رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الكبيرة.. نجاة الصغيرة


24-4-2026 | 13:28

.

طباعة
بقلـم: أشرف غريب

قبل أيام، تم الإعلان فى أبو ظبى عن فوز الفنانة الكبيرة نجاة الصغيرة بجائزة شخصية العام الثقافية ضمن فعاليات الدورة العشرين لمسابقة الشيخ زايد، وهى جائزة من أكثر الجوائز الثقافية رفعة وسموًا فى الوطن العربى، ليس فقط لأنها تمنح الفائز بها إلى جانب الميدالية الذهبية وشهادة التقدير قيمة مادية قدرها مليون درهم إماراتى (أكثر من 13 مليون جنيه مصرى)؛ وإنما لأن هذه الجائزة قد اكتسبت على مدى دوراتها السابقة احتراما وتقديرا هائلا جعلها محط اهتمام كل العاملين فى مجال الإبداع داخل الوطن العربى وخارجه، لأن جوائز هذه المسابقة لا تقتصر فقط على مَن هم ينطقون بالعربية، وإنما تشمل أيضا القائمين على خدمتها، حتى لو كانوا من غير الناطقين بها.

 

الذين يعرفون قيمة نجاة الصغيرة ويقدرون تاريخها وعطاءها أسعدهم كثيرا هذا النبأ السار، وأكدوا أن هذا الاختيار قد صادف أهله، وأن التكريم جاء فى وقته تماما وقد أوشكت المطربة الكبيرة أن تتم عامها التسعين، لكن آخرين قد أدهشهم هذا الاختيار، ولاموا على القائمين على الجائزة الوقورة اختيار مطربة لجائزة شخصية العام فى مسابقة ثقافية، فاز بها من قبل أسماء مهمة مثل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر، والدكتور على بن تميم من الإمارات، والدكتور يورجن هابرماس من ألمانيا، إلى جانب بقية القائمة.

وإلى كل هؤلاء أقول لهم: إن اختيار أحد المنتمين إلى عالم الغناء –للمرة الأولى فى تاريخ الجائزة– يؤكد أن القائمين على الجائزة لا ينظرون نظرة دونية إلى عالم الطرب، وإنما يعتبرون الثقافة بمعناها الواسع مظلة لكل مَن أسهم فى مجال الإبداع فنا أو ثقافة أو علوما اجتماعية، وأن اختيار اسم بعينه كى يكون شخصية العام الثقافية لا علاقة له بأفرع الجائزة المختلفة التى يفوز بها أصحابها عن عمل معين قاده إلى الفوز بها، وهذه الأفرع ليس من بينها ما يخص الإبداع الفنى وإنما تعنى فقط بما هو يتعلق بالنتاج الثقافى المباشر من أدب ونقد وترجمة وما إلى ذلك. أما جائزة شخصية العام، فهى تكريم عن مسيرة كاملة زاخرة بالعطاء والإبداع، وتتويج لمشوار طويل أفنى فيه صاحبه وقته وجهده من أجل إسعاد الإنسانية بعطائه الإبداعى.. فهل ينطبق هذا على نجاة الصغيرة؟

نعم بكل تأكيد..

لننظر إلى البيان الصادر عن الحساب الرسمى للجائزة عبر منصة إنستجرام، الذى قال إن هذا الاختيار جاء تقديرا لمكانتها بوصفها إحدى أبرز القامات الغنائية فى العالم العربى؛ إذ تميزت بصوتها الدافئ وأدائها الوجدانى الراقى، ما مكّنها من تأسيس مدرسة فنية متفردة فى الغناء العربى. وقد نجحت عبر هذا الأسلوب فى تقديم نموذج راقٍ للأغنية الكلاسيكية الحديثة، التى تجمع بين جمال اللحن وسمو الكلمة وصدق التعبير، مشيرا إلى الدور البارز الذى اضطلعت به نجاة فى غناء القصائد الشعرية، حيث استطاعت أن تنقل النصوص الأدبية إلى فضاء الغناء، فتجعل منها أعمالاً خالدة تتردد فى الذاكرة العربية، وأسهم هذا التوجه فى تعزيز حضور اللغة العربية فى وجدان الجمهور، وترسيخ محبتها لدى أجيال متعاقبة، فى وقت كانت فيه الأغنية تشهد تحولات متسارعة. كما خلّفت إرثا فنيا غنيا لا يزال حيًا فى الذاكرة الجمعية، ويُعد مرجعًا مهمًا فى تاريخ الموسيقى العربية.

وهذه المعانى التى أكدت عليها حيثيات الاختيار من جانب القائمين على جائزة الشيخ زايد هى ذاتها التى أشار إليها بيان اتحاد النقابات الفنية الثلاث فى مصر، فى تهنئته للفنانة الكبيرة على هذا الاختيار.

ودعونى أتوجه بالسؤال بكل صراحة لمَن يتوهمون أن بهذا الاختيار شبهة مجاملة أو مراعاة لسيدة توقفت عن الغناء منذ سنوات وهى تخطو بعمرها نحو التسعين: ألم تقدم نجاة الصغيرة إسهامًا حقيقيًا لكل متذوقى اللغة العربية بغنائها عشرات القصائد قربت بها هذه اللغة الرصينة إلى نفوس ووجدان المتلقى العربى ومدت بينه وبين اللغة العربية جسرا لا ينقطع من التذوق والفهم الصحيح لمفردات اللغة؟ خذ لذلك مثلا هذه الأعمال: أيظن، ماذا أقول له، إلى حبيبى، أسألك الرحيلا شعر نزار قبانى، لا تكذبى شعر كامل الشناوى، استغاثات شعر أبى نواس، اللهم حمدا شعر عبدالسلام أمين، إلهى ما أعظمك (حسين السيد)، أرخت عمان جدائلها (حيدر محمود)، أنا لياليك (جورج جرداق)، أنا ما زلت أهواه (خازن غبور)، حماكى الله (محمود حسن إسماعيل)، دومى بعزك درة الأمصار (على السبتى)، سبحت يا رب ذاتك (عبد الفتاح مصطفى)، لا تنتقد خجلى (سعاد الصباح)، وطنى وصباى وأحلامى (أحمد مخيمر).

هذه فقط مجرد أمثلة، وكما هو ملاحظ من تلك النماذج أنها ضمت كل ألوان الشعر الدينى والوطنى والعاطفى قديمه وحديثه، كما لم يقتصر غناء نجاة فقط للشعراء المصريين، وإنما امتد كذلك إلى كثير من الشعراء العرب، بل إن الشاعر السورى نزار قبانى كان صاحب النصيب الأكبر من هذه القصائد المغناة، وأزعم أنه بفضل نجاة الصغيرة ثم عبد الحليم حافظ عرف المستمع العربى من المحيط إلى الخليج فى المزارع والأزقة شعر نزار قبانى على وجه الخصوص، وهى مزية كبرى اضطلعت بها القصائد المغناة بأصوات كبار المطربين على مدى تاريخ الموسيقى العربية وعلى رأسهم سيدة الغناء العربى أم كلثوم والموسيقار محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وسعاد محمد، ومعهم بكل تأكيد صوت الحب.. الكبيرة.. نجاة الصغيرة.

كل التهنئة لجائزة الشيخ زايد التى اقترن اسمها أخيرًا باسم نجاة الصغيرة، وكل التهنئة أيضا للفنانة الكبيرة التى استحقت تقدير أمتها العربية على هذا المشوار الفنى الطويل.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة