مكاسب «مجانية الولادة الطبيعية الأولى»
«الولادة الطبيعية الأولى مجانًا».. واحد من أحدث القرارات التى أعلن الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، البدء فى تطبيقها خلال الفترة المقبلة فى المستشفيات التابعة للقطاع العلاجى بجميع المحافظات، وهى مجهزة لاستقبال هذه الحالات وفق أعلى معايير الجودة والسلامة، مع توافر الفرق الطبية المدربة والتجهيزات اللازمة لضمان تقديم الخدمة بشكل لائق وآمن.
قرار «مجانية الولادة الطبيعية الأولى»، يأتى ضمن استراتيجية الوزارة لتشجيع الولادة الطبيعية باعتبارها الخيار الطبى الأمثل فى الحالات غير المعقدة، لما لها من فوائد صحية مثبتة للأم والطفل، فضلاً عن دورها فى تقليل المضاعفات المرتبطة بالولادات القيصرية غير الضرورية، بما ينعكس إيجابيًا على مؤشرات الصحة العامة، هذا فضلاً عنه أنه إحدى خطوات «الصحة» لمواجهة مشكلة ارتفاع معدل القيصرية.
يُشار هنا إلى أنه وفقًا لبيانات وزارة الصحة، فإن «الولادات القيصرية بلغت نسبتها خلال عام 2025 نحو 80 فى المائة من إجمالى الولادات على مستوى الجمهورية، قبل أن تنخفض إلى 63 فى المائة خلال الربع الأول من عام 2026، وأن ما يقرب من 1.5 مليون سيدة سنويًا يتعرضن لجراحة كبرى دون داعٍ طبى وهى القيصرية، ما يؤدى إلى مضاعفات خطيرة.
أرقام «الصحة»، أزاحت الستار أيضًا عن تطور معدل الولادات القيصرية منذ عام 2000 حتى 2021، حيث حدثت زيادة أكثر من 7 أضعاف، فقد ارتفعت الولادة القيصرية من 10 فى المائة إلى 72 فى المائة، وبمقارنة المنشآت الصحية تظهر الأرقام ارتفاع معدل القيصرية فى المنشآت الصحية الخاصة إلى 81 فى المائة وفى المنشآت الصحية الحكومية نسبتها 63 فى المائة، كما أوضحت الأرقام أن الولادات القيصرية غير المبررة طبيًا تكلّف الدولة 5 مليارات جنيه سنويا.
وفى هذا السياق، قال الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد، كلية طب جامعة القاهرة، عضو المجموعة الاستشارية الفنية لمنظمة الصحة العالمية المعنية بتقدير وفيات الأمهات معلقًا على قرار وزير الصحة: هذا القرار يعد من القرارات المهمة والاستراتيجية فى ملف صحة المرأة وصحة الأم والطفل، لأنه لا يتعامل مع الولادة باعتبارها خدمة طبية فقط، بل باعتبارها قضية أمن صحى وتنمية بشرية واستثمارًا حقيقيًا فى مستقبل المجتمع المصرى، فتشجيع الولادة الطبيعية الآمنة يمثل أحد المحاور الأساسية لتحسين مؤشرات صحة الأم والمواليد، وتقليل المضاعفات الناتجة عن التدخلات غير الضرورية، والحدّ من الارتفاع الكبير فى معدلات الولادات القيصرية غير المبررة طبيًا، بما يتماشى مع التوصيات العلمية والمعايير الدولية الحديثة.
وأضاف: الولادة القيصرية تمثل مشكلة حقيقية، وطبقًا لنتائج المسح الصحى للأسرة المصرية لعام 2021، تحتل مصر المرتبة الأولى عالميًا فى معدلات الولادة القيصرية بنسبة 72 فى المائة، وبلغت فى المستشفيات الخاصة نحو 81 فى المائة، وهذه النسبة صادمة وتتجاوز المعدلات الموصى بها عالميًا بأضعاف.
ولمواجهة القيصرية غير المبررة، قال «د. عمرو»: يجب إطلاق برنامج وطنى شامل لإعادة تأهيل الأطباء باستخدام أحدث تقنيات التدريب، الشق الثانى يتعلق بلجوء كثير من الأطباء إلى القيصرية كخيار آمن قانونًا، وهنا يجب إصلاح المنظومة القانونية من خلال إصدار إرشادات وطنية قياسية وملزمة تطبق فى جميع المستشفيات، توحيد نماذج الموافقة المستنيرة لضمان الشفافية مع الأسر وتوفير مظلة قانونية للأطباء الملتزمين بالبروتوكولات، تحميهم من الملاحقات غير العادلة.
