لا شك أن مصر أدركت مبكراً أن تغيير قواعد اللعبة العالمية فى منهجية الصناعة والتجارة الدولية يجب أن ينظر إليها بشكل أعمق جوهرياً وسط كل هذا الضجيج العالمى، الأمر ليس تحولاً عابرًا وإنما جوهرى وجذرى وعميق يضع سيناريو تاريخيًا جديدًا للقوة النسبية لمصر فى نادى التجارة العالمية من خلال توطين الصناعة وتلبية نداء الموقع الجغرافى لمنطقة محور قناة السويس.
وهناك سؤال يفرض نفسه على المشهد ليجد ضالته فى هذا التموضع الجديد لمصر فى نادى كبار التجارة العالمية ليلحق بتساؤل آخر كيف تحولت مصر من دولة يهرب منها الاستثمارات إلى دولة جاذبة أو مركز إقليمى للتصنيع الجديد الذى يربط الشرق بالغرب وإفريقيا بأوروبا بالمدن الصناعية لمحور قناة السويس والمنطقة الاقتصادية؟
ولعل المصفوفة الأبرز هى هل يمكن أن تكون مصر الصين الإفريقية الجديدة، وتسارع أوروبا وكل الهاربين من الخناق العالمى للاستثمارات والسعى إلى نقل مصانعها إليها هربًا من تبعات الحروب الحمائية وتبعات النزيف الأوروبى بالحرب الروسية الأطلسية وتعود منتجات مصر لتغزو العالم بشعار صنع فى مصر.
وهل تأتى المصانع إلى مصر من جديد لتحط بالمنطقة الصناعية لمحور قناة السويس. لقد شاهد العالم كيف استطاعت مصر استقبال الصناعات الهاربة من الضغوط العالمية إلى مصر والمنطقة الاقتصادية الأكثر أماناً فى مصر. فالصين لن تكون وحدها مصنع كوكب الأرض؛ بل وقفت المنطقة الصناعية لمحور قناة السويس باحترافية تنادى كل الصناعات بأنواعها التى تضررت من تبعات السياسات الاقتصادية فى أوروبا وارتفاع مصاريف الشحن بعد أزمة البحر الأحمر حتى الصين نفسها لها مكان فى منطقة محور قناة السويس.
وبحث الجميع عن بديل قريب فى ظل الرسوم الانتقامية لرجل التعريفات الجمركية، فبرزت مصر كلاعب جديد فى معادلة البقاء والنماء للإنتاج العالمى، وهنا نقول إن الرؤية المصرية التى نظرت إلى الحياد الاقتصادى بعين فاحصة وردت له الاعتبار بالحياد بمشتملاته من الحياد التنافسى المالى وكيفية التعامل مع الأدوات التنظيمية، جعلت القطاع الخاص يقبل لمحور قناة السويس بغزارة وأدركت دول الاتحاد الأوروبى أن مصر تتحول من دولة استهلاكية إلى دولة صناعية منتجة.
وأثبتت زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى أوروبا، أن مصر تتقدم بمنتهى الاحترافية وجرأة شديدة كبلد يصنع ويصدر ولديه صناعات ثقيلة وعودة مصر إلى صناعة السيارات، والقاهرة تستعد لاستقبال 200 مصنع أوروبى خلال هذا العام فى خطة لتوطين صناعات كثيفة العمالة لتصبح مصر مركزًا صناعيًا تعليميًا ممتدًا من المتوسط حتى جنوب إفريقيا فهناك 49 مليار يورو شراكة مع المفوضية الأوروبية فى الطاقة والرقمنة.
هذه الاستراتيجية تجعل مصر مصنعًا ثانيًا للعالم مثل الصين، فهناك أيضًا بفضل المنطقة الاقتصادية، وهناك اتفاقيات تشمل مشروعات نقل وتصنيع المعدات الثقيلة والمواد الكيميائية.
حتى عمالقة المنسوجات انضموا للسباق، فاستثمارات «انترلوب ليمتد» إحدى الشركات الأوربية تقدر بحوالى 35.2 مليون دولار تأتى لإنشاء مصنع بمحور قناة السويس للتصدير إلى أوروبا، ولغة الأرقام لا تكذب طبقًا لحديث المنطقة الاقتصادية عن ارتفاع الإيرادات خلال الـ٥ أشهر من العام المالى 25 - 26 بنسبة 55 فى المائة لتصل إلى 6.25 مليار جنيه مدفوعاً بالجهد الترويجى والتطوير البنيوى.
فضلاً عن قدوم استثمارات تبلغ 4.1 مليون دولار أمريكى بمشروع القنطرة غرب الصناعية لإنتاج 60 مليون قطعة سنويًا لتعريف المنتجات لخدمة صناعة الغزل والنسيج ويوفر 300 فرصة عمل مباشرة، وهذا يوضح أننا فى قلب الرالى الاقتصادى العالمى لجلب الصناعات، أى فى قلب المعركة الاقتصادية العالمية، وبينما يتصارع الكبار على الهيمنة السياسية مصر تتصارع لتلحق بالهيمنة الاقتصادية والصناعية بهدوء لتملأ الفراغ الصناعى فهى ليست طرفاً فى أى حرب؛ لكنها المستفيد الذكى من الصناعات الهاربة من جحيم الكبار وأطماعهم.
فالكل يهرب إلى الأمان والموثوقية، فالرحلة أصبحت أقصر بمحور قناة السويس والمنطقة الاقتصادية لإعادة رسم هندسة جديدة لخرائط الصناعة فى مصر، فنحن لسنا محطة للتصدير فقط، وإنما الورشة والمصنع الجديد والصين الإفريقية الجديدة المؤهلة لتمركز الصناعات العنقودية. والتحويلية والطاقة المتجددة والملابس والسيارات والصناعات الثقيلة.
لذا تغيرت الهوامش وفق استراتيجية واضحة مع جهات لها جدول زمنى وحل مشاكل المستثمرين والتوسع الصناعى وهو التحول الحقيقى للمنطقة الاقتصادية من مجرد نطاق خدمى إلى مجتمع صناعى متكامل، هذا هو الحلم الكبير الذى طالما سعت إليه الدولة المصرية من ممر مائى إلى محور اقتصادى متكامل شامل، ولا شك أن تجليات المد والجزر فى منطقة قناة السويس ومحورها تبعث برسائل اقتصادية نحو تمركزنا بملف التجارة العالمية والصناعات العنقودية الصديقة للبيئة لتبرز فيه المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس وتلعب دوراً كبيراً فى استغلال كل الأدوات الجيواقتصادية لندخل نادى الكبار للتجارة العالمية كمنصة للتصدير لأسواق العالم وتعزيز الخدمات اللوجستية بشكل احترافى، ولم نترك هذا الملف رهينا للظروف الدولية الراهنة وصراع الكبار لتغيير مسار التجارة العالمية قسراً لصالح اللاعبين الأساسيين على المسرح العالمى.
وآلت الدولة المصرية على نفسها أن تكون تجليات التنمية المستدامة يأتى على رأس أولوياتها هذه الرؤية للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس بإنشاء هذه المنطقة كأول منطقة اقتصادية فى مصر بأفضل المعايير الدولية وتشجيع الصناعات العنقودية لإنتاج سلع وخدمات ذات منشأ مصرى كمصدر ومنفذ للتصدير إلى أوروبا وشمال إفريقيا والعالم أجمع.
وقد كانت الرؤية والرسالة الواضحة، هو وجود تجمعات عنقودية لإدارة الوقت وتكاليف التشغيل والقدرة على الابتكار من خلال إنشاء مراكز بحث ودراسة ووجود الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة إنفاد منتجاتها إلى الأسواق العالمية، وهنا نستعرض الرؤية الأفقية والرأسية ومحاور أهم مشروعاتنا القومية لخدمة العالم كله، فمحور قناة السويس يتوافر فيه إمكانيات جذب الاستثمارات لمجالات الأنشطة الأكثر نموا فى العالم وهى النقل واللوجستيات والطاقة السياحة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ومناطق صناعية عددها 4 مناطق صناعية و6 موانئ منحت مزايا قانونية وضريبية خاصة للاستفادة من العدد الهائل من الشحنات الدولية التى تمر من قناة السويس وهى منفصلة إداريا عن قناة السويس.
لقد أثمرت رؤية الدولة المصرية عندما ضخت ما يقدر بثلاثة مليارات دولار خلال الأعوام الماضية فى البنية التحتية فى إطار سعيها لجذب الاستثمارات المباشرة، وأخذت فى الاعتبار مزايا التحوط والتنويع التى تتناسب مع حالة التوترات الجيوسياسية وتأثيرها فى المنطقة.
وهناك بلا شك حالة من التشكيل الاقتصادى لصناعات منطقة محور قناة السويس مثال صناعات تجميع السيارات ومكوناتها التشييد والبناء التصنيع الزراعى الخدمات والمستحضرات الطبية الطاقة المتجددة وصناعة السفن والقاطرات والصناعات العنقودية الثقيلة فى غرب بورسعيد وصناعات جديدة كقطع غيار السفن وماكينات النفط الإلكترونية، بالإضافة إلى مشروعات الأمن الغذائى الخاصة بالمزارع السمكية. والمناطق الاقتصادية الأربع التى تعتبر قاطرة التنمية لمصر كلها، فهى مناطق شاملة على مستوى قناة السويس بأكملها كمنطقة تخص الإسماعيلية ومنطقة شرق القناة (القنطرة غرب) ووادى التكنولوجيا ومنطقة غرب القناة.
