فى السبت المقبل 25 إبريل، يكون مر 113 سنة على ميلاد الأديب عبدالحميد جودة السحار، صاحب القصص التاريخية، والإسلامية، والاجتماعية، كتب القصة، وكتب للسينما، ورأس تحرير مجلة السينما، وأسهم مع شقيقه سعيد فى دعم حركة النشر للجيل الصاعد ومنه نجيب محفوظ.
مَن منا لم يشاهد فيلم (مراتى مدير عام) ويعجب بفكرته البسيطة، والجديدة على المجتمع فى ستينيات القرن العشرين، ويستمتع بدور القديرة شادية، وصلاح ذو الفقار، وجملة من كبار الفنانين، إنه فيلم مأخوذ عن قصة للسحار.
مَن منا لم يستمتع بفيلم (أم العروسة)، ويعجب بالتفاصيل الدقيقة التى صورها الفيلم، وتعكس حياة الأسرة المصرية العادية، المنتمية للطبقة الوسطى، والتى تكافح لتربية وتعليم وتزويج أولادها وبناتها، ومثلت القديرة تحية كاريوكا الدور بطبيعية دون افتعال، ومعها عماد حمدى، الذى قام بدور زوجها، إنه فيلم مأخوذ عن قصة السحار.
ومَن منا لم يتابع فيلم (الحفيد) ويعجب بفكرته البسيطة، والدراما المصرية الاجتماعية التى تعكس مشاهد طبيعية وحقيقية من حياة كل أسرة مصرية، إنه أيضا مأخوذ عن قصة للسحار.
ومَن منا لم يستمتع بفيلم (ألمظ وعبده الحامولى)، هذا الثنائى الغنائى الكبير الذى سيطر على ساحة الغناء المصرى إبان عصر الخديو إسماعيل، وكان التنافس بينهما شديدا، مما جعل (عبده الحامولى) يسعى للارتباط بـ(ألمظ)، ونجحت مساعيه، وتزوجها، وشكلا معا قيمة فنية واحدة، وقدمت السينما قصتهما وعصرهما فى وجبة وثائقية مهمة أرخت للغناء المصرى قبل قرن ونصف القرن من اليوم، إنه فيلم مأخوذ عن قصة للسحار.
وما دمنا مع السينما، نتذكر معا أفلامًا أخرى مأخوذة عن قصص للسحار مثل (درب المهابيل، وشياطين الجو، والنصف الآخر)، وكلها أفلام اجتماعية بامتياز، وتوج السحار رحلته مع السينما برئاسة تحرير مجلة السينما سنة 1973م.
ونأتى للمحطة الأهم دراميا، مَن منا لم يتابع لسنوات طويلة المسلسل الدينى (لا إله إلا الله)، بحلقاته الكثيرة، والذى ظل يعرض لسنوات على شاشة التليفزيون المصرى، وكان المسلسل الدينى الوحيد آنذاك، وكانت الأسرة المصرية كلها تتابعه بشغف، ورغم تعدد الفضائيات والمنصات الدرامية اليوم، يظل هذا المسلسل أحد كنوز الدراما الدينية فى مصر، ويظل يمثل عرضه حالة خاصة جدا، ويمثل حنينا لجماهير عريضة شاهدته لأول مرة قبل ثلاثين سنة، إنه دراما فائقة الجودة بفنانين كبار، قدمت تاريخ التوحيد والأنبياء من لدن آدم ونوح وإبراهيم حتى موسى وعيسى ومحمد، عليهم الصلاة والسلام، فكانت حلقاته وجبة دينية دسمة، ولذلك لاقت رواجا شعبيا هائلا، ولليوم لا يزال لها معجبون كثر، قاموا بتحميل حلقات المسلسل من المنصات والمواقع الإلكترونية لحفظها كتراث شخصى فى مكتبة الأسرة، مثل حلقات إمام الدعاة الشيخ الشعراوى، إن هذا المسلسل الذى أصبح وثيقة درامية، وكنزا من كنوزنا، من إبداع السحار، فقد كتب عشرين جزءا من كتابه (محمد رسول الله والذين معه)، وهو الذى تحول لمسلسل دينى رائع.
والتأثير الأدبى الأكبر (للأخوين السحار)، عبدالحميد وسعيد جودة السحار، أنهما أسسا دارا للنشر، حين باع سعيد مصاغ زوجته، وأسس (لجنة النشر للجامعيين)، وبدأ بنشر كتب شقيقه عبدالحميد، وكتب نجيب محفوظ، وكان أقرب صديق لهما، كما نشرا روايات إحسان عبدالقدوس، والبدوى، وإدريس، والسباعى، وغيرهم الكثير من أدباء مصر آنذاك، وهى الدار التى ظلت فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات تهيمن على النشر الأدبى فى مصر، وقد تغير اسمها إلى (مكتبة مصر)، وكان الرسام ابن دار الهلال جمال قطب، صاحب الأغلفة المبهرة لمطبوعات الدار، وتظل علامات ولوحات فنية لليوم.
ليس هذا فحسب بل كان (الأخوان السحار)، عبدالحميد وسعيد، صاحبى التأثير الأكبر على محفوظ قبل نشر رواياته، وسعيد السحار هو الذى اقترح على محفوظ تقسيم روايته (بين القصرين) إلى ثلاث روايات، وكانت تتعدى الألف صفحة حين جاءه بها محفوظ مكتوبة، فنطق سعيد (إيه الداهية دى)، ولكنه رشح محفوظ لنوبل بسببها توقع فوزه، وقال ذلك نصا فى مذكراته التى حملت عنوان (مواقف من حياتى)، وكان عبدالحميد وسعيد السحار من أصدقاء (شلة قهوة عرابى) فى ميدان الجيش بالعباسيه، وكانا يناديان نجيب باسمه المجرد، وكان يفعل معهما نفس الأمر.
ويعترف الروائى الراحل محمد جبريل فى كتابه (نجيب محفوظ، صداقة جيلين) أن سعيدالسحار هو الذى أخذه معه فى سيارته للقاء نجيب بقهوة عرابى عندما كان يعد لكتابه (مصر فى قصص كتابها المعاصرين)، وأنه رافق الأخوين السحار كثيرا، ومرة جاء ذكر «محفوظ»، فقال سعيد إنه أعظم الروائيين المصريين على الإطلاق وأمن عبدالحميد على كلام شقيقه، وعلق جبريل: (أدركت أن مكانة محفوظ المتميزة بين أبناء جيله حقيقة يتقبلها العقلاء).
ولد «السحار» بالقاهرة فى 25 إبريل سنة 1913م، وحصل على بكالوريوس التجارة من جامعة فؤاد الأول (القاهرة) سنة 1937م، ونشر مقالاته وقصصه فى مجلتى (الرسالة) لصاحبها أحمد حسن الزيات، و(الثقافة) برئاسة أحمد أمين، ثم اتجه لكتابة القصة التاريخية الفرعونية فنشر (أحمس بطل الاستقلال)، وعمره 31 سنة، وكان المزاج العام الدعوة للمصرية، وهى الحقبة التى نشر فيها محفوظ رواياته الفرعونية الثلاث. ثم نشر السحار قصة (أميرة قرطبة).
وبدأ فى نشر قصصه الدينية التى تحولت لأفلام لاحقا مثل: (أبوذر الغفارى، بلال مؤذن الرسول، سعد بن أبى وقاص، وأبناء أبوبكر، والإسراء والمعراج، وحياة الحسين، وحياة محمد، وقصص الكتاب المقدس).
وكتب قصص (أبطال الجزيرة الخضراء، أرملة من فلسطين، الحصاد، الشارع الجديد، المستنقع، النقاب الأزرق)، وله كتابان (العرب فى أوروبا، والقصة من خلال تجاربى الذاتية).
إنه كاتب منتمٍ، منتمٍ لوطنه، وللعدالة الاجتماعية، ولقاهريته كمحفوظ صديق عمره، ولأصحابه، ولمَ لا وأصله يمتد إلى القطب الصوفى عبدالقادر الجيلانى ومنه إلى الإمام على بن أبى طالب.