رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

لبنان يسدد فاتورة «أطماع الاحتلال» و«إسناد إيران».. مُعضلة «حزب الله»


17-4-2026 | 13:03

.

طباعة
تقرير: منار عصام

فى مشهد لبنانى متشابك تعود فيه الذاكرة إلى احتلال دام 18 عاماً، ثم انسحاب، ثم حروب، ثم اغتيالات، جاءت الأيام الأخيرة لتعيد مجددًا طرح مجموعة من أبرز وأقدم الأسئلة الشائكة فى «قصة لبنان»، والتى تدور حول مستقبل حزب الله بعد سلسلة الضربات الإسرائيلية التى طالت صفوفه الأولى وبناه التحتية، وهل ما زال سلاح المقاومة يشكل «ذريعة» لدولة الاحتلال لخرق السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً، أم أن الصراع مع إسرائيل أكبر من أى مبرر؟.

 
 

«المصور»، من جانبها، استطلعت آراء عدد من الخبراء الاستراتيجيين حول واقع «حزب الله» الراهن وإلى ما سيئول وضعه فى المدى القريب والمتوسط، وسط انقسام لبنانى حاد، وتغيير فى موازين القوى إقليمياً، وضغوط دولية غير مسبوقة، والبداية كانت مع اللواء أركان حرب د. إبراهيم عثمان الخبير الاستراتيجي، نائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقاً، والذى قال: المتابع لتطورات الميدان عن كثب يرى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدراته العسكرية والسياسية على الساحتين اللبنانية والإقليمية، لكن هذه القدرات تتآكل مع الوقت، وذلك بسبب الضربات الإسرائيلية المتلاحقة خلال الفترة الماضية، إضافة إلى الاستهدافات التى طالت الحلفاء فى إيران، والتى أثرت بشكل كلى على أدوات الحزب وقدراته اللوجستية، غير أن حزب الله ما زال لاعباً مؤثراً، وإن كان بدرجة أقل مقارنة بما كان عليه قبل عام ونصف العام.

وعن مدى نجاح إسرائيل فى تسويق وجود سلاح حزب الله على أنه ذريعة دولية لانتهاك السيادة اللبنانية، قال اللواء «عثمان»: إسرائيل تنجح بشكل عام فى استخدام ورقة المقاومة -سواء حزب الله أو المقاومة الفلسطينية- لتبرير تحركاتها، لكن هذا النجاح يبقى جزئياً، لأن المجتمع الدولى يعرف جيداً الأهداف والمخططات الإسرائيلية التوسعية، ولولا الدعم الأمريكى المفرط سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، لما شعرنا بهذا النجاح أبداً، لكن صمت المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، يجعل من هذه الأفعال نجاحات إعلامية داخل إسرائيل فقط، فالواقع يشير إلى أن إسرائيل تخرق جميع القرارات الدولية، ولا تحترم القانون الدولى ولا القانون الإنسانى ولا ميثاق الأمم المتحدة.

وأضاف: نحن أمام تضارب بين مفهوم الدولة ومفهوم الميليشيات كسلاح موازٍ، وهذه المعادلة انكمشت فى تأثيرها داخل الساحة اللبنانية نتيجة الأحداث الأخيرة، والعقوبات الكبيرة التى وقعت على الشعب المدنى الطبيعى جراء ممارسات حزب الله، وإن كانت لاتزال موجودة لكن بشكل ضعيف جداً.

بعد اغتيال قيادات فى الصف الأول بحزب الله، وصف نائب أمين عام مجلس الدفاع الوطنى سابقاً، واقع الحزب التنظيمى والعقائدى بقوله: المقاومات عموماً تمتلك بنية مؤسسية قوية تعوض القيادات بشكل فوري، لأن لكل قائد صفوفاً ثانية وثالثة، وما يختلف هو الكاريزما، لكن التعويض مستمر، عمليات المقاومة تولد عناصر جديدة، لأن المقاومة لا تموت ما دام هناك احتلال.

واستشهد اللواء إبراهيم عثمان بـ«ضربة البيجر» التى أدت إلى مقتل وإصابة العشرات من القيادات والصفين الثانى والثالث فى وقت واحد، ومع ذلك ما زال الحزب يجند ويستكمل نفسه، وحدة الرضوان النخبوية، رغم أن عددها لا يتجاوز 2500 إلى 2800 فرد، ما زالت تؤثر وتقف أمام قوات الاحتلال فى الجنوب اللبناني، وتكبدها خسائر كبيرة، من بينها تدمير أربع دبابات حديثة.

