطيل فنى عابر بل أظهر بوضوح كيف يمكن لفشل واحد أن يشلّ قطاعات حيوية متعددة من الترفيه والتجارة الإلكترونية إلى الخدمات المالية والرعاية الصحية.

وحول السيناريوهات الأكثر واقعية لانقطاع أوسع نطاقًا، أوضح أن هذه السيناريوهات تشمل هجومًا سيبرانيًا متطورًا مثل DDoS واسع النطاق أو استغلال ثغرات فى بروتوكول BGP أو كارثة طبيعية كعاصفة شمسية قوية تؤثر على الكابلات والأقمار الصناعية أو حتى خطأ بشرى أو برمجى فى أحد المزودين الرئيسيين، كما لا يمكن استبعاد الإجراءات الحكومية المتمثلة فى إغلاقات إنترنت وطنية، وهى ظاهرة تكررت فى عدة دول أثناء الاحتجاجات.

كذلك، نوه خبير تكنولوجيا المعلومات بأن الإنترنت تم تصميمه أصلًا ليكون مرنًا وقادرًا على الصمود أمام حرب نووية، لكن التركز الاقتصادى الشديد جعله أكثر هشاشة مما كان عليه الاعتماد المفرط على Big Tech يعنى أن فشلًا فنيًا أو هجومًا على شركة واحدة قد يكفى لشلّ الاقتصاد الرقمى بأكمله هذا تحذير يجب أن يدفعنا جميعًا حكومات وشركات وأفرادًا إلى إعادة التفكير فى استراتيجيات النسخ الاحتياطى واللامركزية، قبل أن تتحول البروفة إلى واقع مؤلم.

من جانبها تقدر منظمة NetBlocks الخسائر الاقتصادية العالمية بنحو 160 مليون دولار لكل ساعة انقطاع فى منصات ميتا الرئيسية. فى حادث 2021 الشهير الذى استمر نحو ست إلى سبع ساعات، بلغت الخسائر الإجمالية أكثر من مليار دولار، مع خسارة ميتا وحدها نحو 60-100 مليون دولار من إيرادات الإعلانات. أما زوكربيرج، فقد خسر شخصيًا أكثر من 7 مليارات دولارات بسبب انخفاض أسهم الشركة.

وأكد الدكتور شريف هاشم، أستاذ علوم وتكنولوجيا المعلومات بجامعة جورج ميسون الأمريكية، أنه مع تكرار أعطال منصات عملاقة مثل ميتا وفيسبوك وإنستجرام وواتساب وغيرها، لم تعد هذه الحوادث مجرد إزعاج فنى عابر، بل أصبحت ظاهرة تكشف عن اعتماد عميق وهشاشة بنيوية فى الاقتصاد الرقمى والنسيج الاجتماعى؛ فكل ساعة انقطاعًا تكلف الاقتصاد العالمى عشرات الملايين من الدولارات، بينما تترك فى نفوس المستخدمين آثارا نفسية واجتماعية تتجاوز اللحظة الزمنية للعطل. ولفت «هاشم»، إلى أن تضرر الشركات الصغيرة والمتوسطة والمؤثرين يأتى أكثر من غيرهم، كثير منهم يعتمدون على هذه المنصات للتسويق والمبيعات المباشرة، وخلال الأعطال تتوقف الحملات الإعلانية وتنخفض المبيعات بنسب تصل إلى 25 فى المائة أو أكثر فى ساعات قليلة ما يهدد السيولة النقدية لأعمال تعتمد على الإيرادات اليومية فى بعض الدول يصل التأثير إلى ملايين الدولارات يوميا للتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، كما يؤدى الانقطاع إلى اضطراب فى تتبع الإعلانات وتقييم الحملات ما يزيد التكاليف غير المباشرة.

كما أوضح أنه «على المستوى الأوسع ينعكس ذلك فى أسواق المال بانخفاض أسهم شركات التكنولوجيا، ويؤثر على سلاسل التوريد الرقمية والخدمات المالية، وحتى القطاعات التقليدية التى أصبحت تعتمد على التواصل عبر هذه المنصات

وذكر «هاشم» أن تكرار الأعطال يكشف مدى الاعتماد على هذه المنصات فى الحياة اليومية يفقد الملايين القدرة على التواصل مع العائلة والأصدقاء خاصة فى الأزمات أو المناطق النائية ما يعمق الشعور بالعزلة، كما تتعطل حركة المعلومات والتنسيق الاجتماعى، سواء فى الحملات الشعبية أو الدعم المجتمعى.