وجاء مشروع المنطقة الاقتصادية ليعمل على رفع مستوى الاقتصاد الوطنى وتحقيق التنمية المستدامة والإسهام فى زيادة عوائد قناة السويس ووصول صناعات جديدة إلى مصر وتوطينها وإتاحة آلاف من فرص العمل، بالإضافة إلى الأهداف الإقليمية وهى الحفاظ على الأراضى الزراعية وتشجيع النمو على الأراضى الصحراوية وتحقيق الربط بين سيناء وبقية المحافظات وتدعيم الأداء المؤسسى للتنمية الشاملة، هذا بالإضافة إلى تنمية القدرة الصناعية وتعزيز فاعلية السياحة والطاقة المتجددة وتطوير مراكز البحوث والإرشاد وإحياء بحيرة البردويل والمنزلة وملاحة بور فؤاد.
ولقد خلقت المنطقة الاقتصادية تنمية مستدامة حقيقية اقتصاديًا وخلق مجتمعات عمرانية جديدة، بالإضافة إلى بوابات العالم وهى الموانئ الستة الجديدة المجهزة على معايير الجودة الشاملة عالميًا، ولقد كان هناك حرص على إنشاء مراكز للحوسبة وقرى تكنولوجية، وحرصت الدولة أن يكون لكل ميناء ظهير يتضمن منطقة صناعية لوجستية تجمعات عمرانية وإنشاء أحواض بالموانئ لصيانة وإصلاح السفن ومحطات حاويات جديدة ومحطات تموين السفن بالوقود.
وهناك ثلاثة محاور رئيسية للاستدامة فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الاستدامة البيئية، والاستدامة المجتمعية، والحوكمة. وحرصت الدولة فى رؤيتها على بناء إدارة للاستدامة خاصة بالمنطقة فى أكتوبر 2016 لتكون خارطة طريق لتعظيم الاستفادة من إمكانيات مصر ومميزاتها التنافسية وإعادة دورها التاريخى. وجذبت المنطقة خلال العامين الماضيين رغم كل الرياح المعاكسة عالمياً 160 مشروعا، بالإضافة أن المنطقة عملت على ترسيخ دورها كمركز عالمى واقليمى لتداول الطاقة والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء والميثانول الأخضر ووقعت 14 اتفاقية إطارية تم تفعيلها و30 من مذكرات تفاهم والمتوقع حجم إنتاج سنوى يقدر بـ18 مليون طن سنوياً باستثمارات بحوالى 64 مليار دولار.
فالمنطقة الاقتصادية مقامة على مساحة 455 كيلو مترًا مربعًا وتضم 15 مطورا صناعيا، وتحتوى المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس على مدينة «تيدا» الصينية الصناعية بمنطقة العين السخنة والمنطقة الاقتصادية الروسية بمنطقة بورسعيد، بالإضافة إلى مشروع كيزاد الإماراتى ومشروع هاى تك إفريقيا للملابس الرياضية وهى باكورة الاستثمارات التايلاندية، وهذا المشروع نتاج الجهود الترويجية التى بذلتها المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس، حيث إن هناك 130 مصنعًا تحت الإنشاء بشكل متزامن وهو أمر لم يحدث من قبل، فهناك تأكيد على الشراكة الناجحة بين مصر والدول فى صناعة الملابس الجاهزة والمنسوجات وتوطينها والصناعات الغذائية التى تدعم بدورها سلاسل القيمة المضافة حول العالم.
وجاءت تصريحات البنك الأوربى لإعادة الإعمار والتنمية أخيراً يقول إن مشروع المنطقة الاقتصادية نموذج متميز لتعزيز تسريع رقمنة الخدمات مما يسهم فى تحويل المنطقة الاقتصادية لتصبح مركزاً عالمياً للاستثمار، وذكرت فيتش فى رؤية لكيفية يراك الآخرون أن الدولة المصرية ظلت ملتزمة بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة حول قناة السويس بهدف جذب شركات التصنيع والخدمات اللوجستية متعددة الجنسيات على طول طريق الشحن الدولى الرئيسى وأن المنطقة وفرت 100 ألف فرصة عمل، بالإضافة إلى وجود 400 منشأة عاملة وأوضح التقرير أن المنطقة حققت رغم التوترات الجيوسياسية وتأثيرها وارتفاع منسوب المخاطر 8.2 مليار جنيه عام 23/ 24 منها 72 فى المائة مقومة بالدولار.
وتم تموين سفينة حاويات بالوقود الأخضر بميناء بورسعيد فى نوفمبر 2023 وهى أول عملية من نوعها فى الشرق الأوسط، وتصدير أول شحنة من الأمونيا الخضراء من مصنع الهيدروجين الأخضر فى نوفمبر 2023، وقد بلغت عقود توريد الأمونيا الخضراء للاتحاد الأوروبى من مشروع مصر للهيدروجين الأخضر بقيمة 397 مليون يورو.
ويعد أبرز المطورين الصناعيين بالمنطقة الاقتصادية تيدا- مصر والذى يمثل 148 شركة فى إطار التعاون بين الصين ومصر باستثمارات 2.9 مليار دولار ومن القطاع الخاص المصرى أوراسكوم للمناطق الصناعية ويتضمن 119 شركة باستثمارات 1.8 مليار دولار، بالإضافة إلى الشراكة التركية فى مشروع سارى لصناعة الأغذية باستثمارات تبلغ 8 مليارات دولار بنسبة تصدير 80 فى المائة، وهناك مناطق للبيانات السحابية بمركز (كيميت)، وهو المشروع الأول من نوعه باستثمارات تبلغ 450 مليون دولار على مساحة 80 ألف متر مربع.
هذا بالإضافة إلى مشروعات الزجاج الكهروضوئى باستثمارات تقدر بـ 300 مليون دولار بإنتاج 800 طن يوميا ومصنع انرجى جلاس بطاقة 1000 طن يوميا من الزجاج المسطح، هذا بالإضافة إلى إنشاء مدينة متخصصة فى صناعة الأمصال والدواء تستهدف الملف الإفريقى والأمراض فى إفريقيا، ومدينة للصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف بخبرة بولندية لتميزها فى التعبئة والتغليف. وترسانة بحرية لصناعة السفن التجارية العملاقة ومدينة صناعية لتجميع قطع غيار السيارات. وإحياء مشروع الهيئة العربية للتصنيع المركبات والجرارات ومشروعات معالجة المخلفات الصناعية السائلة بمدينة عتاقة.
فالدولة المصرية استطاعت بمنطقة محور قناة السويس أن تعبر للمستقبل كلاعب أساسى فى تمركزها على خريطة التجارة العالمية خصوصاً بعد مشروعها الأخير مع الإمارات العربية كمشروع استراتيجى يعزز المكانة الاقتصادية على سطح الملاحة البحرية فى العالم، فمشروع «كيزاد» شرق بورسعيد يعد من أبرز المشروعات الصناعية واللوجستية فى المنطقة الاقتصادية، حيث يقام على مساحة 20 كيلو مترا مربعا من ميناء شرق بورسعيد باستثمارات تقدر بـ2 مليار دولار فى مرحلته الأولى، ويساهم المشروع بشكل مباشر فى تنمية مستدامة لسيناء بمجتمع صناعى متكامل، فرغم كل التحديات الأمنية والتوترات الجيوسياسية وتأثيرها وارتفاع ضغط التخبط العالمى؛ إلا أن مصر كان لها رأى آخر ومضت فى طريقها نحو الريادة العالمية لتدخل نادى الكبار للتجارة العالمية كمنصة للتصدير لأسواق العالم وتعزيز الخدمات اللوجستية بشكل احترافى ولم تلتفت إلى كل المهاترات الموجودة على الساحة لإزاحة الريادة وتعرف كيف تدير ملف الأدوات الجيواقتصادية بعيدا عن من يحاولون تغيير مسار التجارة العالمية بشكل إجبارى وجعلت المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس نداء للعالم إنها قناة السويس ومنطقتها الاقتصادية الماضى والحاضر والمستقبل وكيف تلعب الجغرافيا الاقتصادية دورها فى المنطقة وأن موقع مصر الجيوسياسى ليس له مثيل.
ومن هنا نقول إن المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس هى كل الحاضر والمستقبل القريب والبعيد. البداية كانت مستحيلة ولكن بخطوات محسوبة قلبت مصر المعادلة ومنحت الشركات العالمية فرصة حقيقية، فالزمن الصناعى يتقدم بلا هوادة، فنحن نحارب الزمن وفرضت المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس كلمتها بتطوير الموانئ بوابات الدول إلى العالم توسعة الأرصفة ومحطات الحاويات والتراكى، فنحن لسنا على هامش العالم. وإنما فى قلب المعركة الاقتصادية العالمية الصناعية نعلن الجاهزية.