وعن كيفية قيام حزب الله بإحداث صدمة أمنية داخل إسرائيل رغم التفوق العسكرى والتكنولوجى الإسرائيلي، أوضح الخبير الاستراتيجي، أن «حزب الله يستخدم تقنية إغراق المنظومات الدفاعية، فالقبة الحديدية الإسرائيلية تتكون من عشر منظومات، كل منظومة تغطى مسافة 15 كم، وتستطيع صد 70 صاروخاً فى وقت واحد، لكن عندما يطلق الحزب 20 صاروخاً تجاه قاعدة واحدة، فإن القاعدة تكتشف الـ20 لكنها تصد ستة فقط، فيخترق الباقي، هذا فكر فى استخدام الصواريخ وليس مجرد عدد»، مضيفًا أن «هذا الاختراق يحدث رغم أن إسرائيل تدافع عنها منظومات أمريكية وغربية فى البحر المتوسط، ورغم ذلك تنجح عمليات الإغراق وتصل الصواريخ إلى أهدافها».

ولفت اللواء إبراهيم عثمان إلى أن «إسرائيل كيان دائم البحث عن إثارة المشكلات والحروب، إذا انتهت ذريعة ستجد ذرائع أخرى، لأنها دولة محاربة، لن تتنحى إسرائيل إلا بالقوة، فهى لا تخضع إلا للقوة، وفى المقابل لا يجب إنكار أن تراجع النفوذ الإيرانى سيضعف حزب الله من الناحيتين المالية والعسكرية، ويرفع المخاطر الداخلية عليه، لكنه لن ينهيه، المتبقى سيشكل نفسه فى جماعات فردية وسيقاتل حتى النهاية، لأن المقاومة لا تموت».

كما لفت إلى أن «الحوار الوطنى قد ينجح فى الوصول إلى نتائج، لكنها ستكون ضعيفة جداً، بسبب التأثيرات السلبية الناجمة عن أعمال الاحتلال، وأفعال حزب الله، وفقدان الثقة بين فئات الشعب اللبنانى والحزب، وتضارب المصالح بين اللبنانيين أنفسهم».

وعن أبرز السيناريوهات المحتملة رجح اللواء إبراهيم عثمان، سيناريو أن «حزب الله فى المدى القريب (سنتان إلى ثلاث سنوات) سيحاول التحول إلى حزب سياسى مع الاحتفاظ بجناح عسكرى ثابت، لكنه لن يبقى بقدرته العسكرية السابقة فى المدى المتوسط، قد يحدث دمج تدريجى فى الدولة اللبنانية، لكن قدرات أجهزة لبنان حالياً محدودة على احتواء هذا الملف»، مشددًا على أن «صراع إسرائيل قائم بغض النظر عن وجود حزب الله من عدمه، لأن أهداف الحكومات الإسرائيلية المتطرفة هى التوسع الجغرافى على حساب الدول العربية، حزب الله هو المقاومة الحالية فى الجنوب، لكن لولاه لوجدت مقاومة من اتجاهات أخرى ومن داخل لبنان أيضاً».

وعن الرسائل التى يوجهها رئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لإيران عبر التصعيد فى لبنان، قال «عثمان»: الرسالة الرئيسية التى يسوقها نتنياهو أن العقاب كبير جداً على وجود حزب الله، فلا بد من إنهائه، لكن من الصعب إنهاء عناصر حزب الله فى المنظور القريب، كما أن إسرائيل هى القاعدة العسكرية الأمريكية المتقدمة فى الشرق الأوسط، هى لا تتصرف بعيداً عن واشنطن، مئات المليارات من الدولارات أنفقت على حروب إسرائيل، واقتصادها لا يستطيع تحمل هذه المبالغ دون الدعم الأميركي».

بدوره، أوضح اللواء أركان حرب محمد عبد المنعم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية السابق، أن «حزب الله يمر بمرحلة حرجة للغاية، والمشهد السياسى شهد تحولات جذرية بداية من طرد السفير الإيرانى من لبنان، وصولًا إلى خروج الرئيس اللبنانى وتصريحاته الحاسمة بأن لا أحد سيتفاوض باسم لبنان، واللقاء المرتقب بين السفير اللبنانى فى أمريكا ونظيره الإسرائيلى لاستكمال اتفاق السلام يضع حزب الله فى موقف بالغ الحساسية، خاصة أنه ليس طرفًا فى المفاوضات ولا جهة معترفًا بها للتفاوض».

وعن العلاقة الإيرانية بحزب الله قال «عبد المنعم»: فى التكتيك العسكري، هناك ما يُسمى باستراتيجية «استراحة المحارب»، ومن المتوقع أن إيران ستتبع هذا الأسلوب مع حزب الله فى الفترة المقبلة، تمامًا كما فعلت مع النظام السورى عندما أدركت ضعفه وعدم قدرته على الاستمرار فى ظل حكم بشار الأسد، وإيران تخلت عن سوريا رغم كونها حليفًا استراتيجيًا، وذلك مؤقتًا للخروج من المأزق الحالي، وتعزيز موقفها التفاوضي، وإدارة المفاوضات من موقع قوة، وهذا التخلى المؤقت سيجعل موقف حزب الله ضعيفًا للغاية من ناحية الدعم الإيرانى.

وحذر رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، من خطورة المشهد الداخلى اللبناني، موضحًا أن «الحكومة اللبنانية عندما تتفاوض مع الجانب الإسرائيلى فى أمريكا، سيبدو المشهد وكأن الجانبين الإسرائيلى واللبنانى (الحكومة) فى مواجهة واحدة ضد حزب الله، وهذا الوضع سيحدث شرخًا وانشقاقًا فى النسيج اللبناني، لأن حزب الله يمثل طائفة الشيعة وله مقاعد فى البرلمان ومجلس الوزراء».

وشدد اللواء «عبد المنعم» على وجهة نظره الثابتة، قائلاً: «يجب على المكون اللبنانى أن يتصالح مع نفسه أولاً، وأن يتنازل كل طرف عن شروطه لتوحيد النسيج اللبناني، وإذا لم يحدث ذلك، سنشهد تكرار المأساة الفلسطينية»، مضيفًا أن «ما حدث مع الفلسطينيين عندما عقدت منظمة التحرير هدنة مع إسرائيل ولم توافق حماس، أدى إلى حرب مدمرة، وأن مصر نجحت فى لمّ شمل الفصائل الفلسطينية على كلمة واحدة لمصلحة الشعب والقضية الفلسطينية، مما مهد للوصول إلى وقف إطلاق النار».

وعن الأهداف الإسرائيلية من التصعيد فى لبنان أوضح رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق، أن «إسرائيل دخلت الحرب لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: أولاً، منع البرنامج النووى الإيرانى أو البرنامج الصاروخى، ثانيًا، القضاء على أذرع إيران فى المنطقة أو التأثير على قدرتها على مساعدة هذه الأذرع، ثالثًا، إخراج المشكلة اللبنانية من أى اتفاق مستقبلى، وبالتالي، إذا اتفقت إسرائيل مع الحكومة اللبنانية وتم تهميش حزب الله، فإن إسرائيل تكون قد نجحت فى تحقيق أحد أهم أهدافها الاستراتيجية».

كما أعرب رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق عن اعتقاده بأن حزب الله سيتمكن من تجاوز هذه المرحلة، وذلك لأنه نظام يعتمد على مبدأ ولاية الفقيه فى تركيبه التنظيمى، وأشار إلى أن نعيم القاسم، الأمين العام الحالي، لا يزال موجودًا ومسيطرًا على الأمور، وقد صعد قيادات جديدة، ولا يزال لدى الحزب من المواقع والأسلحة ما يمكنه من استعادة قوته خلال فترة قصيرة، وأكد مجددًا على أن الحل الوحيد هو توافق الحكومة اللبنانية مع حزب الله على إعلاء مصلحة الدولة والشعب، وإلا ستستمر الاعتداءات الإسرائيلية حتى نهر الليطانى واحتلال المزيد من الأراضى.

وحول رؤيته للسيناريو المتوقع إذا التزم لبنان بتطبيق القرارات الدولية حرفيًا وأصبح السلاح بيد الدولة حصريًا قال اللواء «عبد المنعم»: إسرائيل دولة مارقة، لا تلتزم بالمواثيق والاتفاقات الدولية ستجد مبررات أخرى للاعتداء بأى ذريعة، سواء بدعوى خروقات أو استهداف قواتها أو غير ذلك، فإسرائيل ليس لها عهد، كما أن الحدود قد انتهكت بالفعل، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى نهر الليطاني، وهو احتلال لأراضٍ عربية جديدة. وحذر من صعود القوى الإسرائيلية والأمريكية دون رادع دولي، وإذا لم تجابه الدول العربية هذه التداعيات بتشكيل منظومة أمنية عربية قوية، فإن إسرائيل ستصبح ببساطة «بلطجى المنطقة».

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة