رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

احتفال قدماء المصريين المقدس


11-4-2026 | 11:15

.

طباعة
تقرير: حسن الخطيب

منذ آلاف السنين لم يكن الربيع فى مصر مجرد فصل مناخى عادى، بل كان فصلا مقدسا ينتظره المصرى القديم بوصفه بداية جديدة للحياة، ففى قلب الحضارة الفرعونية ارتبطت الطبيعة بالدين والزمن بالعقيدة؛ ليصبح «عيد الربيع» أو ما عُرف لاحقا بـ«شم النسيم» أحد أقدم الأعياد التى عرفتها الإنسانية، وتشير المصادر التاريخية إلى أن هذا العيد يعود إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام، حيث بدأ الاحتفال به فى مصر القديمة مع بدايات الأسرات وربما قبل ذلك، تحت مسمى «شمو» الذى يعنى «بعث الحياة» أو «خلق الكون».

 
 

ولم يكن هذا العيد مجرد مناسبة احتفالية، بل كان انعكاسا لفلسفة لدى المصرى القديم الذى رأى فى تعاقب الفصول تجسيدا لدورة الحياة والموت والبعث، ومع حلول الربيع كانت الأرض تستعيد خضرتها، ويهب النيل الحياة من جديد فتتجدد معها الروح الإنسانية وتُبعث الآمال، لذلك ارتبط العيد بفكرة الخلق الأول حيث اعتقد المصريون أن هذا اليوم يمثل بداية الزمن نفسه، وأن الشمس فى شروقها تمنح البركة لكل ما هو حي.

وانعكست هذه الرؤية على طقوس الاحتفال التى لم تقتصر على الممارسات اليومية بل امتدت إلى الفن والنقوش التى زينت جدران المعابد والمقابر، لتوثق تفاصيل الحياة والاحتفالات، ومن خلال هذه النقوش استطاع علماء المصريات إعادة رسم ملامح هذا العيد وفهم رموزه، واليوم وبعد مرور آلاف السنين لا يزال المصريون يحتفلون بنفس العيد تقريبا وبنفس الطقوس والروح، مما يجعل “شم النسيم” ليس مجرد تقليد شعبى بل دليل حى على استمرارية الحضارة المصرية عبر العصور.

وفى قراءة تحليلية للتراث المصرى القديم حول أعياد الربيع، كشف الدكتور وسيم السيسى، المفكر والباحث فى علم المصريات، عن جذور الاحتفالات الربيعية فى مصر، مؤكدا أن ما يعرف اليوم بـ «شم النسيم» هو فى الأصل «عيد الخلق» لدى المصريين القدماء، والذين آمنوا بأن هذا التوقيت هو الاعتدال الربيعى ويمثل لحظة ميلاد الكون، وكان الاحتفال يبدأ قديما فى 21 مارس حيث يخرج المصريون فى الفجر لاستقبال «أنفاس الله» مع بزوغ الشمس، ومع دخول المسيحية وتزامن هذا الموعد مع فترة الصيام الكبير، قررت الكنيسة المصرية الأرثوذكسية تأجيل الاحتفال ليكون دائما يوم الإثنين الذى يلى «عيد القيامة» (Resurrection)، وفى الغرب يسموه «الايستر» (Easter)، وهو الرابط الذى استمر حتى يومنا هذا.

وأضاف أن قدماء المصريين كانوا على دراية كاملة بأصل التكوين البشرى، فمن خلال أبحاثه فى كتاب «الطب عبر الثقافات» (Medicine Across Cultures)، وبالاستناد إلى توثيق البروفيسور الراحل «عادل إمام» (عالم القلب الشهير)، تم إثبات أن المصريين عرفوا «البويضة» كأصل للحياة قبل آلاف السنين، وأراد أن يثبت نظرية الدكتور عادل إمام فقام بجولة فى الأقصر، وتوجه إلى جداريات مقبرة رمسيس السادس بوادى الملوك؛ ليرى بنفسه توثيق مراحل دقيقة لانقسام البويضة الملقحة، مما يشير إلى استخدامهم لعدسات مكبرة بدائية أو تقنيات بصرية متقدمة لم يفك العلم الحديث كل أسرارها بعد.

وأوضح الدكتور وسيم السيسى أن البيض كطعام فى عيد الربيع لم يكن للتلوين فقط، بل كان المصرى يكتب أمنياته للعام الجديد على البيضة؛ فإذا انكسرت بيضة الخصم فى «المصادمة» وبقيت بيضته اعتبر ذلك نبوءة باستجابة الله لدعائه، ومن بين الأطعمة التى خصصها المصرى القديم فى هذه المناسبة السمك المملح وهو حاليا (الفسيخ)، فيعتبره المصريون القدماء رمزا لاستمرارية الحياة، وكان يوضع مع المتوفى كغذاء لـ»الكا» (القرين)، معتبرين أن بويضات السمك (البطارخ) رمز للخصوبة والخلود، ومنها الملانة وهو (الحمص الأخضر) فكانت تسمى «أجراس الربيع»، لأنها تتمايل مع الريح وتصدر صوتا فكان المصريون يطلقون عليها «أعراس الربيع».

من جانبه، قال الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية: لم يكن الربيع فى مصر فصل تحول موسمى عادى بل كان لحظة كونية مكتملة الدلالة تتجلى فيها فلسفة عميقة ترى فى الطبيعة كتابا مفتوحا للخلق والبعث والتجدد، فقد عاش المصرى القديم فى قلب هذا الإيقاع الكونى يراقب بعين دقيقة عودة الخضرة إلى الحقول وامتلاء الهواء بعطر الزهور، وتدفق الحياة فى الكائنات جميعا، فربط بين هذه الظواهر وبين عقيدته الراسخة فى الخلود والانبعاث، ومن هنا أصبح الربيع رمزا حيا لدورة الحياة الأبدية التى تتجسد فى أسطورة الإله أوزيريس، الذى قتل ثم عاد إلى الحياة، ليؤكد أن الموت ليس نهاية بل بداية جديدة فى مسار لا ينقطع.

ونوه إلى أنه التقويم المصرى القديم الذى قام على تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول رئيسية هى «آخت» (الفيضان)، و«برت» (الإنبات)، و«شمو» (الحصاد)، يكشف عن مدى ارتباط المصرى بدورة الطبيعة، وقد كان الانتقال إلى فصل «شمو» يمثل لحظة اكتمال الدورة الزراعية، وبالتالى كان توقيتًا مثاليًا للاحتفال، حيث تتجسد نتائج العمل الإنسانى فى صورة محاصيل وفيرة، ولم يكن هذا الاحتفال مجرد تعبير عن الفرح بل كان يحمل أيضًا وظيفة طقسية تهدف إلى ضمان استمرار هذه الدورة، عبر استرضاء القوى الإلهية التى تتحكم فى الطبيعة.

ونوه إلى أن احتفالات الربيع فى الحضارة المصرية القديمة تمثل نموذجًا فريدًا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، حيث لا ينفصل الإنسان عن محيطه بل يتفاعل معه فى إطار من الفهم والاحترام، وقد استطاع المصرى القديم أن يحول هذا التفاعل إلى منظومة رمزية متكاملة تجمع بين الدين والفن والحياة اليومية فى صورة تعكس عمق تجربته الحضارية، ومن أبرز المواقع التى سجلت هذه الطقوس مقابر بنى حسن فى المنيا؛ حيث تظهر نقوش دقيقة للصيد والترفيه فى الربيع وصور للمصريين وهم يشمون زهور اللوتس فى قوارب بردى صغيرة، وفى معبد هابو بالأقصر توجد مناظر رائعة تمثل «عيد الإله مين»؛ حيث نرى الملك وهو يطلق الطيور فى الجهات الأربع لإعلان بدء موسم النماء.

وأضاف أنه كذلك فى مقبرة «نخت» بطيبة؛ حيث تحتوى على لوحات جدارية ملونة تفيض بالحياة، تظهر العائلة وهى تصطاد السمك والطيور فى البحيرات وسط أجواء احتفالية تعكس بهجة الربيع، واستخدم الفنان المصرى الألوان الزاهية المستمدة من الطبيعة (الأخضر من الملاخيت، والأزرق من اللازورد) لتصوير الحدائق، فالجدران لم تكن صامتة بل كانت تتحدث من خلال نصوص هيروغليفية تصف الأناشيد التى كانت تُغنى فى هذه المناسبات، مثل أناشيد العازف على الهارب التى تحث الناس على الاستمتاع بالحياة وجمال الطبيعة، كما كانت المعابد الكبرى مثل الكرنك تشهد مواكب مهيبة، يخرج تمثال الإله فى «المركب المقدس» ليطوف بين الناس، وكانت هذه الاحتفالات تمزج بين البعد الرسمى من الملك والكهنة إلى عامة الشعب.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة