ما الرؤية الرئيسية للدولة والأهداف التى دعت إلى البدء فى مشروع العاصمة الجديدة؟
الهدف الرئيسى هو التوسع وخلق مجتمع عمرانى جديد موازٍ للمنطقة المركزية للقاهرة، كوسط البلد، لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من التطوير أو التجديدات بسبب الكثافة والحركة المرورية والزحام الشديد، إضافة إلى ذلك، فإن الطفرة التكنولوجية الهائلة فى العالم أصبحت تستلزم وجود بيئة حاضنة ذكية تواكب العصر، كيف يمكنك بناء مدينة رقمية متكاملة داخل شوارع ضيقة عمرها مائة عام؟ هذا صعب جدًا تم استيعاب الزيادة السكانية المضطردة فى القاهرة الكبرى، لهذا أصبحت العاصمة الجديدة نموذجًا يُحتذى به فى العالم كله.
حدثنا عن أهم الأحياء التى يمكن أن نقول إنها ساهمت فى تخفيف العبء عن مركزية القاهرة؟
نحن نعتبر أن «النبضة الأولى» فى قلب العاصمة الجديدة كانت من خلال «الحى الحكومي» حيث جاءت فكرة نقل الوزارات فريدة وفعالة، لقد كان وجود الوزارات فى الأحياء المختلفة بالقاهرة يسبب درجة عالية من التكدس، سواء من خلال الموظفين الذين يتجاوز عددهم 50 إلى 60 ألف موظف، أو من خلال المواطنين الذين يترددون يوميًا على مقرات الوزارات من القاهرة أو خارجها.
الفكرة كانت أن ننقل كل الوزارات إلى العاصمة الجديدة، ونبنى حيًا فريدًا فى إطاره العمرانى وتراثه المعمارى، وفى تكنولوجيته التى تلبى طموحات العصر من حيث «الحكومة اللاورقية» (Paperless Government)، والأرشفة الإلكترونية، ومراكز المعلومات الحكومية التى تتمتع بدرجة حماية عالية جدًا، تم إنشاء الحى الحكومى، وانتقل إليه ما يقارب 45 ألف موظف، بدأ العمل فى هذا الحى منذ حوالى ثلاث سنوات، والآن تستقبل العاصمة يوميًا حوالى 40 ألف موظف باحتياجاتهم وخدماتهم، ومع انتقال عدد كبير منهم إلى الوحدات السكنية التى خصصتها الدولة لهم، أصبح هذا الوجود هو النبضة الحقيقية التى أحيت العاصمة.
وما أبرز التحديات التى واجهتكم فى تنفيذ بقية مراحل العاصمة؟
التحديات مرتبطة بالظروف الاقتصادية المحيطة، لكننا ننظر إليها على أنها مرحلية، فى البداية، واجهنا تحدى «الإيمان بالمشروع» وإقناع المستثمر بأن يأتى للاستثمار فى وسط الصحراء دون دعم مادى حكومى، هذه المرحلة تجاوزناها بفضل الله، وبعد أن تحول المشروع إلى مدينة واقعية جميلة وذكية وخضراء ومستدامة، تغير التحدى.. الاستثمارات توفقت، والمطورون أصبحوا موجودين، ولم تعد لدينا أى مشكلة مالية على الإطلاق والتحدى الحقيقى الآن هو «إدارة المدينة» بالشكل الأمثل وتوفير جودة الحياة التى وعدنا بها المواطنين.
إدارة المدينة ليست مسؤولية شركة العاصمة فقط، بل هى منظومة متكاملة؛ شركة للمواصلات، ووزارة النقل، وشركتان للتعليم (عام وذوى احتياجات خاصة)، وشركة مياه العاصمة، وشركة الكهرباء، عملية الإدارة الذكية، مع توفير جودة حياة، هى التحدى، ونحن إن شاء الله قادرون على تنفيذه.
حدثنا عن ثوابت التخطيط التى جعلت العاصمة مختلفة عن المدن الجديدة السابقة، كالسادس من أكتوبر ومدينة نصر؟
على مدار السنوات والعقود، أنشأت الدولة المصرية العديد من المدن الجديدة، مثل العاشر من رمضان، و6 أكتوبر، و15 مايو، والسادات، وكلها تقدم حياة كريمة، لكن عند اتخاذ قرار إنشاء عاصمة جديدة، كان لزامًا أن تكون مختلفة، وجوه الاختلاف كلها تخدم المواطن وتوفر جودة حياة أفضل، ركزنا على ثلاثة عناصر رئيسية:
أولًا.. الاستدامة الخضراء: المساحات الخضراء هى الأفضل لجودة الحياة والنظام البيئى والرؤية البصرية، وتقلل التلوث البصرى واستطعنا توفير حوالى 15 مترًا مربعًا من المسطحات الخضراء لكل فرد، بينما فى بعض المدن الأخرى لا يتجاوز نصيب الفرد مترًا واحدًا أو أقل، وأهم هذه المساحات «النهر الأخضر» و«حديقة الشعب»، فتحويل الصحراء إلى خضرة لم يكن سهلًا، لكنه كان هدفًا طموحًا وحققناه.
ثانيا.. الاستدامة فى الطاقة والتعليم والصحة: الاستدامة تعنى ديمومة الشيء وعدم نفاده والحفاظ عليه، وهى لغة العصر، وتوفر جودة حياة وترشيدًا فى استهلاك الطاقة والمياه، وتخفض النفقات.
