تكتسب الاحتفالات هذا العام طابعًا خاصًا، فى ظل حرص الأسر على استعادة اللحظات البسيطة التى تجمعهم، حيث تتحول الحدائق العامة إلى مساحات نابضة بالحياة، تتداخل فيها أصوات الضحك مع ألوان الطبيعة. وفى هذا السياق، تبرز حديقة الأزهر كواحدة من أهم الوجهات التى يقصدها المواطنون، لما تتمتع به من موقع فريد يطل على القاهرة التاريخية، ومساحات خضراء واسعة تمنح الزائرين فرصة للاستمتاع بيوم مختلف.
تقع الحديقة فى قلب القاهرة التاريخية، وتُطل من ارتفاعها على مشهد بانورامى رائع يضم مناطق مثل القاهرة الإسلامية، وقباب المساجد التاريخية، وعلى رأسها منطقة القلعة التى تضم العديد من الآثار الإسلامية المهمة. هذا الموقع المميز يجعل زيارة الحديقة ليست مجرد نزهة وسط المساحات الخضراء، بل تجربة بصرية وثقافية فى الوقت نفسه، حيث يمكن للزائر أن يستمتع برؤية تاريخ المدينة ممتدًا أمامه عبر العصور.
كما تُعد الحديقة نقطة جذب مهمة للزائرين من داخل مصر وخارجها، خاصة السياح الذين يبحثون عن أماكن توفر لهم إطلالة شاملة على القاهرة التاريخية، بعيدًا عن الزحام، مع فرصة لالتقاط صور فريدة تجمع بين الطبيعة الخلابة والمعالم الأثرية. ولهذا أصبحت من الوجهات الأساسية فى الرحلات السياحية داخل العاصمة.
ومع إشراقة شمس هذا اليوم، تبدأ ملامح الاحتفال فى التشكل تدريجيًا، حيث تتوافد العائلات من مختلف الأعمار والخلفيات، حاملة معها عادات متوارثة، وأطعمة تقليدية، حاملين معهم ملامح الفرح وسلال الطعام التقليدية التى ارتبطت بهذه المناسبة. مشهد العائلات وهى تفترش المسطحات الخضراء، والأطفال وهم يركضون بين الأشجار، يعكس صورة حية لعيد يجمع بين البساطة والبهجة، مما يعكس روحًا من التفاؤل تعكس عمق هذا العيد فى الوجدان المصرى.
لم تكن هذه الأجواء وليدة اللحظة، بل سبقتها استعدادات مكثفة من إدارة حديقة الأزهر، التى حرصت على رفع درجة الجاهزية لاستقبال الأعداد الكبيرة من الزائرين، التى تشمل تكثيف أعمال النظافة والصيانة، والتأكد من جاهزية المساحات الخضراء، فضلاً عن مراجعة أنظمة الإضاءة وشبكات الرى.
كما تتم زيادة أعداد أفراد الأمن والعمال خلال هذه الفترة، لضمان الحفاظ على النظام وتقديم أفضل خدمة ممكنة للزائرين، مشيرًا إلى أنه تم وضع خطة متكاملة لإدارة الحشود، خاصة فى المناطق الأكثر إقبالًا داخل الحديقة، حيث إن الحديقة تحرص على توفير بيئة آمنة ومريحة لجميع الفئات، مع الالتزام بتطبيق القواعد المنظمة، بما يضمن الحفاظ على الطابع الحضارى للمكان، لا سيما أن التعاون بين الزائرين وفريق العمل يسهم بشكل كبير فى نجاح اليوم.
إقبال جماهيرى وأجواء احتفالية
ومع مرور ساعات النهار، تزايدت أعداد الزائرين بشكل ملحوظ، حيث امتلأت الممرات والساحات بالعائلات والشباب، فى مشهد يعكس الشعبية الكبيرة التى تحظى بها الحديقة.
وعلى امتداد المساحات الخضراء، توزعت الأسر فى مجموعات صغيرة، البعض فضل الجلوس فى المناطق الهادئة، بينما اتجه آخرون إلى الأماكن المطلة على أسوار القاهرة التاريخية، التى تضفى على المشهد طابعًا خاصًا يجمع بين الطبيعة والتراث.
اللافت فى الجولة كان تنوع الأنشطة التى مارسها الزائرون، بين تناول الطعام، واللعب، والتصوير، والاستمتاع بالهواء الطلق. كما انتشرت مظاهر الاحتفال التقليدية، وتناول الفسيخ والرنجة، فى مشهد يعكس استمرار العادات المصرية الأصيلة.
اليوم ده بنستناه من السنة للسنة
تتنوع حكايات الزائرين داخل حديقة الأزهر، لكنها تتفق جميعًا على معنى واحد هو البهجة.
يقول عم حسن، وهو موظف على المعاش جاء بصحبة أسرته: «شم النسيم بالنسبة لنا مش مجرد خروجة، ده يوم بنستناه من السنة للسنة. بنرجع فيه لذكريات زمان، ونحاول نعيش نفس الأجواء مع أولادنا وأحفادنا».
أما سارة، طالبة جامعية، فترى أن الاحتفال داخل الحديقة له طابع مختلف: «المكان هنا بيديك طاقة إيجابية. المساحات الخضراء والهواء النضيف بيخلوا اليوم مميز، خصوصًا لما تكون مع أصحابك».
ويضيف أحمد، شاب فى الثلاثينيات: «اخترنا المكان لأنه منظم وآمن، وكمان موقعه مميز. تقدر تشوف القاهرة من فوق وتحس بجمالها بشكل مختلف».
كان الأطفال هم الأكثر حضورًا وتأثيرًا فى أجواء الاحتفال، حيث ملأت ضحكاتهم أرجاء المكان، وهم يمارسون ألعابهم المختلفة، سواء بالكرة أو الجرى أو ركوب الدراجات الصغيرة، أو اللعب داخل المنطقة المخصصة للألعاب.
تقول الطفلة مريم، بابتسامة واسعة: «أنا كنت مستنية اليوم ده عشان اجرى والعب مع صحابى، والنهارده أحلى يوم فى السنة».
بينما يوضح والدها: «الأطفال هم أكتر ناس بتحس بفرحة اليوم ده، وده بيخلينا نحرص نخرجهم كل سنة مهما كانت الظروف، خاصة أننا بتعيش تقلبات جوية تمنع الخروج من المنزل وسط الأمطار والرياح والأتربة، لذلك استغلينا أن صفاء الجو والذهاب للحديقة».
وتحرص العديد من الأسر على استغلال هذه المناسبة لقضاء وقت ممتع مع أبنائها، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية، وهو ما بدا واضحًا فى حالة الارتياح التى سيطرت على الجميع.
ومن بين الزائرين، كان هناك مَن يفضل الهدوء، مثل محمد، الذى جلس فى إحدى الزوايا البعيدة:
«أنا جيت هنا عشان أستمتع بالهدوء. رغم الزحمة، لسه فيه أماكن تقدر تقعد فيها وتفصل شوية عن ضغط الحياة».
فيما أشارت دينا، موظفة، إلى أهمية هذه المناسبات فى كسر الروتين:
«إحنا محتاجين الأيام دى جدًا، لأنها بتفصلنا عن الشغل والضغوط والدراسة والامتحانات.. يوم واحد كفيل يغير مودك تمامًا».
أما أميرة، ربة منزل، فقالت:
«بحب أجيب أولادى هنا عشان يلعبوا براحتهم. فى البيت بيبقوا محبوسين بين المذاكرة والموبايل، لكن هنا بيجروا ويضحكوا طول اليوم».
كما عبّر أحد كبار السن عن سعادته بالأجواء قائلًا:
«زمان كنا بنحتفل بنفس الطريقة تقريبًا، وده معناه أن العادات الحلوة دى لسه مستمرة، وده شيء يفرّح».
وعلى الجانب الآخر، وجدنا مجموعة من الطالبات الجامعات الآتى نظمن رحلة للحديقة محاولة لتعويض غياب أسرهن خلال هذه المناسبة، قالت أميمة محمد: «إحنا مجموعة الطالبات المغتربات قررنا أننا نقضى اليوم فى الحديقة، محاولة لتعويض غياب الأسرة، وكل واحدة فينا جابت الأكلة اللى بتحبها، واتجمعنا عشان نقضى اليوم سوا وسط الجو الجميل ده».
وخلال التحرك داخل حديقة الأزهر، بدا واضحًا انتشار فرق العمل فى مختلف الأماكن، حيث يقوم العمال بأعمال النظافة بشكل مستمر، فيما يتولى أفراد الأمن تنظيم الحركة ومنع التكدس فى بعض المناطق.
ويعكس هذا الانتشار حالة من الجاهزية التى تسعى الإدارة من خلالها إلى الحفاظ على المظهر العام، وتقديم تجربة مريحة للزائرين، خاصة فى ظل الأعداد الكبيرة التى تشهدها الحديقة خلال شم النسيم.
كما لوحظ التزام أغلب الزائرين بالتعليمات، وهو ما أسهم فى تقليل أى مظاهر سلبية، والحفاظ على الطابع الحضارى للاحتفال.
لا يقتصر الاحتفال بشم النسيم على كونه مناسبة ترفيهية، بل يحمل دلالات ثقافية وتاريخية عميقة، تعكس ارتباط المصريين بالطبيعة وتجدد الحياة.
فعلى مرّ العصور، ظل هذا العيد حاضرًا فى وجدان المصريين، رغم اختلاف الأزمنة وتغير الظروف، وهو ما يتجلى فى حرصهم المستمر على إحيائه بنفس الطقوس تقريبًا.
وتأتى الحدائق العامة، وفى مقدمتها حديقة الأزهر، كمساحة تجمع بين الماضى والحاضر، حيث يجد الزائرون فرصة للاحتفال فى بيئة تجمع بين الجمال الطبيعى والعمق التاريخى.
وخلال جولتنا لاحظنا حرص العديد من الزوار على التقاط الصور للمناظر الطبيعية المميزة داخل الحديقة، خاصة تلك الإطلالات التى تكشف عن القاهرة من ارتفاعات مختلفة، حيث يمتزج المشهد الطبيعى بالمشهد العمرانى، فى لوحة بصرية فريدة تعكس جمال المدينة وتنوعها، كما يحرص البعض على السير فى الممرات الطويلة، والاستمتاع بنسمات الهواء، فى تجربة تجمع بين الراحة النفسية والاسترخاء.
ورغم انتهاء اليوم، تبقى الذكريات التى صنعها الزائرون شاهدة على أهمية هذه المناسبة، التى تمنح الجميع فرصة للتلاقى والاحتفال بالحياة.
وتظل حديقة الأزهر واحدة من أبرز الأماكن التى تنجح كل عام فى احتضان هذه الأجواء، مقدمة نموذجًا لكيف يمكن للمساحات العامة أن تكون متنفسًا حقيقيًا للمجتمع، وملتقى يجمع بين مختلف الفئات فى أجواء من البهجة والتناغم.