رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المراكب النيلية.. رحلة السعادة


11-4-2026 | 11:17

.

طباعة
جولة: منار عصام

فى مشهد سنوى يتجدد مع حلول أعياد الربيع سنويا، تتحول القاهرة إلى لوحة نابضة بالحياة، حيث تتدفق الحشود إلى ضفاف النيل احتفالا بعيد شم النسيم، إحدى أعرق المناسبات فى الثقافة المصرية، ومن قلب هذه الأجواء المفعمة بالبهجة أجرت مجلة «المصور» جولة ميدانية بين المراكب النيلية فى مناطق وسط البلد والزمالك وممشى أهل مصر، لرصد تفاصيل الاحتفال تزامنا مع عيد الربيع الذى يوافق الإثنين 13 أبريل 2026، كأول إجازة رسمية مدفوعة الأجر عقب عيد الفطر، وفق الأجندة الرسمية.

 

بدأت جولتنا عند منطقة أسفل كوبرى قصر النيل، مقابل حديقة الجزيرة السابقة وعند تمثالى الأسدين الشهيرين، هنا التقينا بعمرو الدجوي، أحد العاملين المخضرمين فى مجال المراكب النيلية الذى يعمل فى هذا الميدان منذ عام 2012، يقف بكل فخر أمام مركبه فى هذه المنطقة التى لا زالت تحافظ على ميزة تنافسية قوية؛ رغم المنافسة المتزايدة من ممشى أهل مصر والزمالك، قائلا: «منذ افتتاح ممشى أهل مصر والزمالك، شهدنا انخفاضًا نسبيًا فى الإقبال، لكننا نعوض ذلك بأسعارنا المنخفضة التى تجعلنا خيارًا مفضلًا للكثيرين. سعر الفرد هنا 25 جنيهًا فقط لجولة مدتها نصف ساعة، بينما يصل السعر فى المناطق المجاورة إلى 50 أو 75 جنيهًا، وقد يبلغ 100 جنيه فى بعض الحالات الخاصة. سعرنا موحد للجميع، مصريين وأجانب، دون أى تمييز».

ووصف الدجوى مسار رحلة المراكب بدقة، ففى الاتجاه الأيمن، تمر المركب أمام فندق الفور سيزونز نايل بلازا، فندق حياة، مجلس الثورة، هرم النيل، سوفتيل، المسلة، قصر السادات، عمارة فريد، ثم تعود، أما الاتجاه الأيسر فيتجه نحو منطقة الباشا، الإمبراطورية، عمارة الإذاعة والتلفزيون، وزارة الخارجية، والبرونزالدو، قبل العودة، فهذه المسارات توفر إطلالات بانورامية على معالم القاهرة التاريخية والحديثة، مما يجعل الرحلة تجربة ثقافية وترفيهية متكاملة، وهناك تنوع بين الزوار ففى الأيام العادية والأعياد مثل شم النسيم يغلب الشباب على الإقبال لأنهم يفضلون الحركة والمرونة، أما فى إجازات نهاية الأسبوع مثل الجمعة فتزداد العائلات، وفى الأعياد يخشى بعض أولياء الأمور الاحتكاك؛ لذا يفضلون الأماكن الآمنة مثل منطقتنا، وهنا المكان يتميز بالأمان التام، فالمراكب توفر وسائل السلامة الكاملة بما فى ذلك السترات النجاة والإجراءات الوقائية.

وخلال جولتنا الصحفية فى المراكب النيلية بمناسبة قدوم فصل الربيع، شكلت آراء العائلات الزائرة الجزء الأكثر دفئا وحيوية، عاكسة ارتباط المصريين العميق بنهر النيل كمتنفس طبيعى ومكان مثالى للاحتفال بعيد الربيع بعيدًا عن زحام الحدائق، فمن جانبها قالت نبيلة محمد، إحدى الأمهات فى الأربعينيات ولديها ثلاثة أولاد وبنت، برفقة أخواتها: «كنا هنا السبت الماضى مع العائلة بأكملها، واستمتعنا بأجواء رائعة لا تُوصف. الأسعار معقولة جدًا، والجو جميل، والأمان يسود المكان من كل جانب. أحب كورنيش قصر النيل وأعشقه، فأشعر بالطمأنينة التامة عندما أحضر أولادى إلى هنا. فى شم النسيم هذا العام أردنا شيئًا مختلفًا عن الزحام فى الحدائق، فالنيل يمنحنا هدوءا وانتعاشا يناسب روح العيد الربيعي. الأطفال يلعبون بأمان تام، ونحن نتحدث ونضحك وسط أمواج النيل الهادئة. هذه التجربة تجعلنا نشعر وكأننا نعيش لحظات فرعونية حقيقية فى قلب القاهرة الحديثة».

بينما أضافت علا فهيم، سيدة أخرى من أسرة مكونة من سبعة أفراد، قائلة: «جئنا خصيصًا لشم النسيم لأن الأسعار هنا رخيصة مقارنة بأى مكان آخر. خمسة وعشرون جنيهًا للفرد تجعل الرحلة متاحة لنا كعائلة متوسطة الحال. الجو هنا نظيف والمركب آمن تمامًا ولا نشعر بأى خوف على الأطفال. فى السابق كنا نذهب إلى الحدائق العامة لكن الزحام والغبار يفسدان المتعة. أما هنا فالنسيم الربيعى يأتى مباشرة من النيل والمناظر المتغيرة أمام أعيننا من فنادق الزمالك إلى معالم وسط البلد تضيف متعة بصرية لا تُقاوم. أبنائى يسألوننى متى نعود مرة أخرى، وأنا أعدهم بأن شم النسيم القادم سيكون هنا أيضًا».

أما خالد سعيد، أب لأسرة مكونة من خمسة أفراد، فقال بحماس واضح: «اخترنا المركب أسفل كوبرى قصر النيل لأنه يجمع بين الاقتصادية والراحة. فى أيام العيد مثل شم النسيم يبحث الشباب عن الإثارة، أما نحن كعائلة فنبحث عن السلام والتقارب الأسري. هنا نستطيع أن نتحدث معًا دون انقطاع، ونشاهد غروب الشمس أو الإضاءات الليلية على ضفاف النيل. السلامة عالية جدًا والمركب مجهز بسترات النجاة والإجراءات الوقائية، مما يطمئن قلبى كأب. مقارنة بممشى أهل مصر الذى أصبح مزدحمًا فى بعض الأحيان، هذه المنطقة توفر هدوءًا وخصوصية أكبر. الأطفال استمتعوا بالجولة يمينًا ويسارًا، وسألوا عن أسماء المبانى التاريخية التى مررنا بها، فأصبحت الرحلة درسًا ثقافيًا ممتعًا إلى جانب الترفيه».

وتحدثت فريدة شادي، جدة برفقة أحفادها الثلاثة وقد تجاوزت الستين عامًا عن ذكريات الاحتفال بالربيع قديما قائلة: «أنا أتذكر كيف كنا نحتفل بشم النسيم فى الستينيات والسبعينيات على ضفاف النيل. اليوم مع التطور أصبحت المراكب أكثر أمانًا ونظافة. جئت مع ابنتى وأحفادى لأننى أشعر بالراحة هنا. الجو معتدل فى المساء، والأسعار المنخفضة سمحت لنا باصطحاب الجميع دون عبء مالي. أهم شيء هو الأمان؛ لا أخشى على الأحفاد من أى احتكاك أو مخاطر، فالمكان عائلى بامتياز. النسيم يحمل رائحة الربيع الحقيقية، والمنظر من المركب يجعلنى أشعر بالفخر ببلدى وبنيلها الخالد».

وقالت لبنى محمد، سيدة شابة متزوجة حديثًا، جاءت برفقة زوجها وأختها الصغيرة: «شم النسيم هذا العام مختلف بالنسبة لنا. بعد الزواج، أردنا فسحة عائلية هادئة. اخترنا الرحلة النيلية لأنها رومانسية وعائلية فى الوقت نفسه. الأجواء هنا تجمع بين البهجة والخصوصية. الأطفال يلعبون بأمان، ونحن نستمتع بالحديث والتصوير. مقارنة بالمتنزهات الأخرى، النيل يوفر انتعاشًا طبيعيًا لا يوجد فى أى مكان آخر. الأسعار المناسبة شجعتنا على التكرار، خاصة أن إجازة شم النسيم متصلة هذا العام، فيمكننا القدوم مرات عديدة».

وأضاف رامى كمال، أب لعائلة كبيرة تضم ثمانية أفراد: «فى ظل الظروف الاقتصادية، كنا نبحث عن خيار اقتصادى يناسب الجميع. خمسة وعشرون جنيهًا للفرد جعلت الحساب سهلًا. الرحلة قصيرة (نصف ساعة) لكنها كافية للاستمتاع الكامل. الأطفال انبهروا بالمبانى والفنادق المطلة على النيل، وسألوا عن تاريخها. هذا يعزز الوعى الثقافى لديهم. أما الأمان فهو الأهم؛ لا داعى للقلق من الزحام أو الحوادث. فى أعياد مثل شم النسيم، يفضل الشباب الأماكن الصاخبة، لكن العائلات مثلنا تجد فى هذه المراكب الملاذ المثالى للراحة والترابط الأسري».

وأشارت نهال سيد، ربة منزل، إلى احتفالها بشم النسيم قائلة: «جئنا من منطقة بعيدة خصيصًا لقضاء شم النسيم على النيل. الجو هنا يختلف تمامًا عن أى مكان آخر؛ النسيم بارد ومنعش، والمياه تعكس ألوان السماء الربيعية. الأطفال يأكلون الفسيخ والبيض الملون على المركب، ويشعرون بأنهم فى رحلة بحرية صغيرة. الأمان العالى يطمئننا، خاصة مع وجود وسائل السلامة. مقارنة بممشى أهل مصر الذى أصبح مكلفًا قليلًا فى أيام العطلات، هذه المنطقة أفضل للعائلات الكبيرة. سنعود حتمًا فى كل شم نسيم قادم».

ومن جانبهم، أكد العاملون فى المنطقة أن المراكب تخضع لنظام صارم من الترتيب والصيانة الدورية؛ حيث يتم رفع المركب وصيانته كل سنتين تحت إشراف مباشر من إدارة الملاحة النهرية، مع وضع مواد مضادة للتآكل الناتج عن مياه النيل، وأصحاب المراكب غالبًا ما يكونون من أسر متوارثة لهذه المهنة منذ عقود طويلة، تعود جذورها أحيانًا إلى الخمسينيات أو قبلها، حيث كان الآباء والأجداد يمارسونها، وكثير من هؤلاء العاملين حاصلون على مؤهلات جامعية عالية، ويتعاملون باحترافية مع الزوار، سواء المصريين أو الأجانب، وبعضهم يتحدث الإنجليزية بطلاقة؛ مما يساعد فى خدمة السياح الدوليين الذين يزورون القاهرة للاستمتاع بجمال النيل.

كما أوضحوا أن بناء مركب جديد بمبلغ يتراوح ما بين 600 ألف جنيه إلى ثلاثة ملايين جنيه حسب الجودة والتجهيزات، ويُعتبر العمل فى هذا المجال رزقًا يعتمد على الجهد اليومى والقدرة على جذب الزبائن، خاصة فى مواسم الأعياد مثل شم النسيم، حيث يزداد الطلب على الرحلات القصيرة فى فترة المساء والغروب، وفى أوقات الذروة، خاصة المساء فى فصل الصيف أو فترات الغروب الرائعة، يزداد الإقبال بشكل ملحوظ، أما فى الشتاء، فيكون الصباح أقل ازدحامًا، بينما يفضل الكثيرون الفترة المسائية للاستمتاع بالجو المعتدل، والمنطقة تتمتع بنظام داخلى يمنع التعدى أو المنافسة غير الشريفة، فالجميع يلتزمون بقواعد العمل المشتركة، مما يحافظ على جو مهنى محترم، وبعض الزوار يفضلون استئجار مركب خاص للعائلة أو المجموعة، للاستمتاع بحرية أكبر بعيدًا عن الزحام، حيث يمكنهم الغناء أو اللعب أو مجرد الاسترخاء وسط أجواء خاصة.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة