فى عام 1960، أبحر شاب مصرى فى الثامنة عشرة من عمره نحو ألمانيا بحقيبة صغيرة وحلم أكبر من سنّه.. لم يكن نادر رياض يعلم حينها أن تلك الرحلة ستفضى بعد عقود إلى بناء مجموعة صناعية تورد منتجاتها إلى القوات المسلحة الألمانية وسكك حديدها، وتضع علم مصر فى قلب الأسواق الأوروبية.
درس «نادر» هندسة آلات الإنتاج فى جامعة آخن الألمانية، وهناك بدأت القصة الحقيقية؛ إذ كشف تدريبه فى شركة «بافاريا» الألمانية عن عبقرية هندسية نادرة، حين أجرى تعديلاً فى تصميم أحد المنتجات وفّر على الشركة قرابة ربع مليون مارك، فعرضت عليه إدارتها مكافأة خمسة آلاف مارك فرفضها، مُؤثرًا إثبات كفاءة المهندس المصرى على أى مكسب مادى، ليكون ذلك الرفض بذرة شراكة أثمرت عن تأسيس «بافاريا مصر» عام 1971 برأسمال 24 ألف جنيه فحسب، وبعاملَين اثنين بدأ معهما «رياض» مهندسًا للحام بيديه.
لم يكن بناء المصنع التحدى الأصعب فى نظره؛ بل كان بناء الإنسان.. آمن «رياض» بأن ربط مصلحة العامل بمصلحة المؤسسة، وزرع ثقافة الجودة والانضباط، هو الطريق الوحيد لصناعة تصمد أمام المنافسة العالمية، وقد صدّق الواقع رهانه حين اختارت القوات المسلحة المصرية أجهزة إطفاء بافاريا لتكون ضمن تسليح الجيش فى معركة العبور 1973، بعد أن تفوقت فى اختبار مشهود على نظيراتها الفرنسية والإيطالية بإطفاء حريق النابالم بجهاز واحد بدلاً من سبعة، وسط صيحات «الله أكبر» أطلقها مئات المجندين المتفرجين.
بعدها.. انطلقت «بافاريا» نحو العالمية بخطى واثقة؛ ففى منتصف الليل وفى غمرة تأملاته، أدرك رياض أن الاستحواذ على الشركة الألمانية الأم بات ممكنًا، فهاتف رئيس البنك الأهلى محمود عبدالعزيز قبيل التوقيع بساعات، فأعطاه الحل العبقرى بخطاب ضمان يتيح التمويل من بنوك أجنبية. وكانت ليلة لم ينَم فيها رياض من فرط الفرح، ليسدّد قيمة الصفقة البالغة 1.3 مليون مارك بأقساط شهرية منتظمة على ثلاث سنوات لم يتخلف فيها عن موعد واحد.
اليوم، تضم مجموعة بافاريا القابضة خمس شركات متخصصة، تغطى أجهزة الإطفاء والأرضيات المعدنية ومواسير المياه ونظم الإطفاء الآلى وصناديق جمع المخلفات، ويضاف إلى هذا النجاح افتتاح مجمع نهضة مصر التجارى بالفجالة الذى ضمّ منتجات بافاريا القابضة والشركات التابعة لها، ولا يتوقف الإنجاز على التفوق محليًا بل تورد الشركة منتجاتها إلى سكك حديد ألمانيا وقواتها المسلحة وكبرى المطارات، وكل ذلك بفضل جهود الدكتور نادر رياض، المهندس الذى يحمل دكتوراه فى الهندسة الصناعية من أمريكا، كما أنه حصل على وسام الاستحقاق الألمانى من الطبقة الأولى عام 2003، ويجلس فى لجنة تحديث مواصفات أجهزة الإطفاء الأوروبية، ليكون المصرى الذى لا يضع المواصفات فحسب، بل يسهم فى صياغتها للعالم.
خارج أسوار المصنع، يظل د.رياض إنسانًا بامتياز؛ فلاثنين وعشرين عامًا متواصلة لم يُخلف موعد إفطار «لقاء الأصدقاء» الرمضانى مع الصحفيين، وأطلق مبادرة المكتبات المفتوحة فى شوارع وسط القاهرة تحت شعار «ضع كتابًا وخذ كتابًا». رجل يؤمن بأن الإنسان هو القضية والحل معًا، ويختم فلسفته بعبارة تلخص مسيرة نصف قرن: «إنه اليوم.. اليوم وليس غدًا».