ولا يزال الحديث عن التراث غير المادى مستمرا خاصة عندما نتحدث عن الواقع الثقافى فى مصر. فهو الماضى والحاضر والمستقبل. وهو بمثابة الكنز الذى نحلم أن تقوم بلادنا بإعادة اكتشاف قيمته. والتعرف على دوره فى بناء الإنسان القادرة على مواجهة كل الشرور والهموم ومحاولات التغريب والإحباط. لذا فإن التصريحات الرسمية الصادرة عن الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة التى أدلت بها خلال ترؤسها للاجتماع 76 للمجلس الأعلى للثقافة لا يمكن وصفها بأنها مجرد كلمات عابرة تمت صياغتها فى سياق إدارى أو متطلب خلال اجتماع مجلس. لكنها إشارات كاشفة تقترب من مفاتيح فهم المستقبل الثقافى المصري. هكذا بدت حين وضعت «الفكر» فى مواجهة «الفكر»، ورفعت الثقافة فى مصاف المسئولية الوطنية بعيدا عن الترف النخبوي. وهو ما أكد على وجود فراغ مؤسسى واضح يقف حائلا بين تلك الرؤية الطموحة والواقع المعاش. وهو بالتأكيد أبعد ما يكون عن الكتب والمعارض والندوات. ووجب أن يكون أكثر التصاقا بالناس «الكنوز البشرية الحية» وما يحملونه من تراث غير مادى.
وسط حشود من العابرين لمحطة مترو الأنفاق، وقف الفنان عزت السوهاجى يحمل فى يده ربابته التى تستند على جلبابه الأزرق الكالح، ليبدأ حكايته بالصلاة على النبي، وبعدها تنهال منه مربعات العشق والشجاعة والخيانة، يرددها بلهجة صعيدية يصعب فهمها، ومن خلفه وقف رفقاء الرحلة القادمون من بلاد الصعيد البعيدة، أحدهم يحمل تارة الدف والآخر تنتفخ وجنتاه عندما يصدح المزمار ذو الصوت الحاد، وفى يوم آخر التف الجميع حول مسرح الأراجوز الخشبى المتنقل. لينصتوا لحكاياته الفكاهية التى لا تخلو من الحكمة والعظة. وأحيانا نجد صاحب العرائس قادما بهمة يحملها بين يديه ليقودها وسط عرض راقص. بينما يتسابق العابرون لالتقاط بعض الصور والابتعاد سريعا كى يلحقوا قطار مترو الأنفاق الذى لا ينتظر أحدا.
تلك بعض من مشاهد قد يستمتع بها عابرو محطات قطار الأنفاق، ويؤديها بعض من فنانى تراث مصر غير المادي. قد تمنح الكثيرين بعضا من البهجة أو الاستمتاع خلال لحظات انتظارهم داخل تلك الأنفاق خلال رحلة الذهاب أو الإياب إلى منازلهم وأسرهم. لكنها تكشف بصدق عن واقع حملة التراث «الكنوز البشرية الحية»بعدما تحول معهم تراث الأجداد إلى مجرد فقرات فنية تمنح جمهور الحاضرين بعضا من مشاعر البهجة والاستمتاع، دون النظر لما يعانيه هؤلاء الورثة فى مختلف قرى ومراكز ونجوع القطر المصري. خاصة بعدما سجلت مصر خلال السنوات الأخيرة عددا من عناصر التراث غير المادى على قائمة التراث العالمى بمنظمة اليونسكو. وباتت الحاجة ملحة وضرورية للتوصل إلى طريقة سديدة للحفاظ على تراث الأجداد، وتحسين أوضاع ورثته المعيشية، والاعتراف بقيمته ودوره فى بناء الهوية الوطنية. وهو الذى يعود بنا إلى المطالبة بتأسيس هيئة وطنية مستقلة تتبع مجلس الوزراء تحمى تراث مصر وتصونه من مخاطر الاندثار.
«مصر تعيش داخل منظومة ثقافية ذات دور يتجاوز البعد الجمالى لصالح ترسيخ القيم وبناء الإنسان..».. هكذا تحدثت الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة خلال الاجتماع الأول للمجلس الأعلى للثقافة بعد توليها المنصب الوزاري. مرددة قولها: «مواجهة التحديات الفكرية لا تكون إلا بالفكر، والكلمة لا تواجه إلا بالكلمة..». لتضع يدها على جوهر المعركة الحقيقية فى زمن تتعدد فيه مصادر التأثير وتتسارع فيه التحولات، هى تتحدث عن الفكر المتجذر فى وجدان الناس الذى تشكل عبر قرون من الممارسات اليومية. وهو توصيف بليغ لجوهر التراث غير المادي.
فهو ميراث لا يمكن أن نحتفظ به داخل فاترينات زجاجية أو خزائن محكمة الغلق، نعيشه عبر أغانٍ ومواويل، حكايات وسرديات، طقوس أفراح وأكلات خلال الأعياد، فى حرف تتوارثها الأيدى والذاكرة. وهو فكر حى يتجدد عبر الأجيال، ويعيد إنتاج نفسه فى صور متعددة. وهو أيضا لغة غير مكتوبة تتحدث بها المجتمعات عن نفسها. وبالتالى هو الدرع الواقى الذى يحمى الهوية من الذوبان أو التآكل مع مرور الزمن. وهو ما أكدته فى حديثها بقولها: «الفن والثقافة يمثلان مسئولية وطنية مشتركة، والثقافة هى الركيزة الأساسية فى تشكيل الوعى الداخلي..». وبالتالى فإن إنشاء هيئة وطنية للتراث غير المادى لا يجب النظر إليها كأنها مجرد إضافة إدارية، بل هى أداة استراتيجية فى معركة بناء الوعى المجتمعي.
كما تحدثت الوزيرة عن أهمية تحديث منظومة قصور الثقافة ومراكز الإبداع والمكتبات العامة، بما يجعل منها مراكز جذب حقيقى للتعلم والمعرفة والإبداع. فهى ترى أن الثقافة حق لكل المصريين فى جميع المحافظات، مشيرة إلى ضرورة إعداد خريطة ثقافية متكاملة للمحافظات تضم ما وصفته بـ«بؤر النور»، وإن خانها التعبير فهى ليست «بؤرا» بل نقاط نور تكشف الطريق لمن يهتدى بضيائها، وتضم مسارح ومكتبات وقصور ثقافة ومراكز إبداع. بهدف وصول الرسالة الثقافية إلى القرى والمراكز والنجوع، بما يرسخ العدالة الثقافية والانتماء الوطني.
وهنا تكمن المفارقة، فالقرى والمراكز والنجوع هى فى الحقيقة خزائن التراث غير المادى والتى يجب الوصول إليها. ففى الريف والصعيد وسيناء والدلتا، يردد الناس الأغانى دون معرفة مؤلفها، وتتوالى الحكايات دون تسجيلها فى كتب، حتى الطقوس والتقاليد يمارسونها دون أن يوثقها أحد، وبالتالى فإن وصول الثقافة إلى تلك الأماكن ليس هو المطلوب فقط. إنما من الضرورى الإنصات إلى ناسها وما يحملونه من كنوز موروثة. لذا فإن هيئة التراث غير المادى الوطنية سيكون لديها القدرة على صياغة تلك العلاقة بين المركز والأطراف،وسيكون لديها الإمكانات من تحويلها من علاقة إرسال إلى علاقة تبادل؛ لتتحول معها القرى والمراكز والنجوع إلى شريك ومنتج للثقافة لا مجرد متلقٍ سلبى ينتظر المدد القادم من العاصمة البعيدة.
نقاط النور من شأنها إعادة بث الروح فيما تملكه مصر من بنية تحتية ثقافية، فما طرحته الوزيرة يبدو وكأنه خريطة طريق تضم المسارح والمكتبات وقصور الثقافة ومراكز الإبداع. وهو تصور بالغ الأهمية، ويفتح بابا أوسع للتساؤل حول كيف يمكن تحويل تلك النقاط من مجرد مبانٍ إلى كائنات حية تنبض بالتراث، هنا يظهر مجددا دور الهيئة المقترحة؛ حيث إنها ستكون قادرة على تحويل قصور الثقافة إلى منصات للعرض الحى للفنون الموروثة، أو مواقع مخصصة لأصحاب الحرف المتوارثة التقليدية واليدوية داخلها، أو أنها تحتضن برامج لصون «الذاكرة الحية» وتستضيف كبار الرواة والحكائين؛ لتتحول الأماكن إلى فضاءات لإنتاج الثقافة وتلقيها وبالتالى إحياء تراثها غير المادي.
فإذا تحدثنا عن أهمية تطوير قصور الثقافة وتحويلها إلى مراكز جذب فى جميع أطراف مصر، نجد أن بعض الدول من حولنا، نجحوا فى تحقيق الجذب الحقيقي. وأثبتوا أنه يتحقق عبر التجارب الواقعية الفعلية وليس بالمحتوى التقليدى وحده. فالتراث غير المادى هو بطبيعته تجربة غناء، حكى، طبخ، صنع. فالندوات والمؤتمرات لا تصنع تراثا إنما ليالى الحكى الشعبى، ورش الحرف الموروثة، أو حتى تذوق المأكولات التقليدية المرتبطة بالطقوس والعادات والتقاليد التى نمارسها فى المناسبات والأعياد. كل ذلك يجعل الزائر يتحول من مجرد عابر أو شاهد إلى جزء من الحكاية.
وخلال اجتماع المجلس الأعلى للثقافة تحدثت الوزيرة عن أهمية المكتبات الشخصية لكبار المفكرين والمثقفين وضرورة إتاحتها للجميع بهدف حفظ الذاكرة الفكرية المكتوبة على حد وصفها، حيث طرحت الوزيرة فكرة رد الاعتبار لرموز الفكر والإبداع المصرى بقولها: «المكتبات الشخصية لكبار المثقفين هى ثروة معرفية لا يجوز أن تبقى حبيسة البيوت..»، وبالتالى وجب الحفاظ عليها وتعريف الشباب بميراثها الفكري. وهو ما يمكن أن يمتد إلى حفظ المكتبات البشرية نفسها. فالحكاء هو الذى يحمل فى خاطره سيرة قرية كاملة، الحرفى يعلم سر المهنة دون تدوينها فى كتب، السيدات يحفظن الطقوس والتقاليد الخاصة بكل المناسبات وبكل تفاصيلها الدقيقة. هم «الكنوز البشرية الحية»، كما وصفتهم منظمة اليونسكو، إن رحلوا لم نفقد شخصا فقط بل فقدنا عالما كاملا يحملونه معهم. ومن هنا تصبح الحاجة ملحة لتبنى فكرة إنشاء الهيئة التى ستكون قادرة على حصر هؤلاء البشر. متخصصة فى توثيق معارفهم. وتساعدهم فى نقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة من بعدهم. وذلك لصون الذاكرة الوطنية من الاندثار.
تلك المعادلة الصعبة لا يمكن حلها دون توظيف التراث غير المادى الذى يمثل الهوية المتميزة وما تحويه من زخم ثقافى واجتماعي. فالعالم من حولنا يتعرف على ثقافات الشعوب عبر موسيقاها وطقوسها وحكاياتها وطرق معيشتها المتباينة. لذا فمن الواضح أن هيئة التراث المقترحة قد تكون هى بوابة مصر إلى العالم. تقوم بتسجيل عناصر التراث غير المادى على قوائم اليونسكو، تنظيم اللقاءات والمهرجانات الدولية أو حتى الكرنفالات للفنون الشعبية. وبالتالى دعم العناصر التراثية وصونها وحمايتها من النسيان والضياع. وبالتالى يصبح تراث مصر محفوظا وحاضرا طوال الوقت ومؤثرا بين الناس.
وبالتأكيد فإن هذا يدعم دور الثقافة فى تشكيل صورة مصر عالميا، ويحقق ما أشارت إليه وزيرة الثقافة وأسمته بـ»الدبلوماسية الثقافية». والتى رأت أنه التعبير الأدق عن مكانة مصر الحضارية وريادتها التاريخية فى مجالات الثقافة والفنون.
وخلال المرحلة المقبلة، طالبت الوزيرة باستعادة التيار التنويرى لتعزيز دور الثقافة والفنون فى مواجهة التحديات الفكرية. والأهم هو صياغة مستقبل العمل الثقافى فى مصر. لكنها مطالبة لا يمكن تحقيقها دون العودة إلى الجذور. لأن التنوير الحقيقى لا ينفصل عن الهوية، ويقوم على الفهم الصحيح للتراث غير المادى وقراءته بشكل أعمق. حتى يمكن أن يصبح التراث أداة من أهم أدوات التنوير والمواجهة. وإذا أحسنا التعامل معه يمكنه بناء الإنسان واستخراج الطاقات الكامنة داخله، وتعزيز الانتماء، وصياغة الوعى بشكل أكثر توازنا.
وفى النهاية يبقى أمامنا تساؤل جوهرى: منْ يقوم بإدارة التراث غير المادى فى مصر؟ وما الجهة القادرة على التنسيق بين مهام الصون من توثيق وتسجيل، حماية وحفظ، استثمار، والنقل بين الأجيال؟ أى منْ القادر على حماية التراث غير المادى من الضياع أو الاندثار وسط زحام التحديث السريع؟ والإجابة على تلك التساؤلات هى إنشاء هيئة وطنية للتراث غير المادى تتبع مجلس الوزراء، وتمتلك صلاحيات وإمكانيات تمكنها من أداء مهامها. وتكون قادرة على حفظ الماضى، وإعادة توظيفه، ومنحه حياة جديدة، وجعله جزءا من مستقبل مصر الثقافي.