وفى تطور لافت، أعاد تقرير صادر عن البيت الأبيض حول الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 تسليط الضوء على تنظيم الإخوان ودوره فى تشكيل خريطة الجماعات المتشددة، التقرير يطرح رؤية تعتبر الإخوان مظلة فكرية وتنظيمية خرجت منها تنظيمات مثل القاعدة وداعش، ووصف التقرير تنظيم الإخوان بأنه «أصل كل الجماعات الإرهابية القائمة على إعادة إحياء الخلافة وقتل واستعباد غير المسلمين»، حيث أكدت الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026 أن الإخوان أصل كل الإرهاب الحديث.
وأكد البيان الصادر عن الاستراتيجية، أن «الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، يعلم جيدا أن الجماعات الجهادية الحديثة، من القاعدة إلى داعش إلى حماس، تعود جذورها إلى منظمة واحدة وهى جماعة الإخوان».
كذلك، أوضحت الاستراتيجية أن جماعة الإخوان هى أصل كل الإرهاب الإسلامى الحديث القائم على إعادة الخلافة الإسلامية وقتل أو استعباد غير المسلمين، مشيرة إلى أنه لهذا السبب اتخذ الرئيس دونالد ترامب الخطوة التاريخية بإصدار أمر تنفيذى أعلن بموجبه فرع الإخوان الأصلى فى مصر، إلى جانب الفرعين الأردنى واللبناني، منظمات إرهابية أجنبية، وستتبعه قريبا فروع أخرى، ما يعنى أن القرار بإدراج فروع الإخوان فى مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية هو بداية، وأن هناك فروعا أخرى للتنظيم فى دول أخرى ستُدرج قريبا فى نفس التصنيف، وما يشير إلى أن الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب ستمتد لتشمل فروعا أخرى للجماعة فى مختلف الدول، مما يعزز العزلة الدولية للتنظيم ويقيد حركته.
وأضافت الاستراتيجية أنه نظرا للدور المحورى الذى يلعبه الإخوان فى الترويج للإرهاب الحديث، فإنهم سيواصلون تصنيف فروعهم فى جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه كمنظمات إرهابية أجنبية لسحق التنظيم، لافتة إلى أن إحدى أهم الأولويات الرئيسية للإدارة الأمريكية تتمثل فى استهداف وتدمير الخمس جماعات الإرهابية الكبرى المنتسبة للإسلام، وهى القاعدة، لاسيما فرعها فى شبه الجزيرة العربية، وداعش، والإخوان، التى قال التقرير إن تصنيفها جماعة إرهابية يعنى مواصلة الضغط الأمريكى حتى لا تعد كيانات التنظيم قادرة على تجنيد أو تمويل الإرهاب ضد الولايات المتحدة.
وفى قراءته للتحول الأمريكى نحو التعامل مع الإخوان، قال هشام النجار، الباحث فى شئون الحركات المتطرفة: فيما يتعلق بهذا التطور فهذا الإجراء الذى أتى متأخرا جدا ويمثل حصيلة خلفيات وجهود متضافرة وأيضا عدة عوامل مهمة تتعلق بالأحداث والتطورات الإقليمية والدولية، فإجمالا هناك التطور المتعلق بالحروب الجارية خاصة الحرب الأمريكية _ الإيرانية، حيث إن فى القلب منها تشكل الجماعات المتطرفة السنية والشيعية عاملا وأداة اكتشفت الأطراف والأجهزة أن هناك تحالفا عميقا ومتشابكا بين دول بالمنطقة، ترفع شعار الحكم الدينى مع مختلف تلك التنظيمات، وفى مقدمتها التنظيم الدولى للإخوان بجانب تنظيم القاعدة المركزي، ما يعنى أن رعاية الولايات المتحدة لهذا التيار فى نسخته السنية قبل أكثر من عقد عبر نظام الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما كان يصب فى الأساس فى مصلحة قوى إقليمية طائفية غير عربية وفى مقدمتها إيران، علاوة على الاكتشاف الأمريكى والأوروبى المتأخر فيما يتعلق بالصلات المتينة التى تربط التنظيم الدولى للإخوان ومختلف طيف التنظيمات الراديكالية المسلحة، وهو ما حذرت منه مصر مرارا على مدار سنوات واكتشفت خطورته وتهديداته مؤخرا أمريكا وأوروبا.
