مع دخول الحرب «الأمريكية - الإسرائيلية - الإيرانية» أسبوعها السادس، يعانى الاقتصاد العالمى من تداعيات اقتصادية حادة، سواء اضطرابات عالمية فى أسواق الطاقة تتبعها موجة تضخمية مع تراجع معدلات النمو وتقلبات حادة فى الأسواق المالية العالمية، تلك التحديات تواجهها الدول كافة بسياساتها الخاصة فالجميع يتجه نحو الانكماش والحذر، ومصر باعتبارها جزءًا من منطقة الشرق الأوسط، اتجهت حكومتها نحو اتخاذ خطوات استثنائية لترشيد استهلاك الطاقة، وهى خطوات اعتبرها الخبير الاقتصادى الدكتور فخرى الفقى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب والمدير التنفيذ السابق بصندوق النقد الدولى، خطوات تحوطية استباقية فرضتها ظروف الحرب، متوقعا انتهاء تلك الصراعات آخر أبريل، وإلا سيحدث ما لا يُحمد عقباه على الاقتصاد العالمى بالكامل.
«د. فخرى»، فى حديثه لـ«المصوّر»، كشف عن توقعاته بشأن سيناريوهات تأثر الاقتصاد المصرى بالحرب، مجيبًا عن استفسارات البعض بشأن ماذا بعد انتهاء الحرب؟.. متى سيحدث التعافى؟.. هل نحن بحاجة إلى تطبيق اقتصاد حرب؟.. وهل تعد الإجراءات الاستثنائية الحالية بداية للتقشف؟.. وكان الحوار التالى:
بداية.. ما تقييمك للإجراءات الاستثنائية التى أقرتها الحكومة للتعامل مع تداعيات الحرب الحالية؟
يجب التأكيد أولا أن ما يحدث حاليا تحوط لتداعيات الحرب، وهذا الأمر لا يقتصر على مصر فقط، بل دول العالم كافة تعانى فى ظل ارتفاع أسعار الطاقة، والكل يتخذ قرارات تحوط لمدة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع مقبلة، فأغلب التوقعات تدور حول استمرار تلك الحرب شهرين، وبالفعل انتهى من المدة 5 أسابيع، وتلك الرؤية تتوافق مع تحذيرات المؤسسات المالية العالمية والتصريحات السابقة للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بأن تسوية الحرب ستتم خلال الفترة بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وبالتالى جميع الحسابات المؤقتة تدور حول 60 يومًا، لكن إذا تجاوزت الحرب هذه المدة سيشهد الاقتصاد العالمى ما لا يُحمد عقباه، فلن تكون هناك حسابات منطقية وكل الاحتمالات واردة، فبالتأكيد ستشهد بعض الدول مجاعات والبعض الآخر سيتعرض اقتصادها للإغلاق التام، وبالتالى هذا السيناريو الأسود ستسعى أغلب الدول الكبرى لتجنبه، فدولة كبرى مثل الصين مستوردة للطاقة تعتمد على البترول من فنزويلا والخليج وإيران، حيث تستورد 50 فى المائة من احتياجاتها، وتحافظ على أن يكون لديها احتياطى يكفى 100 يوم أى ثلاثة أشهر و10 أيام، وبالتالى إذا طال أمد الحرب عن ثلاثة أشهر فسيتعرض النشاط الاقتصادى فى الصين للركود وتقليص للإنتاج، ونظرا لكون الصين مصنع العالم؛ فستنتقل المعاناة لجميع دول العالم، سواء الدول المتقدمة، وحتى الاقتصادات الناشئة والنامية.
لا يمكن لأحد أن يضع حسابات دقيقة لما يمكن حدوثه بعد نهاية أبريل، وبالتالى إجراءات الحكومة المصرية ومؤسسة الرئاسة الاستثنائية، والمقررة لمدة شهر، تتسق مع تلك الرؤية، فهى إجراءات محدودة ومناسبة للمرحلة، خاصة فى ظل ارتفاع فاتورة الطاقة والتى كانت قيمتها نصف مليار دولار خلال يناير الماضى، ثم ارتفعت خلال مارس بسبب ارتفاع أسعار الطاقة عالميا فوصلت فاتورة استهلاكنا إلى 2.5 مليار دولار، والمستهدف حاليا تخفيض استهلاك بقيمة 1.2 مليار دولار شهريا، وتخفيض استهلاك الكهرباء يتبعه تقليص استخدام الغاز المستورد.
ما طبيعة الإجراءات التى وصفتها بـ«الأكثر حدة»؟
إذا طالت الفترة عن ثلاثة أسابيع مقبلة فكل الاحتمالات قائمة، ولا يمكن حساب أى شيء، بالطبع ستكون هناك إجراءات استثنائية إضافية محليًا على رأسها تخفيف الأحمال على كافة الأحياء بالجمهورية وغيرها من الإجراءات التى ستضعها الحكومة، فنحن حاليا فى مرحلة الترشيد ولم نصل إلى مستوى التقشف بعد.
هذا يعنى أننا أمام سيناريوهين فقط أليس كذلك؟
بالطبع هناك تصوران، أولهما انتهاء الحرب قبل نهاية أبريل، وبالتبعية سيتم فتح مضيق هرمز بالكامل، وسيعود الإنتاج بكامل طاقته، وسيهبط سعر برميل البترول تدريجيا للعودة إلى 70 دولارًا، وستعود الحركة داخل قناة السويس إلى طبيعتها، وتنتعش السياحة من جديد، وتزيد معدلات النقد الأجنبى، ويعاود الدولار هبوطه ، وبالتالى يشهد الاقتصاد المصرى استقرارًا كبيرًا، أما السيناريو الثانى والذى تستمر فيه الحرب لفترة طويلة فالعواقب ستكون وخيمة على العالم أجمع، وستتجه الحكومة لاتخاذ مزيد من القرارات الصارمة.
أى السيناريوهات الأقرب لتوقعك؟
إننى متفائل بالسيناريو الأول، لكن ذلك مرهون بتنفيذ «ترامب» وعده بتسوية الوضع، خاصة أن أوروبا تعانى بشكل كبير والنظام الاقتصادى العالمى سيتغير بشدة، فالفرضية الأولى تسير الحكومة فيها بخطوات ثابتة وإجراءات استباقية، وهى قادرة على تقدير حجم المخاطر والتحوط، فنحن لسنا طرفًا مباشرًا فى الحرب لكنها تشبه «بلاء» تضررنا منه باعتبارنا جزءًا من المنطقة .
هل نحن بحاجة إلى الإعلان عن اقتصاد الحرب كما يرى البعض؟
نحن لسنا طرفًا فى المعركة لنعلن «اقتصاد الحرب»، مع الأخذ فى الاعتبار أنه مصطلح كبير وليس سهلاً، فيتبعه خوف المستثمرين وهروبهم من تلك الدول، فنحن نطبق مصطلح «اقتصاد التحوط لتداعيات الأزمة»، بالعكس نحن نتمتع بالأمن والاستقرار، فمصر دولة آمنة فى قلب بركان.
موازنة العام المالى «2026-2027» تأتى فى ظروف صعبة، هل تحوطت من الآثار السلبية لتلك الحرب؟
قبل عرض موازنة «2026-2027» على البرلمان تم طرحها ومناقشتها مع الرئيس عبدالفتاح السيسى بعد إعادة مراجعة الأرقام وتعديلها وفقا للظروف الراهنة مع الحفاظ على المؤشرات المالية لتكون مطمئنة وأفضل من مؤشرات العام المالى الجارى من حيث العجز والدين العام والنمو والفائض الأولى، وتأخر الموازنة بعد أحداث إيران كان السبب فى تأخر الإعلان عن الحد الأدنى للأجور.
كما تم التحوط عبر الاهتمام بالباب الأول فى الموازنة من خلال إقرار زيادة مرتبات العاملين فى الدولة لتتراوح بين 1100 إلى 1600 جنيه، وكذلك زيادة المعاشات بنحو 15 فى المائة، وهى أقصى زيادة يمكن تنفيذها، خاصة أن هناك قانونًا يقضى بوضع حد أقصى لزيادات المعاش وهى 15 فى المائة ، أيضا ستتم زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه، والتى من المقرر أن يتم الحصول على موافقة البرلمان عليها خلال الفترة المقبلة لتنفيذها خلال شهر يوليو القادم.
الموازنة تم إعدادها فى فترة استثنائية ومخاطر عالية، ورغم ذلك المؤشرات المالية المستهدفة من عجز ودين عام أفضل من معدلات الموازنة الحالية وبالتالى إعدادها خلال أزمة استلزم التحوط فى كافة بنودها، وخاصة مساندة الفئات الضعيفة خلال الفترة المقبلة كجزء من التحوط للبعد الاجتماعى من خلال الباب الرابع بالموازنة الخاص بالدعم والمنح والذى ارتفع من 743 مليار جنيه بالموازنة الحالية إلى 832 مليار جنيه بالموازنة الجديدة .
هل الفترة الحالية تستلزم تغيرًا جوهريًا فى السياسة النقدية للبنك المركزى للتعامل مع الارتفاع المنتظر للتضخم؟
بالفعل معدلات التضخم عاودت الصعود مؤخرا بداية من رمضان، فبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أكدت ارتفاع التضخم خلال شهر فبراير إلى 13.4 فى المائة مقارنة بنحو 11.9 فى المائة خلال يناير، ومن المتوقع أن يزيد فى شهر مارس الذى لم يتم الإعلان عنه بعد ليصل إلى 14 فى المائة، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار للسلع الناتج عن زيادة المواد البترولية.
سياسة البنك المركزى النقدية على مدار عام 2025 كانت سياسة ميسّرة تعتمد على تخفيض مستمر للفائدة، وبالفعل انخفضت بنحو 8.25 فى المائة، وكانت هناك توقعات بانخفاض إضافى يتراوح بين 1 إلى 2 فى المائة خلال الاجتماع الأخير، لكن أحداث الحرب دفعت البنك المركزى للإبقاء على سعر الفائدة ثابتا دون تغيير، ومن المتوقع أن يتكرر التثبيت فى الاجتماعين التاليين لمواجهة التضخم ثم يعود لسياسة التيسير مرة أخرى خلال آخر ثلاثة اجتماعات من عام 2026، هناك أداة أخرى يمتلكها البنك المركزى لمواجهة التضخم وهى الاحتياطى الإلزامى الذى تضعه البنوك لمواجهة التعثر، وكانت نسبته 18 فى المائة وتم تخفيضه قبل الحرب إلى 16 فى المائة، وبالتالى يمكن زيادته مرة أخرى ليتراوح بين 18 إلى 20 فى المائة.
كيف سيتحقق التعافى الاقتصادى بعد انتهاء الحرب ومتى يشعر به المواطن؟
هناك 9 مؤشرات لجسم الاقتصاد تنقسم إلى 3 حقيقية، 3 مالية، 3 سعرية، وعندما نتحدث عن المؤشرات الحقيقية نجد أن النمو المستهدف العام المقبل 5.4 فى المائة وهو أفضل من العام الحالى، تليه الاستثمارات والمستهدف وصولها إلى 3.7 تريليون جنيه، وبالتبعية المؤشر الثالث الخاص بفرص التشغيل وانخفاض معدلات البطالة سيتحسن محققا 6.2 فى المائة.
أما المؤشرات السعرية، وهى الأهم بالنسبة للمواطن، وأولها أسعار السلع والخدمات، فنراقبها من خلال معدلات التضخم، وهنا أتوقع أن يرتفع التضخم مرة أخرى خلال شهر أبريل الحالى ليقترب من 14.5 فى المائة ليصبح لزجًا خلال مايو ويونيو ليدور فى حدود 14 إلى 14.5 فى المائة، ثم تليه فترة هدوء واستقرار لمعدل التضخم فسيكون هناك غلاء، لكن الزيادة أقل حدة ومع بداية الموازنة الجديدة خلال يوليو وأغسطس يمكن أن نرى معدلات تتراوح بين 11.5 إلى 12 فى المائة، فالأسعار لن تنخفض وسيكون هناك نوع من الغلاء لكن أقل حدة، وهنا يبدأ البنك المركزى فى اتخاذ سياسة تيسيرية عبر تخفيض سعر الفائدة من جديد وهو المؤشر الثانى، فباقٍ 5 اجتماعات للبنك المركزى حتى نهاية 2026، ومن المنتظر التثبيت خلال اجتماعين ثم التخفيض خلال آخر 3 اجتماعات بنحو 3 فى المائة تقريبا، أما المؤشر السعرى الأخير وهو الخاص بسعر الصرف فمع تعافى مصادر النقد الأجنبى وانخفاض سعر البترول تنخفض قيمة الدولار مقارنة بالجنيه ليتراوح بين 49 إلى 50 جنيها مع بداية السنة المالية الجديدة، ثم يتراجع مرة أخرى بنهاية عام 2026 لمعدلات ما قبل الحرب.
أما المؤشرات المالية، والممثلة فى عجز الموازنة، فمن المنتظر وصوله إلى 4.9 فى المائة، كذلك السعى نحو تخفيض الدين العام، مع الحفاظ على مستوى الاحتياطى النقدى، والذى وصل مؤخرا إلى 52.7 مليار دولار، وهى تكفى واردات 7.5 شهر.
ختاما الاقتصاد المصرى كلما اقترب من تحقيق معدلات إصلاح تعرض لأزمة عالمية تعيد خطواته إلى الخلف، ما تعقيبك على ذلك؟
بالفعل مرّ الاقتصاد المصرى بالعديد من الأزمات المستوردة من الخارج، فكل هذه الأحداث حولت الاقتصاد المصرى إلى اقتصاد أكثر تحوطا، وهناك خمس سمات للاقتصاد التحوطى أولها أصبح أكثر صمودًا فى مواجهة الأزمات وأكثر مرونة، فحينما تنتهى كل أزمة يعود الاقتصاد إلى معدلات نمو أفضل وذلك بفضل زيادة مشاركة القطاع الخاص فلديه قدرة أكبر على المناورة فى الأزمات، أيضا أكثر إنصافا وذلك بالاهتمام بالبعد الاجتماعى ومساندة الفئات الأكثر احتياجا، كذلك أكثر اخضرارا وذلك بزيادة الاستثمارات التى تحافظ على البيئة والتوجه نحو الطاقة المتجددة فمن المستهدف وصول الاستثمارات الخضراء خلال 2030 إلى 40 فى المائة من إجمالى الاستثمارات، وأخيرًا أكثر ذكاءً عبر التحول الرقمى بما أسهم فى تقليل البيروقراطية.