فى إطار توجهات الدولة نحو تعزيز استقرار الأسرة المصرية، جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بضرورة إعداد وإقرار قانون شامل للأسرة المصرية يواكب المتغيرات الاجتماعية ويحفظ تماسك المجتمع، وبينما تتجه الأنظار إلى القوانين المنظمة لشئون الأسرة، يبرز ملف قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين كأحد أكثر الملفات انتظارا، بعد عقود طويلة من الجدل والمعاناة القانونية والإنسانية التى عاشتها آلاف الأسر المسيحية فى مصر، فعلى مدار ما يقرب من 85 عاما ظل هذا الملف معلقا بين نصوص قانونية قديمة وتفسيرات كنسية متعددة، ما أدى إلى تعقيد قضايا الزواج والطلاق وبطلان الزواج داخل المجتمع المسيحى.
مع تزايد المطالبات بإصدار قانون حديث يراعى تعاليم الكنائس المختلفة وينظم العلاقات الأسرية بشكل واضح، جاءت التوجيهات الرئاسية لتفتح باب الأمل أمام قانون طال انتظاره، واليوم يعود الملف إلى الواجهة بقوة وسط ترقب واسع من الأقباط والمهتمين بالشأن القانونى والحقوقي، لمعرفة ما إذا كان القانون الجديد سينهى سنوات طويلة من المعاناة، ويضع إطارا تشريعيا واضحا ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين ضمن رؤية أشمل لقانون الأسرة المصرية.
فى هذا الشأن قال يوسف طلعت، الممثل القانونى للكنيسة الإنجيلية، إن مشروع القانون يعد استحقاقا تاريخيا غير مسبوق وهو استكمال للاستحقاقات الدستورية التى تحققت منذ دستور 2014 ومنها قانون بناء الكنائس وقانون إنشاء هيئة أوقاف الطائفة الإنجيلية، فمشروع قانون الأسرة المصرية للمسيحيين هو الأول من نوعه؛ حيث إن ما يحكم مسائل الأحوال الشخصية للمسيحيين هى عدد من اللوائح، بالإضافة إلى بعض أحكام الشريعة الإسلامية، ولأول مره تتفق الكنائس المصرية على قانون موحد لمسائل الأحوال الشخصية وتتحد فيما بينها فى غالبية مواده وأحكامه، ولا توجد أى خلافات بين الكنائس فى مواد وأحكام القانون، ولكن توجد مواد خاصة بكل كنيسة تعبر عن خصوصيتها فى عقيدتها التى تميزها عن باقى الكنائس، لذا مشروع القانون انتصر لحقوق المرأة والطفل وراعى البعد الاجتماعى والثقافى والاقتصادى أيضا.
وأكد أنه ولأول مرة نجد قانونا ينص على تحرير وثيقة تأمينية تصرف لصالح الزوجة فى حالة حدوث الطلاق لسبب يرجع للزوج، فبنود مشروع القانون بمثابة ثورة فى مواد النفقات وتحديث كبير فى حقوق الطفل مثل حقه فى التعليم المناسب والترفيه وغيرها من المواد الأخرى، والقانون راعى أيضا مطالب الآباء وحقهم فى رؤية كريمة للطفل وأدخل الوسائل التكنولوجية الحديثة فى الرؤية، بالإضافة إلى حق الأب فى مبيت الأبناء معه لفترة وبضوابط، وهناك انتصار آخر للأب فى مسألة الحضانة ورفع ترتيب الأب فى أحقيته فى الحصول على الحضانة، فالقانون طال انتظاره منذ حوالى 48 عاما وسيصدر فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رغم أن أول مقترح بمشروع قانون للأسرة المصرية للمسيحيين تم تقديمه للكنائس كان فى 16 يونيو عام 1978.
وأوضح أنه جاءت توجيهات الرئيس السيسى اليوم متسقة مع نهج الدولة منذ عام 2019 حينما أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارا بتشكيل لجنة وزارية وممثل بها مسئولو الكنائس المصرية لإعداد ومناقشة مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، ومشروع القانون حظى باهتمام بالغ من الدولة ومناقشة جادة انتهت بتوقيع الكنائس على القانون وطرحه للحوار المجتمعي، فضلا عن أن مشروع القانون ارتكز على المادة الثالثة من الدستور التى تنص على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية، بالإضافة إلى أن مشروع القانون تم إرساله إلى كافة أجهزة الدولة المعنية والمجالس المتخصصة مثل المجلس القومى للمرأة والمجلس القومى للطفولة والأمومة والمجلس القومى لحقوق الإنسان، وقاموا بإرسال آرائهم ومقترحاتهم والتى وضعت بشكل جيد وكانت ذات أثر إيجابى فى صياغة القانون.
ولفت المستشار القانونى للطائفة الإنجيلية فى مصر، إلى أن القانون أنهى أى سجال أو نزاع قضائى متعلق بالمواريث بين المسيحيين وحسم الأمر بمساواة الرجل بالمرأة، ومشروع القانون من شأنه التخفيف عن كاهل القضاء كثيرا من النزاعات والقضايا وأولها قضايا الميراث وقضايا الخلع والطلاق المبنية على شهادات تغيير الملة المزورة، فمشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة المصرية المسيحية هو تجسيد حقيقى للمواطنة التى طالما تحدث عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي، وأشاد بها على أرض الواقع الدكتور القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية، وهذا يتضح من أول سطر فى مشروع القانون الذى جاء بعنوان «قانون الأسرة المصرية المسيحية» مرورا بباقى بنود القانون والتى ترسخ مبادئ المواطنة وتهتم بحقوق المرأة والطفل، وتراعى أيضا التوازن فى علاقات الآباء مع أبنائهم حتى فى حالة الطلاق.
وكشف «طلعت» أن مشروع القانون أكد أن مسألة الزواج هى شأن خاص بالكنيسة، لذا يجب أن تتم ممارسة الشعائر الدينية للاعتراف بصحة الزواج، أيضا رأى الكنيسة ضرورى ومحورى فى حالات الطلاق، لذا نص القانون على ضرورة قيام المحكمة باستطلاع رأى الكنيسة فى حالات الطلاق المعروضة عليها مع إلزام الكنيسة بالرد خلال أجل محدد، فضلا عن أن مشروع القانون راعى مصلحة الأسر فى تقليص مدة التقاضى أمام المحاكم وأيضا التخفيف عن كاهل القضاء بتحديد مواعيد محددة للتقاضى والحصول على رأى الكنيسة وغيرها من مراحل التقاضى، فقد أصبح لكل منها فترة وميعاد محدد، كما أن أسباب البطلان محددة بمدة أيضا؛ لكى لا تكون سيفا مسلطا طوال الوقت لتهديد استقرار الحياه الزوجية.
وفى سياق متصل، أعرب المستشار جميل حليم، ممثل الكنيسة الكاثوليكية فى مصر، عن امتنانه لاقتراب صدور مشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة المسيحية بعد عقود طويلة من الانتظار قاربت 85 عاما، فالكنائس بذلت محاولات متكررة عبر فترات سابقة لإصدار هذا القانون دون أن تكلل بالنجاح، موجها الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى على متابعته المباشرة لمشروع القانون فى إطار الاهتمام المتوازى بقضايا الأسرة المصرية بمختلف مكوناتها.
وأضاف أن أجهزة الدولة كان لها دور بارز فى إعداد وصياغة مشروع القانون مثمنا جهود وزارة العدل ممثلة فى هيئة التشريع، إلى جانب عدد من الجهات المعنية التى شاركت فى الاجتماعات كافة دون استثناء، وهيئة مستشارى مجلس الوزراء ووزارة شئون المجالس النيابية، حيث إن القانون تم التوافق عليه من قبل الكنائس الخمس «الكاثوليكية، الأرثوذكسية، الروم الأرثوذكس، الإنجيلية، السريان الأرثوذكس»، وتم إرسال قانون الأحوال الشخصية للأقباط إلى وزارة العدل تمهيدا لإرساله إلى مجلس الوزراء للموافقة عليه وإقراره من قبل مجلس النواب، فهذا المشروع يتميز فى العموم بعدة أمور فى غاية الأهمية منها: أن مشروع القانون خرج أولا من الكنائس الممثلة من خلال جهاتها المختصة.
وقال إنه مشروع توافقى وافقت عليه جميع الكنائس المشاركة، كما أنه مشروع كنسى يتوافق مع قوانين كل كنيسة، وكان لأجهزة الدولة دور المشاركة فى ضبط الصياغة القانونية والدستورية، بما يؤدى إلى عدم التعارض مع الدستور أو قوانين الدولة المتعددة، وهو يتوافق مع المادة الثالثة من الدستور، وبالتالى أغلق القانون الباب أمام تحايلات الماضى بتغيير الطائفة والملة ما بعد الزواج للتحايل على القانون بتطبيق الشريعة الإسلامية بالخلع للمرأة والطلاق بالإرادة المنفردة للرجل، ويتكون مشروع القانون من 138 مادة ومن سبعة أبواب.
وفى السياق ذاته، أوضح دياكون مرقس، خادم بإيبارشية دشنا للأقباط الأرثوذكس أن حصر أسباب الطلاق ومنع التوسع غير المنضبط فيها لا يتعارض مع تعاليم الإنجيل، بل يستهدف الحفاظ على قدسية سر الزيجة ومنع تفريغه من مضمونه الروحى وأبعاده الكتابية، التزاما بمقاصد هذا السر فى العقيدة المسيحية، وفيما يتعلق بإلغاء نظام الخلع وتنظيم قضايا الميراث، فإن الخلع باعتباره قائما على إنهاء العلاقة الزوجية بإرادة منفردة لا يستند إلى أساس كتابى فى المسيحية ولا يجد له جذورا فى التقليد الآبائي، فالزواج المسيحى لا يعد عقدا مدنيا قابلا للفسخ بل سر كنسى يقوم على عهد ومسئولية متبادلة أمام الله، أما بشأن الميراث، فإن الكتاب المقدس لا يضع إطارا تشريعيا تفصيليا جامدًا لتقسيمه، لكنه يرسخ مبادئ العدل ونبذ الظلم وصون الكرامة الإنسانية.
وبيّن أن تنظيم الميراث فى إطار كنسى يراعى مبادئ العدالة والمساواة وفقًا للشريعة المسيحية يعد توجها إيجابيا شريطة ألا يتحول إلى أداة للتمييز أو الإقصاء، وفيما يخص تشديد ضوابط الزواج الثانى فى المسيحية فهو ليس حقا واجباً بل استثناء رعوى مؤلم يُسمح به فى حالات انهيار الزواج الأول انهيارًا نهائياً بناءً على تعديات أو تجاوزات أخلاقية وروحية، وتشديد الضوابط وربطه بموافقة كنسية.
وشدد دياكون مرقس على أهمية توضيح أن هذه التعديلات، فى جوهرها لا تمثل خروجا عن تعاليم الكتاب المقدس إذا ما جرى تناولها برؤية متزنة بل تعكس محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين ضوابط سر الزيجة وقدسيته وبين تعقيدات الواقع المعاصر، والعديد من الإشكاليات الراهنة تعود فى الأساس إلى غياب الفهم العميق لقدسية هذا السر ولمعنى الأسرة بشكل عام، ويجب أن يظل دور الكنيسة قائمًا على الشهادة للحق والرحمة معًا، دون الانسياق وراء ضغوط الواقع على حساب مبادئ الإنجيل، حيث إنها حافظت على هذا النهج عبر تاريخها متمسكة بثوابتها دون انحراف.