«د. عمرو»، أشار فى سياق حديثه إلى أن «قرار مجانية الولادة الطبيعية الأولى سبقته خطوات أخرى من قِبل وزارة الصحة فى مواجهة القيصرية غير المبررة، منها قرارات وزارة الصحة بإلزام المنشآت الصحية بتطبيق الدلائل الإرشادية الخاصة بالولادة الطبيعية الآمنة، منها تطبيق تصنيف «روبسون» ومخطط البارتوجرام»، مضيفًا أن «البارتوجرام ليس مجرد «شيت متابعة»، لكنه بمثابة إنذار مبكر و»دليل إرشادى» يحمى الأمهات والمواليد، واستخدامه بشكل صحيح جزء أساسى من خطة وزارة الصحة لتقليل معدلات القيصرية، والبارتوجرام عبارة عن شيت متابعة يرسمه الطبيب أثناء الولادة، يعطى مؤشرًا لحظيًا عن مدى تقدم الولادة، وأهميته أنه يقدم حلاً علميًا وعمليًا يساعد فى إعادة التوازن بين الولادة الطبيعية والقيصرية، بحيث تظل القيصرية للضرورة فقط».
وأكمل: أما تصنيف روبسون، فهو نظام عالمى معتمد من منظمة الصحة العالمية، لتقييم ومقارنة معدلات الولادة القيصرية، ويجيب عن سؤال لماذا حدثت القيصرية؟، وتحليل كل حالة بشكل علمى، وكذلك التفرقة بين الضرورة الطبية والقرار غير المبرر، وبالتالى فتصنيف روبسون بمثابة تحليل القرار الذى تم، ومخطط البارتوجرام بمثابة توجيه القرار فى الوقت الفعلى، وعند العمل بهما ننتقل من قرارات فردية إلى نظام طبى مبنى على الأدلة ومن ثم تحقيق الجودة والمحاسبة.
من جهتها، قالت الدكتورة نرفين حربى، استشارى النساء والتوليد: أسباب انتشار القيصرية كثيرة، من بينها «خوف السيدة من الألم»، «استسهال من جانب بعض الأطباء»، و«خوف البعض الآخر الخوف من المساءلة القانونية لهم»، وهذا يجعلنا نطالب بتعزيز حماية الأطباء فى حالة الولادة الطبيعية وتقبل المخاطرة التى من الممكن حدوثها والتى لا تندرج تحت تصنيف «الخطأ الطبي» وهذا الأمر يحدده البروتوكول، هذا بجانب نظرة المجتمع، فحتى الآن يوجد ربط بين الولادة الطبيعية بغير المقتدر ماديًا، والمقتدر يتجه للقيصرية، وإن كانت التكلفة واحدة تقريبًا حاليًا.
«د. نرفين»، شددت على أنه لكى يتم تعظيم الاستفادة من قرار وزير الصحة الخاص بمجانية الولادة الطبيعية الأولى، يجب اتخاذ خطوات عدة، من بينها تدريب الكادر الطبى على تحديات الولادة الطبيعية، كما يجب وضع بروتوكولات يتبعها الأطباء والفريق الطبى، أيضًا من المهم توفير أجهزة سونار للمتابعة أثناء الولادة، وكذلك توفير الولادات بدون ألم، ولا بدّ من تخصيص غرفة متابعة ولادة، غير عنابر الحجز وغير غرفة الولادة نفسها، ففى مختلف دول العالم يوجد إقبال على الولادات الطبيعية لتوفر عنصر الخصوصية، فالسيدة تتألم وتتفاعل مع ألم الولادة «تتوجع على راحتها» دون أن يراها أحد، كذلك يجب العمل على توفير جهاز متابعة نبض الجنين بكل المستشفيات، وتطوير وإدخال تقنيات الولادة بدون ألم فى كل المستشفيات الحكومية، ووضع شروط صارمة وحازمة للحدّ من القيصرية على الأطباء من خلال وضع بروتوكول للحالات القيصرية والطبيعية يطبق ويعمم على كل المستشفيات يضعه أساتذة النساء والتوليد بالجامعات المصرية، كما أنه من الواجب الرجوع لفكرة القابلات وزيادة مدارس تمريضية قائمة على تدريب القابلات بحيث تتابع فى المنزل وفى الوقت المناسب تتخذ قرار نقل الحالة إلى المستشفى، وهذا من شأنه تقليل فترة الوجود السيدة بالمستشفى».