رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تعليم المصريين.. بعيون أخرى (1-2)


4-6-2026 | 15:59

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

«يمكن أن أقول إن مصر هى نصيبى، فقد شكّلتنى على نحو عميق إنسانيا وعلميا».. هكذا التقطت كلمات د. ليندا هيريرا، أستاذة دراسات التعليم بجامعة إلينوى الأمريكية. كلماتها السابقة، كانت من سطور مقدمة كتابها المهم والمتفرد بعنوان «تعليم المصريين»، والصادر أوائل العام الحالى بنسخته العربية عن دار المرايا، وترجمة أيمن الحسينى بعد أن صدرت النسخة الإنجليزية عام 2023 عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ود. ليندا المؤلفة هى دكتورة فى الأنثربولوجى والاجتماع، وجاءت لمصر عام 1986، وحصلت على الماجستير والدكتوراه بعد أن مكثت بها ما يقرب من عقدين من الزمان.

 

شدنى عنوان الكتاب، فهو مباشر وواضح، وكذلك اسم المؤلفة الأجنبية، بل والأمريكية؛ فقررت الذهاب لشرائه، بل وحضرت ندوة المؤلفة لتدشين الكتاب أو حفل التوقيع، ذهبت وقرون استشعارى متأهبة أو فى وضع الاستفزاز، وبعد أن تحدث المترجم «أيمن»، تحدثت المؤلفة بعربية ومصرية واضحة، حتى إنها كانت تتدخل للتصحيح، وأنه ليس كتابها الأول عن التعليم، فلديها الكثير من الدراسات عنه وعن منطقتنا. فتحت صفحات المقدمة قبل حديثها فوجدت صدقًا مباشرًا فى سرد حكايتها مع مصر والتى جاءتها 1986 لتمكث شهورًا للدراسة، وما لبثت أن امتدت عقودًا، وما تزال تتردد على مصر كثيرًا، هدأت قرون استشعارى وبدأت أنصت باهتمام أكثر، وبعد انتهاء الندوة والتوقيع طلبت منها رقم تليفونها، واتفقت معها على لقاء وغداء عمل لكى أتمكن من معرفة الكتاب وصاحبته، وبالفعل تقابلنا بوسط البلد فهى تعرف القاهرة مثلى واكتشفت أننا فى العمر نفسه تقريبا، ولدينا الأبناء والأحفاد فتكسر حاجزًا أن نتكلم مع الأجانب، فصول كتابها متفردة لأنه بجانب أنه دراسة موثقة أكاديمية عن الحياة الطلابية ويطلق عليها دراسة أثنوجرافية، واستمرت شهورا أى عاما دراسيا كاملا 1990-1991، وذلك بمدرسة الفلكى الإعدادية للبنات، فنادرة هى دراسات المعايشة داخل الحياة اليومية ودراسة علاقات العمل أو معايشة الطالبات ولفترة ممتدة، وأقول نادرة وصفًا لدراسات وكتب المصريين عن دراسات الحالة والمعايشة، لذلك قسمت كتابها إلى أربع مراحل وأزمنة وقضايا، المرحلة الأولى منذ أوائل التسعينيات ومعايشة المدرسة واحتلت حوالى 5 فصول الأولى، ثم الإسلام السياسى والتعليم واحتل 3 فصول، ثم الشباب فى عالم متغير ودخول التكنولوجيا وذلك توقفت به عند تاريخ 2011، ثم الأخير وهو أقلهم فى عدد الصفحات عن عملها فى مشروع التعليم 2 مع د. طارق شوقى حتى تركت المشروع وغادرت ولكن كما تقول مصر لم تغادرها، كانت تلك كنزا معرفيا لى أن أقرأ عن تعليمنا بعيون أجنبية، وليست من داخل المؤسسات الدولية أو أرقامها أو فى تعاونها مع وزارة التعليم؛ فبحكم خبرتى مع التعليم كان الكثير من هذه الشهادات والرؤى يحتاج إلى نقاش وحوار، وليست مجرد عرض لأرقام.

لذلك قررت أن أعرض الكتاب على حلقتين، والأخيرة ستكون لتعليم فترة د. طارق شوقى وحوارا وتشخيصا حول ذلك، أما هذه الحلقة للكتاب فهى مهمة لأنها ترصده منذ نهاية الثمانينيات، لأن حجم التغيير رغم أنه بدأ قبل ذلك، لكن التجسيد بدأ واضحا مع نهاية الثمانينيات خاصة فى شكل المدرسة العامة الحكومية، والامتحانات والمدرسين ومدراء المدرسة وأوضاع الطالبات بالمدارس الحكومية، ثم دخول المدارس الإسلامية على الخط ومواقف الأدوات ووزراء التعليم المتعاقبة، أى بين السياسة والتعليم، وهى قضية محورية لأى دارس لأحوال التعليم. بعد المقدمة والفصل الأول، تستعرض تاريخ نصوص بالقوانين والدساتير المصرية بدءًا من 1923 وحتى دستور 2014، ثم ننتقل لرحلتها لإجراء هذه الدراسة الأثنجرافى والتى تتقاطع مع علم الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والسياسة، وكانت هذه الدراسة من متطلبات لحصولها على الماجستير من قسم الأنثروبولوجيا والاجتماع بالجامعة الأمريكية. تقول إنه من الصعب جدا الحصول على التصاريح الأمنية لإجراء بحث كيفى طويل بالمدارس المصرية، واستمر طلب الحصول عليها عامين، وتبدأ بوصف المدرسة التى تراها صورة مصغرة من الوطن فى مظاهر المواطنة والقوة والتسلسل الهرمى والطبقات وديناميكيات النوع -بنات فى سن المراهقة بالإعدادى- كان يومها الأول مرتبكا، وبعد أن تعرفت على الطابور، وهو أول شيء أدهشها فى المدارس المصرية حيث لا يوجد مثل ذلك فى أمريكا، ثم الزىّ الموحد للطالبات، ثم دخولها المدرسة ومقابلتها أولا لطالبات الحكم الذاتى -الشرطة المدرسية- ثم الدخول إلى مديرة المدرسة التى تقع فى فيلّا أو قصر صغير كان ملك الفلكى بك، ولأننى من سكان الشارع نفسه؛ أعرف أنه كان أحد طلاب البعثات على ما أتذكر وأنه تخصص فى الجغرافيا والفلك، لذلك كان وصفها للمكان سهلاً لى، وكأننى أستعيد أيام دراستى بالإعدادى فى فيلّا قريبة هى لزميلة الفلكى أمين سامى وأصبحت مدرسة أمين سامى للبنات، ويبدو أن البنات كن الأكثر حظا للتعلم فى فيلّات رعيل العلماء، ثم تنتقل إلى وصف مكتب المديرة، وكانت الملاحظة أن المكتب مزدحم للغاية، وبكل التفاصيل تعرض عليها ولم يهدأ طوال اليوم حتى مغادرتها، وأن المديرة جميلة الشكل بحجاب بسيط وكانت تدخن كذلك، وتستعرض قوة شخصيتها وهى المنقولة حديثا للمدرسة لفرض الانضباط، وكيف كان العقاب البدنى لمَن يتأخر، ثم بدأت حياتها داخل المدرسة التى بدأت من مصاحبة أبلة من قسم اللغة الإنجليزية لتجلس بطاولة القسم وعلى كرسى وهو عملة نادرة بالمدرسة، وبعد ذلك تعرفت إلى هياكل الطاولات للتخصصات فداخل كل مدرسة هناك عدد من المجتمعات الصغيرة لها نظامها الخاص، بعد فترة بدأت إجراء حوارات ودخلت الفصول ومن ملاحظتها ضعف تدريس اللغة الإنجليزية، وتعرفت خلالها على إيقاع الحصة والممارسات التربوية بالفصل، ثم انتقلت إلى طاولة معلمى الرياضيات ودخلت فصلاً مع معلم، وكان من اللافت فى الكتاب أنها دائما تذكر فى كل تعارف أو استجواب داخل المدرسة كانت تقول إنها زوجة لزوج مسلم، إيرانى أستاذ بالجامعة الأمريكية، وهو من كبار أساتذة وعلماء الاجتماع المعروفين عربيا وعالميا وأم لطفلة فى حضانة قريبة من المدرسة. كان أكثر الشخصيات ترحيبا بها فى البدايات هو مدرس رياضيات مبتدئًا وأكثر شرحًا لها ليوميات العمل وتفاصيله، ووصفت عمله معها بأنها مدينة له لرعايته ومساعدته لها بإخلاص واحترام، بمرور الوقت وجدت طريقها منذ الطابور لاصطحاب الطالبات والجلوس معهن على الدكة فحدث التقارب معهن سريعا، وكنت أستمع لهن ولحكايتهن وسماع آرائهن عن المدرسين والناظرة فكن يتحدثن بحرية فى كل شيء، وعن قضية العدالة داخل المدرسة والعلاقات المتوترة بين الإداريين والمعلمين، وذكرت تحفظ مدرس بلحية معها وتوبيخه عن الدعم الأمريكى لإسرائيل، ولعدم إسلامها وأعقبه بحديث عن الكفار. فى المقابل صرح لها البعض بالتمييز الخفى، وكانت الباحثة حريصة للغاية على الابتعاد عن الحديث فى الدين والقضايا الخلافية، كانت مدرسة الفلكى نموذجًا للتنشئة التى تريدها الوزارة وتقوم بها المدرسة، ولأنها مدرسة بنات فكان جزء التربية بما يتماشى مع المجتمع الشرقى هو السائد، ولكن دون قواعد واضحة أو عامة ولكن تُركت للعرف والاجتهاد، كان هناك اجتهاد لشرح المناهج من المعلمات مثل معلمة العلوم وبأدوات بسيطة للغاية وكذلك مدرسة الجغرافيا، وكان معلم الرياضيات كفئًا للغاية، ويقيم مسابقات بين الطالبات لحل المسائل، ولكنها تحدثت أيضا عن الدروس الخصوصية، وكان الطالب يدفع 25 جنيها بالشهر للمادة، ثم تسرد جوهرا مهما فى العملية التعليمية المصرية، وهو ما أطلقت عليه حمى الدرجات، والحرص على دوران النظام التعليمى بتنجيح الطلاب ونقلهم للصفوف الأعلى بعيدا عن الاحتكام إلى الأداء الدراسى.

    كلمات البحث
  • مصر
  • تعليم
  • المصريين
  • كتاب
  • ندوة

أخبار الساعة

الاكثر قراءة