فقد بدأت الحرب بأهم وأكبر حساب خاطئ وهو أنها لن تستغرق سوى أيام قليلة وربما ساعات قليلةَ بعد اغتيال المرشد الإيرانى وثلاثة مستويات من القيادة الايرانية، الدينيةً والعسكرية، وخروج الإيرانيين إلى الشوارع يطالبون بإسقاط النظام الإيرانى وينجحون فى ذلك وتتخلص إسرائيل من الكابوس النووى الإيرانى، وتتخلص أمريكا من قوة إقليمية تمددت كثيرًا واتسع نفوذها فى الشرق الأوسط، لدرجة تسببت فى الإضرار بالمكانة الدولية لأمريكا التى تهيمن على النظام الدولى منذ سقوط الاتحاد السوفيتى فى نهاية التسعينيات!.
لكن رغم التخلص من هذه المستويات القيادية الثلاثة فى إيران لم تخرج الجماهير الإيرانيةَ للشوارع، بل العكس تمامًا خرجت مسيرات ومظاهرات رافضة للعدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران، وضاعت وتبددت جهود أمريكا فى دعم معارضين إيرانيين، كما اعترف بذلك ترامب الذى أكد دعم قطاعات إيرانية بالسلاح الأمريكى.
وهكذا بعد أن كانت «الحسبة» الأولى للحرب تتوقع أن تكون تلك الحرب خاطفة وسريعة على غرار ما حدث فى فنزويلا والتى لم تستغرق سوى ساعات قليلة تم فيها خطف «مادورا» ونقله إلى أمريكا هو وزوجته، جاء صمود إيران بنظامها الحالى الذى فقد ثلاثة مستويات قيادية ليبين أن أول حسبة خاطئة للحرب الإيرانية كانت فادحة وصنعت لأمريكا مأزقا كبيرا أودى بها إلى مستنقع كبير.
إن هذا الصمود كان مفاجئًا ومثيرًا للدهشة لدى ترامب ومساعديه، وهم عبروا عن ذلك فى تصريحات متتابعة لهم، خاصة أنهم لم يكن لديهم ترف الانتظار وكان الوقت يعاكسهم، حيث يقترب يوما بعد الآخر موعد الانتخابات البرلمانية فى ظل تآكل شعبية ترامب إلى أقصى مستوى وتزايد الرفض الشعبى الأمربكى لاستمرار الحرب، وهو ما ينذر بخسارة الجمهوريين لانتخابات الكونجرس ليصاب ترامب بالعجز السياسى بقية فترته الرئاسية!.
وزاد من حدة الصدمة الأمريكية رفض القيادة الإيرانية الجديدة القبول بالاستسلام والإذعان للمطالب الأمريكية سواء الخاصة بالملف النووى الإيرانى أو الخاصة بملفات أخرى مثل النفوذ الإقليمى لإيران ومثل البرنامج الصاروخى، ناهيك عن رفض إيران فتح مضيق هرمز إلا بعد إنهاء الحصار البحرى الأمريكى لإيران.
وبالنسبةَ لهذا المضيق فإنه يمثل عنوانا مجسما لأهم وأبرز الحسابات الأمريكية الخاطئةً فى هذه الحرب.. فقد كانت الإدارة الأمريكية لا تتصور قيام إيران بغلقه، واعتبرت أن ذلك من قبيل التهديدات الجوفاء التى لا تجرؤ القيادة الإيرانية الجديدة على تنفيذها.. ولذلك عندما تجرأت هذه القيادة وفعلتها صدم ذلك واشنطن وأصابها بالارتباك.. فتارة هددت بالويل والثبور وعظائم الأمور والدمار والخراب لكل محطات الطاقة فى إيران والمنشآت البترولية، وتارة أخرى. هاجم ترامب الحلفاء الأوربيين، لأنهم رفضوا مشاركة أمريكا فى فتح مضيق هرمز، وتارة ثالثة أبدى ترامب عدم اهتمام بفتح المضيق بعد أن تعرض الاقتصاد العالمى لضغوط شديدة طالت الداخل الأمريكى، وتارة رابعة لجأ ترامب إلى فرض حصار بحرى على موانئ إيران ليسحب من أيديها ورقة إغلاق المضيق، وراهن فى ذلك على عدم قدرة إيران على تحمل هذا الحصار البحرى لأكثر من أيام قليلة، وبالتالى ستقبل راضخة بالمطالب الأمريكية التى يتمسك بها ترامب لكى يتمكن من التباهى بتحقيق نصر واضح على إيران.. ولكن بمرور الوقت تبين من معلومات جديدة أن إيران فى مقدورها تحمل الحصار البحرى لأربعة أشهر، بيننا أمريكا هى التى لا تستطيع تحمل تداعيات إغلاق مضيق هرمز لهذه الأشهر الأربعةَ.. أى أن الوقت سيف مسلط على رقبة أمريكا وليس رقبة إيران.
إن تتبع ما حدث فى تلك الحرب، عسكريا وسياسيا ومخابراتيا يكشف بوضوح وجلاء أنها هى حرب الحسابات الخاطئةً.. وليس سبب ذلك عجز المؤسسات الأمريكية، خاصة المخابراتية والمعلوماتية، عن توفير المعلومات الدقيقة والسليمة عن الحرب وتطوراتها وأيضاً تطورات المفاوضات غير المباشرة مع إيران والذى تضطلع فيه باكستان بالدور الأساسى منذ أن تم التوصل إلى قرار لوقف إطلاق النار والذى يتمدد ضمنا الآن حتى يتم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
وإنما سبب هذا الإخفاق يرجع إلى الأسلوب والنهج الذى تدار فيه داخل أمريكا هذه الحرب.. إنها إدارة الرجل الواحد الذى يرى أنه لا يخطأ، وأنه وحده الذى يملك ناصية الحقيقة.. وعندما تبين له أنه مثل كل البشر يخطئون كان قد تعرض لمأزق سياسى كبير لا يعترف به ولكنه يزيد من حدة هذا المأزق.