«النجار»، أضاف: كما أن هناك العديد من العوامل المؤثرة الأخرى منها تشكيل جماعة الإخوان لدويلات طائفية موازية داخل العمق الأمريكى والأوروبي، وقيادتها لما يعرف بالانفصالية، حيث تفصل الجاليات المسلمة عن مجتمعاتهم، وتشكل منهم جيتوهات متمردة بهدف قيادة انقلاب ناعم على الهوية وعلى المؤسسات داخل أمريكا وأوروبا، وبالطبع ستكون هناك تداعيات خطيرة على جماعة الإخوان، فهى بمثابة الجماعة المحظورة الآن فى الولايات المتحدة، وهو ثانى أخطر وأقوى قرار يضرب فى العمق بنية وهيكلية جماعة الإخوان بعد قرار حظرها وتصنيفها إرهابية فى مصر بعد ثورة يونيو 2013م، وهذا معناه أن كل ما بنته جماعة الإخوان الخائنة داخل أمريكا من نفوذ وعلاقات وتحالفات واستثمارات ومراكز معرض للانهيار والهدم، فلن تكون الجماعة داخل أمريكا بعد هذا التطور كما كانت فى السابق، وستحرم من مليارات الدولارات ومن المشاريع ومن العلاقات التى شكلتها مع سياسيين وجمعيات مجتمع مدنى وأحزاب، كما ستفقد حرية الحركة والملاذات الآمنة والمنصات الإعلامية داخل أمريكا وبالدول الحليفة لها.
وأكد «النجار» أن جماعة الإخوان صارت فى موقف صعب جدا خاصة أن هناك تحركات مشابهة قوية تجرى فى دول أوروبا، بمعنى أن الجماعة بين كماشة أوروبية_ أمريكية بعد الضربة الكبرى المزلزلة التى تعرضت لها فى مصر والشرق الأوسط، وتبقى الضربة الأمريكية هى الأكثر قسوة وقوة بعد الضربة المصرية؛ خاصة أنها أتت من جهة ومن طرف كانت تراهن عليه جماعة الإخوان لتعقد معه الصفقات التى تظن أنها ستعيدها إلى المشهد، بمعنى أنها انتظرت أن تساعدها أمريكا وتمد لها يد العون لتنقذها من ورطتها فإذا بها تصفعها وتوجه لها لطمة شديدة القسوة.
فى السياق، قال منير أديب، الباحث فى شئون الجماعات المتطرفة والإرهاب الدولي: قراءة الولايات المتحدة لخطر الإخوان هى قراءة متأخرة، لكن أن تأتى متأخرا خيرا من ألا تأتي، فقد مرّ على تأسيس التنظيم ثمانية وتسعون عامًا، ولم تصنفه واشنطن ضمن التنظيمات المتطرفة بل سمحت للتنظيم بالعمل على مدار العقود التسعة الماضية، وسمحت له بالانتشار بل كانت بمثابة ملاذ آمن للتنظيم على مدار العقود والسنوات الماضية، وهذا النهج ربما أضر باستراتيجيات وجهود مكافحة الإرهاب فى منطقة الشرق الأوسط، وتكشف استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب عام 2026 عن تحول مهم فى فهم الولايات المتحدة لطبيعة التهديدات المعاصرة، ودور الإسلام السياسى فى تشكيل بيئات التطرف.
«أديب»، أوضح أن «الاستراتيجية الجديدة اهتمت بتسليط الضوء على خطر الإخوان، وربطت بينها وبين تنظيمى القاعدة وداعش، باعتبارها الرحم الذى أنتج كل هذه التنظيمات، وهى تنظيمات عابرة للحدود والقارات تهدد أمن واستقرار دول العالم، وهنا بدأت تركز الاستراتيجية على الخطر الأكبر للقضاء على ظاهرة الإرهاب وما ترتبط به من تنظيمات».
وشدد «أديب»، على أن «إدراج جماعة الإخوان الإرهابية ضمن الرؤية الأمريكية التى ربطت بين الجماعة وتنظيمات متطرفة مثل القاعدة وداعش يمثل تحولًا مهمًا فى رؤية الولايات المتحدة تجاه التنظيم، ويعكس صحة الموقف المصرى الذى حذر منذ سنوات من خطورة الجماعة باعتبارها جزءا من منظومة الإرهاب الدولي».
كما لفت إلى أن «الاستراتيجية الأمريكية التى وضعتها الولايات المتحدة لمواجهة الإرهاب فى عام 2026 لها دلالة مهمة حيث تعبر عن بُعد الرؤية للدولة المصرية فى مواجهة التنظيمات المتطرفة، خاصة أنه فى عام 2014 طلبت القاهرة من واشنطن تفكيك التنظيم ومواجهته ووضعه على قوائم الإرهاب، وذلك بالتزامن مع طلب واشنطن أن تنضم القاهرة إلى ما يسمى بـ»التحالف الدولى لمواجهة داعش»، فتحفظت الولايات المتحدة فى ذلك الوقت ورفضت توسيع نطاق المواجهة ليشمل جماعة الإخوان، وكان الرد المصرى آنذاك واضحا أنه «لا يوجد فرق بين إرهاب وإرهاب»، وأنه لا يمكن الفصل بين داعش والإخوان، باعتبارهما تنظيمات تتبنى الفكر المتطرف وتسعى لزعزعة استقرار الدول، لكن واشنطن تعود اليوم ضمن استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب عام 2026 وتسمى الإخوان جماعة إرهابية وتضعها مقاربة مع داعش والقاعدة، مما يعنى أن الرؤية المصرية كانت أكثر بُعدا فى مواجهة هذا التنظيم الذى مارس الإرهاب، وكان بمثابة الرحم الذى خرجت منه كل التنظيمات الراديكالية المتطرفة الموجودة فى المنطقة، ولذلك فهذا يعبر عن عمق وقوة وصدق التجربة المصرية فى التعامل مع خطر التنظيمات المتطرفة».
وعن تداعيات ذلك أوضح «أديب»، أن «ذلك يزيد من الضغط على التنظيم وعلى شبكاته المالية، حيث يُضيّق الخناق على التنظيم وعلى الشبكات المالية التى تدعمه، كما يقضى على الملاذات الآمنة للتنظيم فى الولايات المتحدة»، لافتا إلى أن التنظيم قد يستغل مناخ الديمقراطية فى القارة الأوروبية، منتقلا من عاصمة إلى أخرى تحت غطاء الحرية، مما دفع التقرير الأمريكى إلى دعوة العواصم الأوروبية إلى تبنى موقف أكثر قوة وحزما فى مواجهة التنظيم، حيث أشارت هذه الاستراتيجية إلى أن أوروبا قد تكون بؤرة جديدة لهذه التنظيمات إذا لم تنسق مع الشركاء فى مواجهة تنظيم الإخوان، وهذا الحصار الدولى قد يؤدى إلى تفكيك هيكل التنظيم وبنيته، ويعزز الجهود التى تبذلها الدول العربية فى مواجهة التنظيم والقضاء عليه.
إسلام الكتاتني، الباحث فى حركات الإسلام السياسي، اتفق مع الآراء السابقة، مضيفا أنه «لا شك أن تقرير الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026 والذى أقر فيه بأن الجماعات الإرهابية المتشددة مثل داعش والقاعدة قد خرجت من عباءة الإخوان، وأن الإخوان هم أصل ومنبع الإرهاب، يعتبر تحولا جديدا فى الاستراتيجية الأمريكية».
وقال «الكتاتني»: كثيرا ما حذرنا من أن تنظيم الإخوان هو المظلة الأكبر التى أنتجت كل حركات العنف والتطرف، وبالتالى نحن أمام تطور جديد أخذ شكل مقاربة شاملة للتعاطى الأمريكى مع الإرهاب ولا تفرق بين الإرهاب فى أشكاله المختلفة، وتبدو لأول مرة الولايات المتحدة حاسمة فى رؤيتها لتصنيف تنظيم الإخوان كونه هو المظلة التى أنتجت كل جماعات العنف والتطرف مثل القاعدة وداعش.
«الكتاتني»، أكد أن «هذا التحول الأمريكى يمثل صدمة كبيرة للإخوان، لما يمثله من نقلة نوعية فى كيفية التعاطى والتعامل الأمريكى مع الجماعة، وربما ستعطى الاستراتيجية الأمريكية الضوء الأخضر للعديد من الدول الأوروبية بأن تتخذ مثل هذا القرار ضد الإخوان، وكما شهدنا خلال الأشهر الماضية التحركات الأوروبية فى فرنسا وألمانيا والنمسا والسويد وسويسرا لاتخاذ إجراءات للحد من خطورة الإخوان وأفكارهم المتطرفة ومحاصرة التمويل والشبكات المالية للتنظيم، وأيضا محاصرة التنظيم فى مصر والعالم العربي، وهو ما سوف يضيق الخناق بشكل أكبر على التنظيم الإرهابي».
كما لفت إلى أن «التطورات الأخيرة تؤكد أن الجماعة تمر بواحدة من أضعف مراحلها، حيث تعانى من فقدان «شرعية القيادة» ومحاصرة دولية شاملة لمواجهتها ولتجفيف منابع التمويل، مما سيضيق الخناق عليه وسيزيد من عزلتها الدولية».
وتابع: فى تقديرى ووفقا لاستراتيجية التنظيم إذا تمت محاصرته ستلجأ الجماعة لتغيير جلدها، وستلجأ للفضاء الإلكترونى والتحركات بشكل فردى لتنفيذ سياسات التنظيم والدخول فى حالة من الكمون الهادئ ومحاولة إيجاد ملاذات بديلة آمنة لهم فى أمريكا الجنوبية ودول شرق آسيا، وأرى أنه يمكن للولايات المتحدة بالتنسيق مع الشركاء والحلفاء محاصرة تمويل الإخوان، فعندما يُحرم التنظيم من الشريان المالى لن يتمكن من تنفيذ سياساته؛ لأن المال هو عصب حركة هذا التنظيم، فإذا تم حصار قدرات التنظيم المالية لن يتمكن من مواصلة نشاطه، وبالتالى فالتحركات الأمريكية تجاه الإخوان تؤثر على نشاط الجماعة فى الخارج وتقيد حركتها الدولية.