بمجرد أن يستوعب الوالدان صدمة إصابة طفلهما بمرض السكر يبدآن فى طرح عدد من الأسئلة المهمة، مثل: هل يمكن أن يعيش الطفل المصاب بالسكر بصورة طبيعية كغيره من الأطفال الأصحاء؟.. هل يمكن أن ينمو طبيعيا ويدخل الحضانة والمدرسة؟.. هل أخبر إدارة المدرسة بمرضه؟.. هل يمكن لطفلتى المصابة بالسكر أن تكبر ثم تتزوج وتحمل وتنجب أطفالا طبيعيين مثل غيرها من الفتيات الأصحاء؟.. والإجابة عن كل هذه الأسئلة.. نعم.
الطفل المتعايش مع السكر، التعبير الصحيح المطلوب أن نطلقه على الطفل المصاب بالسكر، يمكن أن يعيش بصورة طبيعية جدا مثل أى طفل آخر لم يصبه المرض، لكن بشرط أن يتم علاجه بطريقة صحيحة، فى المكان المناسب حتى نضمن الحفاظ على نسبة السكر فى الدم أقرب ما يكون للطبيعي، ونتجنب المضاعفات البدنية والنفسية للمرض التى تؤثر على النمو البدنى والعقلى للطفل.
إذا تحدثنا عن مرض السكرى بين الأطفال فى مصر، فإنه موجود ونسبته ليست قليلة، فتصل معدلات الانتشار “حالات قديمة مع جديدة” نحو 0.8 فى الألف، بمعنى كل ألف طفل ممكن نجد فيهم طفلا مصابا، وكذلك معدل وقوع حالات “جديدة” للإصابة بالسكر من النوع الأول تقدر فى مصر نحو 3.5 طفل لكل مائة ألف طفل، وبالأرقام يوجد 55 ألف طفل متعايش مع السكر مسجلا فى التأمين الصحي، هذا بخلاف منْ يتلقون العلاج فى القطاع الخاص.
سبب الإصابة بالسكر من النوع الأول هو اختلال فى مناعة البنكرياس، فيقضى البنكرياس على خلاياه، وبعد تدمير نحو 90 فى المائة من الخلايا المنتجة للأنسولين يظهر السكر ويطلق عليه كثير الأسباب، ممكن بسبب اختلال فى المناعة، ممكن لأسباب وراثية، ممكن ميكروبات أو فيروسات.
الأعراض تبدأ بملاحظة انخفاض وزن الطفل، تكرار دخول الحمام بكثرة، ممكن حمام أثناء النوم، لو بنات ممكن تظهر دمامل، ضعف التركيز بالمدرسة، المسألة لا تستغرق وقتا طويلا، الوضع يتطور وتزيد الأعراض، ألم بالبطن، ترجيع، يدخل الطفل فى تحمض كيتوني، ووقتها لابد من التوجه إلى المستشفى لسرعة التدخل قبل حدوث غيبوبة «التحمض الكيتوني»، ولهذا نقول ونشدد على أنه فى حال ملاحظة الأم لهذه الأعراض لا بد من التوجه سريعا إلى طبيب متخصص قبل الوصول لمرحلة الغيبوبة.
عالميًا.. المنظمة العالمية المسئولة عن السكر وضعت مصر فى المرتبة الخامسة من حيث معدلات الإصابة بالسكر، لكنها تضع النوعين الأول والثاني، لكن لو نظرنا إلى معدلات الإصابة بالنوع الأول نجدها أقل، فالسكر نوعان، النوع الأول لا توجد خلايا منتجة للأنسولين ولابد من تناول علاج تعويضى بالأنسولين، والنوع الثانى يوجد أنسولين لكن لا يفرز ولابد من تحفيزه.
العلاج بالنسبة لسكر الأطفال النوع الأول هو الأنسولين فقط ، بجانب الأكل الصحى المتوازن، ممارسة الرياضة، كلها عوامل تساعد، أيضا مهم التعليم الطبى المستمر، وللأسف معدلات الإصابة بالسكر متوقع زيادتها مع نمط الحياة الخاطئ، والأكل غير الصحي، والسمنة.
حسب المعدلات العالمية يجب قياس السكر من 6 إلى 10 مرات يوميا، وهذه معاناة، بكاء للأطفال، رفض الأكل لأنه بعد الأكل المفترض يقيس السكر، الجميل حاليا هو الحساس الذى يقيس السكر بدون وخز، فهو عبارة لاصق صغير يثبت على الذراع ومجرد توصيله بالقارئ أو الهاتف تظهر قراءات السكر بشكل لحظي، وتحديد استجابة الطفل للأنسولين وبالتالى ضبط السكر.
الجهاز الحديث هذا بمثابة إنقاذ للأطفال، من الألم، من المعاناة، والمبادرة الرئاسية «أطفالنا السُكر» عظيمة جدا، لأنها توفر هذا الجهاز مجانا للأطفال المتعايشين مع السكر، وهذا تخفيف عبء مادي، فتكلفة الحساس لمدة 15 يوما 3400 جنيه، والطفل يحتاج حساسين شهريا بإجمالى 6800 جنيه شهريا، المبادرة بدأت بتجربة بمستشفى أطفال مصر على أطفال من سن 4 إلى 6 سنوات، ومن المقرر امتداد المبادرة لمحافظات أخرى، وبعد ذلك تعميم التجربة على جميع مراكز التأمين الصحى لأطفال المدارس.
فى تصوري، التجربة ستنجح لأن الأهالى يريدون راحة أطفالهم، متفاعلين، هذا إلى جانب أنهم حريصون على التعلم والمتابعة، وأرى أن المبادرة أفضل خطوة اتخذت لتخفيف معاناة الأطفال المتعايش مع السكر بجانب توفير الأنسولين من قبل التأمين الصحي، وبعد نجاح التجربة أتمنى وصول المبادرة لكل الأطفال بمصر كلها، لكن التجربة بدأت بعدد معين وبمكان محدد لتقييم التجربة، ومعرفة مدى التزام الأهالى بالقياس والأكل الصحي، وبمجرد نجاح التجربة على هذه الأعداد سيتم التعميم، فالمبادرة تعد بمثابة ثورة ونصر كبير لصالح الأطفال المتعايشين مع السكر، ونحن كأطباء سعداء بهذه المبادرة، وبهذه المبادرة نمنح السعادة للأهل والأطفال.
توجد آمال فى المستقبل، فتوجد تجارب عالمية لمنع حدوث الإصابة بالسكر، أدوية جديدة، والتدخل فى المراحل الأولى قبل حدوث السكر والتعامل مع الأجساد المضادة، وكيفية تأجيل الإصابة، لكن الأدوية باهظة الثمن فى العالم، ونأمل مع الوقت أسعارها تنخفض، أيضا الأمل فى الخلايا الجذعية، فالأبحاث قائمة حاليا على تحويل خلايا الجلد إلى خلايا منتجة للأنسولين تحقن فى البطن، لكن كلها دراسات وتجارب وتحتاج لسنوات، وبشكل عام نأمل أن يكون المستقبل أفضل.