أما على الجانب النفسى، فحسب «هاشم» يثير الانقطاع مشاعر القلق والـFoMO الخوف من فوات الأحداث لدى الكثيرين مصحوبا بأعراض مثل التوتر والإحباط وحتى نوبات الهلع. دراسات حديثة أظهرت ارتفاعا فى أعراض النوموفوبيا الخوف من عدم الاتصال بالإنترنت خلال الأعطال، فى المقابل يشعر البعض بـJoMO فرحة الغياب فيكتشفون راحة مؤقتة ويعيدون تقييم علاقتهم بالمنصات ما يدفع بعضهم نحو ديتوكس رقمى.

وقال «هاشم»: مع التكرار يزداد الوعى بالاعتماد المفرط، لكنه يولد أيضا إحساسا بالهشاشة الجماعية يبرز التفاوت الاجتماعى؛ فهناك فئات تعتمد كليا على هذه المنصات للدخل أو التواصل تتأثر أكثر من غيرها، تكرار الأعطال ليس مجرد حدث تقنى بل يعد مؤشرا لمخاطر التركز الرقمى اقتصاديا يترجم إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة تهدد الاستقرار اجتماعيا يعيد تشكيل علاقتنا بالتكنولوجيا بين القلق والوعى فى عصر الاعتماد الرقمى الكامل أصبحت المرونة ليست خيارا بل ضرورة للحفاظ على التوازن بين التقدم والاستقرار النفسى والاقتصادي.

ومع سيطرة المنصات العالمية على حركة المعلومات والتواصل والاقتصاد الرقمى، يبرز السؤال الاستراتيجى بقوة فى مصر: هل من الممكن إنتاج مواقع تواصل اجتماعى محلية تحقق اكتفاء ذاتيا وتقلل الاعتماد على التحكم المركزى الأجنبى؟.. الإجابة ليست بسيطة فهى تمزج بين إمكانات حقيقية مدعومة بقوة ديموغرافية وشبابية هائلة وتحديات هيكلية عميقة تتعلق بالتمويل والثقة والمنافسة.

وفى ذلك الصدد كشف خالد العسكرى، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن مصر تتمتع بأكثر من سبعة وأربعين مليون مستخدم نشط على وسائل التواصل مع سيطرة شبه مطلقة لمنصات ميتا (فيسبوك وإنستجرام وواتساب وتيك توك)، وهذا الواقع يعكس اعتمادا كبيرا يثير مخاوف سيادة البيانات والخصوصية والتأثير الخارجى على الرأى العام والاقتصاد، فى المقابل شهدت السنوات الأخيرة محاولات محلية واعدة مثل مصر سوشيال وآى توب الذى تجاوز المليون مستخدم وتاج مصر وبو التى تركز على المحتوى المحلى والتفاعل الصوتى والحساسية الثقافية.

وأوضح «العسكرى» أن الشباب المصرى الذى يشكل أكثر من 60 فى المائة تحت سن الثلاثين يشكل قاعدة مستخدمين هائلة قادرة على دفع نمو منصة محلية إذا توفرت الميزات التنافسية، فالسيادة الرقمية أصبحت أولوية وطنية مدعومة بقانون حماية البيانات الشخصية واستراتيجية الذكاء الاصطناعى ومبادرات توطين البنية التحتية مشاريع مثل مراكز البيانات المحلية ونماذج اللغة الكبيرة المصرية مثل كرنك يمكن أن تشكل أساسا تقنيا لمنصات وطنية.

كما لفت إلى التجارب الدولية حيث توفر دروسا قيمة؛ فمثلا الصين نجحت مع وى شات كسوبر أب متكامل، وروسيا حافظت على فى كى أونتاكت من خلال دعم حكومى وتكيف ثقافى، موضحًا أنه فى مصر يمكن لمنصة وطنية أن تدمج خدمات حكومية ودفعا إلكترونيا وتجارة محلية، ما يعزز الاقتصاد الرقمى ويحمى البيانات داخل الحدود.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة