رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حكايتى مع أبلة فضيلة


10-4-2026 | 10:48

.

طباعة
بقلـم: د. زينب العسال

كنا ننتظر صباح كل جمعة، العطلة الأسبوعية من المدرسة، يوم راحة، نستيقظ فيه فى التاسعة، ونستعد للإفطار... كان الراديو الخشبى متربعًا على الرف، فنلتف حول السفرة، وننتظر أمى تفتحه، كانت تعلم أننا فى شوق وشغف لسماع برنامج «أبلة فضيلة»، والأغنية المميزة: يا ولاد يا ولاد تعالوا تعالوا علشان نسمع أبلة فضيلة... زاد تعلقنا بالبرنامج عندما سمعنا اسم جارتنا سهام، ولم نكن نعلم أنها أرسلت رسالة إلى أبلة فضيلة.

 

كان البرنامج يضم حكايات وأغانى ولقاءات مع فنانين، وكنا نتمنى أن نُجرى مثل هذه اللقاءات، بل ونحسد الأطفال الذين يشاركون فيه، ونتخيل كيف يتم اللقاء.

تمر الأيام، وأصبح عضوًا فى أسرة تحرير مجلة «قطر الندى»، ويتحقق حلم الطفولة: الجلوس أمام أبلة فضيلة ومحاورتها. كان اللقاء فى مبنى ماسبيرو؛ الصوت هو هو، صوت طفولى لم تغيره السنوات رغم مرور أكثر من سبعين عامًا.

حدثتها عن أمنيتى، فقالت:

أنا أحببت الأطفال، ارتبطت ببرنامج بابا شارو، لكن عند التحاقى بالإذاعة كنت مذيعة منوعات، وبرامج بعيدة عن الأطفال، وبعد أن أنجبت ابنتى بعد فترة من زواجى، كنت أحكى لها الحكايات.

فطلبت أسطوانة لأحد البرامج، فمكتبة ماسبيرو بها كنوز لا بد من الاهتمام بها، ثم سألتها:

هل يقبل أطفال الكمبيوتر على البرامج المذاعة؟.. نعم فهناك نسبة الاستماع مرتفعة، لا تنسى أن الطفل يعمل مخيلته فهو مشارك فى تلقى الحكاية، بالإضافة للحوارات مع علماء وفنانين رحلوا عن دنيانا.. أنا أحببت الأطفال وارتبطت ببرنامجى، كنت أشترط اللباقة والذكاء والشجاعة فى مواجهة الميكروفون، وأحيانًا كنا نسجل البرنامج لتلافى الأخطاء».

فكرت أن أرسل بعض الأفكار، أو ما كنت أطلق عليه شعرًا، لعله يحظى بالقبول وتذيعه أبلة فضيلة مع إعلان اسمى.

قلت لها: «ماما فضيلة»، فردت: «لا، أنا أبلة فضيلة؛ فالأم لقب تحمله مَن تعبت فى التربية، أما أبلة فهو اسم نطلقه فى الريف على المدرسة أو الخالة أو الجارة، ولم تكن كلمة (ميس) قد شاعت كما الآن».

فى برنامج «غنوة وحدوتة»، كانت الأغانى تُكتب بواسطة مجموعة من الكُتاب، منهم صلاح جاهين ونادر أبوالفتوح، أما الحكايات فكانت تختارها من التراث أو الأدب العالمى والحكايات الشعبية. وكانت القيم التربوية حاضرة: التسامح، والمحبة، والعطف على الفقير، والاجتهاد، وقيمة العمل، وحب الوطن وحمايته. وكانت تحرص على الاستماع لآراء الأطفال وإشراكهم فى ما يُقدم.

أما أغنية «يا ولاد يا ولاد» فكتبها الشاعر العبقرى صلاح جاهين، ولحّنها الموسيقار سيد مكاوى، فى دلالة واضحة على مدى الاهتمام بالأطفال باعتبارهم أجيال المستقبل.

استضافت أبلة فضيلة فى برنامجها كبار الفنانين، مثل: عبدالحليم حافظ، وأنيس منصور، وعبد اللطيف التلبانى، وعمار الشريعى، وغيرهم.

تخرجت أبلة فضيلة فى كلية الحقوق، لكنها حلمت بالعمل فى الإذاعة، خاصة برامج الأطفال، رغم أن «بابا شارو» كان يقدم البرنامج آنذاك.

لم تكن مجرد مذيعة، بل صاحبة خبرة وعين لاقطة للموهبة، وأذن مرهفة تدرك الأصوات الجميلة. من بين الأطفال الذين اكتشفتهم: هانى شاكر، وهادى الجيار، وحمدى حافظ، وليلى حمادة، وماجدة حمادة، وسمير حسنى. كبر هؤلاء الأطفال وصاروا نجومًا لامعة. ظهرت موهبة هانى شاكر عندما أدى دور سيد درويش فى طفولته.

كانت تختار الأطفال مع لجنة متخصصة، وتهتم بطريقة تحكمهم فى أصواتهم، وتدردش معهم لاختيار المجتهد دراسيًا ليكون قدوة، ثم تُدرّبهم على الغناء.

أبلة فضيلة هى التى علّقت جيلنا بصوتها الطفولى الشجي. ومع انتشار التليفزيون، ظهر عدد من البرامج، مثل برامج سلوى حجازى، وعفاف الهلاوى، وماما سامية الشرابى، وبابا حسن شمس، ونجوى إبراهيم مع شخصية «بقلوظ» التى جذبت الأطفال بشدة. ومع ذلك، أرى أن بعض البرامج الحالية تفتقد حماس الطفل، رغم أهمية العرائس والمسابقات، بينما نفتقد برامج موجهة لليافعين.

لماذا؟.. لأن كثيرًا من الكُتاب الكبار لم يهتموا بالكتابة للطفل، نظرًا لضعف الأجر، فاتجهوا إلى الدراما.

والاسم الحقيقى لأبلة فضيلة هو فضيلة توفيق، شقيقة الفنانة محسنة توفيق، لم يوافق والدها على تركها المحاماة والعمل فى الإذاعة، لكنها أصرت على حلمها. ولو عُرض عليها تقديم برنامج تليفزيونى، لوافقت بالطبع، خاصة إذا تحولت الحكايات إلى دراما، رغم تفضيلها للإذاعة المصرية.

أما نجاح أعمال مثل «بوجى وطمطم» و«بكار»، فيعود إلى تكامل عناصر العمل من تمثيل وحوار وإخراج، إضافة إلى الشخصيات الجذابة والصراع الدرامى، وارتباط «بكار» بشهر رمضان، ما جعله علامة مميزة.

الطفل كبطل للعمل الفنى يظل ظاهرة نادرة؛ فالطفولة مرحلة قصيرة، ومع المراهقة يختفى كثير من الأطفال الموهوبين.

من صفات مذيعة برامج الأطفال: روح الأمومة، والاطلاع على المناهج التربوية، وعلم النفس، ومراحل النمو الإدراكى.

وعندما قابلتها أهديتها نسخة من مجلة قطر الندى وكتابين، فتصفحتهما بروح طفولية، ولاحظت أن الكتب لا تشير إلى المرحلة العمرية، وهو أمر مهم لمساعدة الآباء، كما أشارت إلى ضرورة وجود موضوعات علمية تشجع الابتكار.

نفذنا اقتراحها بالتعاون مع قصور الثقافة ووزارة البحث العلمى، واستضفنا أطفالًا لعرض أفكارهم ومخترعاتهم، وأضفنا موضوعات يكتبها الأطفال بأنفسهم.

قالت: «لديكم فرصة زيارة المدارس وقصور وبيوت الثقافة، ولا بد من إعداد الأجيال الجديدة، فهى عنصر أساسى فى تحرير المجلة».

وعندما ذكرت أن لدينا لجنة قراءة من الأطفال المبدعين، انتبهت قائلة: «لجنة قراءة؟ أى لجنة تحكيم؟»

فأجبت: نعم ووصلت الأسطوانة.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة