رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بيع الذهب لـ«تأمين الاحتياطى» و«دعم العملة المحلية».. البنوك المركزية العالمية تنفذ سياسة «تعديل البوصلة»


11-4-2026 | 11:16

.

طباعة
تقرير: سلمى أمجد

  يمر الاقتصاد العالمى بمرحلة حرجة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية فى الشرق الأوسط، وما يرافقها من اضطرابات فى أسواق الطاقة، هذه التطورات تضع البنوك المركزية العالمية أمام معضلة صعبة تتمثل فى الموازنة بين كبح التضخم المتصاعد ودعم النمو الاقتصادى المتراجع. ويواجه كل من الاحتياطى الفيدرالى والبنك المركزى الأوروبى رهانات متقلبة على أسعار الفائدة؛ إذ يتأرجحان بين اتجاهات التيسير النقدى المتوقعة وتشديد السياسة النقدية لمكافحة التضخم، فى وقت يزيد فيه ارتفاع أسعار النفط من حالة عدم الاستقرار الاقتصادى.

 

الوضع الراهن دفع البنوك المركزية العالمية للتوقف عن شراء الذهب، بل واتجه بعضها إلى عمليات البيع فى خطوة تهدف إلى توفير السيولة الدولارية اللازمة وحماية العملة المحلية، خاصة مع الارتفاع الكبير فى أسعار الطاقة، وأفادت التقارير بأن البنك المركزى التركى بادر ببيع أجزاء من احتياطياته الذهبية بقيمة تصل إلى 8 مليارات دولار، كما خفضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى أدنى مستوى منذ عام 2012، حيث أظهرت بيانات الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك تراجع قيمة السندات المحتفظ بها لصالح المؤسسات الرسمية الأجنبية بنحو 82 مليار دولار منذ 25 فبراير لتصل إلى 2.7 تريليون دولار.

بدوره، أقدم بنك الشعب الصينى على سحب ما يقارب 1.14 تريليون يوان من السيولة من النظام المالى فى مارس 2026، فى خطوة تعد الأولى من نوعها منذ عام، بهدف تشديد الأوضاع النقدية كاستجابة حذرة للتعافى الاقتصادى والضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.

وقد حافظت معظم البنوك المركزية فى الأسواق المتقدمة، مثل الاحتياطى الفيدرالى، والبنك المركزى الأوروبى، وبنك إنجلترا، على سياستها النقدية دون تغيير فى شهر مارس. بينما كانت أستراليا الاستثناء الوحيد، حيث رفعت الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. أما الأسواق الناشئة، فقد أظهرت تباينًا طفيفًا، لكنها ظلت حذرة بشكل عام، حيث أبقت 10 بنوك مركزية على أسعار الفائدة، بينما خفضت أربعة بنوك أسعار الفائدة بشكل طفيف: «روسيا بمقدار 50 نقطة أساس، والبرازيل والمكسيك وبولندا بمقدار 25 نقطة أساس لكل منها»، وبرزت كولومبيا الدولة الوحيدة التى شددت سياستها النقدية بقوة، حيث رفعت سعر الفائدة القياسى بمقدار 100 نقطة أساس فى اجتماعها الأخير، وفقًا لما أفادت به شبكة «رويترز».

وتبرز المخاوف من التضخم بشكل أكبر فى أوروبا وآسيا، حيث تسارعت أسعار المستهلكين فى منطقة اليورو بشكل حاد وسط ارتفاع كبير فى تكاليف الطاقة. ووفقًا للنشرة الاقتصادية الصادرة عن البنك المركزى الأوروبى، من المتوقع أن يصل معدل التضخم إلى 3.1 فى المائة فى الربع الثانى من العام، بينما تعد البنوك المركزية الآسيوية الأكثر عرضة لتداعيات إغلاق مضيق هرمز بسبب اعتمادها على واردات الطاقة من الخليج، ويتوقع المستثمرون ارتفاع أسعار الفائدة فى الهند وكوريا الجنوبية وتايلاند.

فى هذا السياق، قال الدكتور مصطفى رضوان، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة: إن «هناك مؤشرات واضحة على حدوث تحول فى توجهات السياسة النقدية العالمية خلال الفترة الأخيرة، فبعد سنوات من التركيز على مكافحة التضخم عبر تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة، بدأت البنوك المركزية تتجه إلى قدر أكبر من الحذر، ونلاحظ على سبيل المثال أن بعض البنوك اتجهت إلى سحب جزء من السيولة من الأسواق، بينما فضلت بنوك أخرى تثبيت أسعار الفائدة مؤقتًا فى ظل حالة عدم اليقين العالمى، كما ظهرت توجهات لدى بعض البنوك لإعادة النظر فى هيكل احتياطياتها الدولية، بما فى ذلك الذهب، كل ذلك يعكس أن صُناع السياسة النقدية أصبحوا أكثر ميلًا إلى سياسة الانتظار والترقب بدلًا من اتخاذ قرارات حادة قد تؤثر فى الاستقرار الاقتصادى».

وتابع أن «الحرب على إيران رفعت مستوى المخاطر فى أسواق النفط العالمية، خاصة مع حساسية منطقة الخليج ومضيق هرمز بالنسبة لتجارة النفط العالمية، وهذا أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم فى معظم الاقتصادات، وبالتالى تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة، وهى أن ارتفاع أسعار الطاقة يدفع التضخم إلى الصعود، وفى الوقت نفسه يؤدى إلى إبطاء النمو الاقتصادى بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وهنا يظهر خطر الركود التضخمى، وهو من أصعب التحديات التى تواجه صُناع السياسة النقدية».

وبشأن اتجاه كثير من البنوك المركزية إلى تثبيت أسعار الفائدة حاليًا، أوضح " رضوان" أن تثبيت أسعار الفائدة في هذه المرحلة يعكس حالة الحذر الشديد لدى البنوك المركزية، وهناك عدة أسباب لذلك.أولًا، ارتفاع درجة عدم اليقين بشأن تطورات الاقتصاد العالمي وتأثيرات التوترات الجيوسياسية.ثانيًا، جزء كبير من التضخم الحالي مرتبط بارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يسمى اقتصاديًا صدمة عرض، وبالتالي فإن رفع أسعار الفائدة لن يكون فعالًا بالدرجة الكافية في معالجتهثالثًا، هناك مخاوف من أن يؤدي التشديد النقدي المفرط إلى تباطؤ اقتصادي حاد.لذلك تفضل العديد من البنوك المركزية حاليًا الإبقاء على السياسة النقدية مستقرة إلى حين اتضاح الصورة بشكل أكبر.

وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أهم الأدوات التي تحقق بها البنوك المركزية التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي، وهي: إدارة أسعار الفائدة  بشكل تدريجي لتجنب صدمات اقتصادية مفاجئة، إدارة السيولة في الأسواق عبر عمليات السوق المفتوحة، والتوجيه المستقبلي من خلال إرسال إشارات واضحة للأسواق بشأن توجهات السياسة النقدية. مشددًا على أن المرحلة الحالية تختلف عن السنوات السابقة التي كان فيها التركيز الأساسي على مكافحة التضخم فقط. فاليوم تواجه الاقتصادات العالمية مزيجًا معقدًا من التحديات يشمل التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتقلبات الأسواق المالية. لذلك أصبحت البنوك المركزية تميل إلى سياسات أكثر مرونة وتدرجًا، بحيث تستطيع التكيف مع التغيرات السريعة في البيئة الاقتصادية العالمية.

وحول السيناريوهات المتوقعة لسياسات البنوك المركزية خلال الفترة المقبلة، أكد «رضوان» أن «هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية يمكن تصورها؛ السيناريو الأول، استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياسات نقدية متشددة نسبيًا للسيطرة على التضخم، فى حين يتمثل السيناريو الثانى فى استقرار الأوضاع الجيوسياسية وتراجع أسعار الطاقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام خفض تدريجى لأسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادى. أما السيناريو الثالث، فهو استمرار التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو، وهو السيناريو المعروف بالركود التضخمى، وفى هذه الحالة قد تضطر البنوك المركزية إلى اتباع سياسات نقدية أكثر تعقيدًا تجمع بين الحذر والتدرج».