ثالثًا.. المدينة الذكية (Smart City): نحن نعتبر أنفسنا مدينة من مدن الجيل الرابع، لدينا مركزان رئيسيان للتحكم والسيطرة: الأول «مركز التحكم بالمدينة» (City Control Center)، الذى يتحكم فى مرافق المدينة بشكل ذكى (إنارة، وكاميرات، ومستشعرات، وخدمة إنترنت فائق السرعة تغطى المدينة مع «واى فاي» عام فى بعض الأماكن)، والثانى «مركز القيادة والسيطرة الأمنية»، الذى سيتم تسليمه لوزارة الداخلية.
ذكرتم مركز التحكم وشراكتكم مع شركة «راية» للمبانى الذكية.. حدثنا عن هذا التعاون؟
لدينا أصول مملوكة لشركة العاصمة، من بينها «المحور المركزي» أو «الإسباين» فى الحى الحكومى، نجاح أى مشروع يكمن فى استغلال الأصول بشكل يعود بعائد مجزٍ ويلبى الاحتياجات، هذا المبنى يتمتع ببنية ذكية رقمية تلبى احتياجات الشركات العالمية، أبرمنا عقدًا مع شركة «راية» للمبانى الذكية، إحدى شركات راية القابضة المعروفة، حيث قامت الشركة بتأجير المبنى، وتتحصل شركة العاصمة على القيمة الإيجارية كاملة مقابل نسبة إدارة، هذا يندرج فى إطار استغلال الأصول وإدارتها بالشكل الأمثل، وقبل ذلك، كان لدينا عقد مماثل مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة لإنشاء كلية التعليم المستمر، ولدينا خطة لتعظيم العائد من جميع أصولنا.
ما الذى استفادته مصر من العاصمة الجديدة؟
سؤال مهم علينا الإجابة عنه بصراحة، دعينى أوضح السياق التاريخى، فمصر دولة يزيد تعداد سكانها على 110 ملايين نسمة، ما يعنى وجود شريحة كبيرة مقبلة على الزواج واحتياج متزايد إلى الوحدات السكنية، الدولة أنشأت عبر العقود مدنًا جديدة، مثل التجمع الخامس، الذى كان الناس يصفونه بـ«الصحراء»، وهو اليوم يبلغ من العمر 30 عامًا، العاصمة الجديدة تأتى فى هذا السياق الطبيعي؛ لاستيعاب الزيادة السكانية وتخفيف العبء عن القاهرة الكبرى، التى يقطنها حوالى 20 مليون نسمة.
كان لا بد من إنشاء مدينة وليدة بجوار القاهرة تستوعب الزيادات وتخفف الضغط على البنية التحتية، لم ننشئ العاصمة فقط لاستيعاب السكان، بل أيضًا لنقل مشاكل الحكومة وروادها ومريديها، ونقل السفارات الأجنبية، وإنشاء عاصمة من الجيل الرابع بالذكاء الاصطناعى والاستدامة لأول مرة، هذا النموذج لم يُنشأ من قبل فى مصر.
ماذا عن فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التى وفرتها العاصمة؟
المرحلة الأولى من العاصمة تمتد على مساحة 40 ألف فدان، وصناعة التطوير العقارى تدخل فيها أكثر من 50 إلى 60 صناعة تكاملية (سيراميك، ورخام، ومحاجر، وبلاط، وكابلات كهرباء... إلخ)، وعلى مدار عشر سنوات، حيث نحتفل هذا العام بمرور عشر سنوات على إنشاء الشركة، وتسع سنوات على بدء التنفيذ، أستطيع أن أزعم أن أكثر من مليون مواطن مصرى شاركوا فى بناء ما ترونه الآن.
مئات الشركات المصرية شاركت، وقد وفرنا مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة: مهندسون، وعمال، وسباكون، ونجارون مسلحون، وحتى عامل البوفيه وجد فرصة، هذه فرصة حقيقية لخفض معدلات البطالة.
كيف تستقطب شركة العاصمة المستثمرين؟ وما الحوافز المقدمة لقطاع البناء؟
أولًا، نقدم «شباكًا واحدًا» للمستثمر، يأتى، ويختار قطعة الأرض، ويدرسها، ويوقع التعاقد، ونبعث له جواب التخصيص، ويسدد، ويبدأ مشروعه، دون بيروقراطية.
ثانيًا، نقدم حوافز «البناء الأخضر» من خلال شهادة «الليد» (LEED) العالمية، المستثمر الذى يحقق شروط المبنى الأخضر الصديق للبيئة، مثل استخدام الطاقة الشمسية، وتوفير استهلاك الطاقة بنسبة 20 فى المائة، وزيادة المساحات الخضراء، نحفزه بزيادة النسبة البنائية، أو خصومات، أو مدد تقسيط دون فوائد، هذا يجذب الاستثمار المهتم بالبيئة والاستدامة.
ما رؤية شركة العاصمة لعام 2030؟
خلال عشر سنوات، وبفضل الله ثم الإرادة السياسية الواضحة التى كانت الدافع الأساسى لانطلاق المشروع، نجحنا فى إنجاز المرحلة الأولى بالكامل على مساحة 40 ألف فدان، وخلال الفترة المقبلة، نستعد لبدء المرحلة الثانية على مساحة مماثلة تقريبًا، مع الحفاظ على الرؤية نفسها والجوهر ذاته، مع بعض الاختلافات التطويرية.
واليوم تضم العاصمة الجديدة ما بين 30 و40 ألف أسرة، إلى جانب نحو 40 ألف موظف يعملون بشكل يومى، انتقل ما يقرب من نصفهم للإقامة فى مناطق السكن المخصصة، مثل «حى السكن الثاني» و«حدائق العاصمة»، وخلال السنوات العشر المقبلة، نستهدف الوصول إلى أول مليون مواطن يعيشون ويعملون داخل العاصمة الجديدة، وهذه طاقة استيعابية قابلة للزيادة.