وعن موقف مصر من هذه التحولات فى السياسات النقدية العالمية، أوضح «د. مصطفى» أن «مصر مثل كثير من الاقتصادات الناشئة تتأثر بشكل واضح بالتحولات فى السياسة النقدية العالمية، خاصة فى ظل الانفتاح النسبى على الأسواق المالية الدولية واعتماد الاقتصاد بدرجة معينة على تدفقات الاستثمار الأجنبى وأسواق الطاقة العالمية، لكن فى الوقت نفسه حاولت السياسة النقدية المصرية خلال الفترة الأخيرة تبنى نهج متوازن يجمع بين السيطرة على التضخم والحفاظ على الاستقرار المالى، فقد اتخذ البنك المركزى المصرى عدة إجراءات خلال السنوات الماضية لمواجهة الضغوط التضخمية، من بينها رفع أسعار الفائدة فى مراحل مختلفة، وإدارة السيولة داخل الجهاز المصرفى، والعمل على استقرار سوق الصرف».

وتابع: أن مصر ليست بمعزل عن الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بأسواق الطاقة. فارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية يمكن أن ينعكس على الاقتصاد المصري عبر عدة قنوات، أهمها: زيادة تكلفة استيراد الطاقة والمنتجات البترولية، ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، فضلًا عن ضغوط إضافية على معدلات التضخم المحلية. لكن في المقابل، تمتلك مصر بعض عوامل التوازن، مثل تنوع مصادر الطاقة وزيادة إنتاج الغاز الطبيعي خلال السنوات الماضية، وهو ما يخفف نسبياً من حدة الصدمات الخارجية.

وعن السيناريو المتوقع للسياسة النقدية في مصر خلال الفترة القادمة، يرى "رضوان" أنه من المرجح أن تظل السياسة النقدية في مصر خلال المرحلة المقبلة مرتبطة بعدة متغيرات رئيسية، منها تطورات معدلات التضخم المحلية، اتجاهات أسعار الفائدة العالمية، حركة رؤوس الأموال في الأسواق الناشئة، وتطورات أسعار الطاقة والغذاء عالميًا. وفي ضوء هذه العوامل، من المتوقع أن يستمر البنك المركزي المصري في اتباع سياسة نقدية حذرة ومرنة، مع الحفاظ على هدفين رئيسيين، السيطرة على التضخم، والحفاظ على الاستقرار المالي ودعم النشاط الاقتصادي.

من جانبه، أوضح محمد عبد العال، الخبير المصرفى، أن السياسة النقدية العالمية شهدت تحولًا ملحوظًا في توجهاتها خلال الفترة الأخيرة، فبعد مرحلة اتسمت بالتيسير النقدي التدريجي مدفوعة بانحسار نسبي لموجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، دخل العالم منذ نهاية فبراير في مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها الرئيسي هو تصاعد عدم اليقين نتيجة التوترات الجيوسياسية المتلاحقة. وقد انعكس ذلك في ارتفاع الضغوط التضخمية، خاصة في أسعار الطاقة والنقل، إلى جانب تذبذب تدفقات رؤوس الأموال، وهو ما دفع العديد من البنوك المركزية إلى التحول من مسار خفض الفائدة إلى نهج أكثر حذرًا يقوم على تعليق القرارات لحين اتضاح الرؤية. وفي هذا السياق، جاءت بعض الإشارات العالمية لتؤكد هذا التحول، حيث اتجه البنك المركزي الصيني إلى سحب جزء من السيولة من الأسواق، في خطوة تعكس القلق من ضغوط تضخمية كامنة أو اختلالات محتملة في تسعير الأصول. كذلك بدأت بعض البنوك المركزية في إعادة النظر في استراتيجيات تكديس الذهب، بل واتجهت إلى البيع في بعض الحالات، وهو ما يمكن تفسيره بالحاجة إلى تعزيز مستويات السيولة، خاصة الدولارية، أو إعادة موازنة الاحتياطيات في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأسواق العالمية. هذه التحركات تعكس بوضوح أن البنوك المركزية لم تعد تركز فقط على دعم النمو، بل أصبحت تدير مزيجًا معقدًا من المخاطر.

وعلى الصعيد المحلى، قال الخبير المصرفى: إن «قرار البنك المركزى المصرى بتعليق دورة التيسير النقدى مؤقتًا بتثبيت أسعار الفائدة يعكس قراءة متأنية للمشهد الاقتصادى، حيث يوازن بين ضرورة احتواء الضغوط التضخمية من ناحية، والحفاظ على وتيرة النشاط الاقتصادى من ناحية أخرى، فالتشديد النقدى الذى تم خلال الفترات السابقة لا يزال أثره ممتدًا داخل الاقتصاد، ومن ثم فإن التسرع فى اتخاذ قرارات جديدة قد يحمل مخاطر غير محسوبة، خاصة فى ظل الضبابية الخارجية. ومن هنا، يمكن فهم «تعليق الفائدة» باعتباره قرارًا ديناميكيًا يعكس حالة ترقب نشط، وليس مجرد تثبيت تقليدي».

«عبدالعال» أكد أن «مسار السياسة النقدية سيظل مرهونًا بدرجة كبيرة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية. ففى حال احتواء التوترات بشكل سريع»، مضيفًا أننا «قد نشهد تراجعًا تدريجيًا فى أسعار الطاقة، واستقرارًا فى سوق الصرف، بما يفتح المجال أمام العودة إلى سياسة نقدية أكثر دعمًا للنمو، وربما خفض تدريجى للفائدة. أما إذا استمرت الأوضاع الحالية دون تصعيد كبير، وهو السيناريو الأقرب فى الوقت الراهن، فمن المرجح استمرار الضغوط التضخمية عند مستويات يمكن احتواؤها، مع الإبقاء على سياسة تعليق الفائدة فترة أطول، فى إطار نهج «الانتظار والترقب». بينما يظل سيناريو التصعيد هو الأكثر خطورة، حيث قد يؤدى إلى ارتفاعات حادة فى أسعار الطاقة، وضغوط على عملات الأسواق الناشئة، وهو ما قد يدفع بعض البنوك المركزية إلى العودة لسياسات التشديد ورفع الفائدة مرة أخرى».

وفى ظل هذه التحديات، أوضح الخبير المصرفى أن «البنوك المركزية تواجه معادلة دقيقة بين كبح التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادى، وهى معادلة تتطلب استخدامًا مرنًا ومتوازنًا للأدوات النقدية، سواء من خلال إدارة أسعار الفائدة بحذر، أو التحكم فى مستويات السيولة، أو توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية. وفى الحالة المصرية، يتجلى هذا التوازن فى السعى للحفاظ على جاذبية العائد الحقيقى، واستقرار سوق الصرف، دون إحداث ضغوط مفرطة على النشاط الاقتصادى».

وفيما يتعلق بمخاوف الدخول فى ركود تضخمى، أشار «عبدالعال» إلى أن «هذا السيناريو يظل مطروحًا على المستوى العالمى ولكن فى نطاق محدود، فى ضوء الخبرات التى اكتسبتها البنوك المركزية خلال الأزمات الأخيرة، وقدرتها على التدخل السريع والمرن، فقد نشهد تباطؤًا اقتصاديًا مصحوبًا بارتفاع نسبى فى التضخم، لكن دون الوصول بالضرورة إلى حالة الركود التضخمى الحاد بالمعنى التقليدى، وعلى الصعيد المحلى يبدو هذا الاحتمال أكثر بعدًا، فى ظل وجود طاقات إنتاجية غير مستغلة، وإمكانات لزيادة الإنتاج المحلى والصادرات، إلى جانب استمرار جهود الإصلاح الاقتصادى، وهو ما يوفر مساحة للنمو حتى فى ظل الضغوط التضخمية، ويقلل من احتمالات الوقوع فى هذا السيناريو المعقد».

 
 
 
   
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة