رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«اتحاد الكتاب».. من أزمة الإدارة إلى سؤال الدور


9-4-2026 | 13:29

.

طباعة
بقلم: د. عمرو عبدالعزيز منير

تتجه الساحة الثقافية المصرية هذه الأيام إلى متابعة انتخابات مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر باهتمام ملحوظ، حيث تنشغل الأوساط الثقافية بالأسماء والتحالفات والنتائج المتوقعة. غير أن هذا الانشغال، على أهميته، يكاد يحجب السؤال الأكثر إلحاحًا: هل توقفنا لحظة لتقييم وضع الاتحاد نفسه؟ ليس بوصفه كيانًا إداريًا تُدار انتخاباته، بل باعتباره مؤسسة ثقافية يفترض أن يكون لها أثر مباشر فى تشكيل الوعى العام، وتوجيه الذائقة، والمشاركة فى صياغة المجال الثقافى.

 

ومن هنا تكتسب أهمية السؤال الذى طرحه أستاذنا الكبير إبراهيم عبدالمجيد على صفحته بوسائل التواصل الاجتماعى، حين أعاد فتح ملف بنية مجلس الإدارة، متسائلًا: لماذا ثلاثون عضوًا؟ وهل هذا العدد يخدم الفعل أم يعيقه؟ لقد لامس هذا التساؤل جوهر الإشكال، حيث إن هذا التكوين العددى الكبير يؤدى، فى كثير من الأحيان، إلى تشتت القرار وانقسام المجلس إلى مجموعات متفرقة، بما يضعف القدرة على بلورة رؤية موحدة أو الدفع بمشروع واضح إلى الأمام، فتتحول الاجتماعات إلى مساحات نقاش ممتد أكثر منها ساحات إنجاز فعلى.

غير أن التقاط طرف الخيط من هذا السؤال يقودنا إلى ما هو أبعد من البنية العددية. فالمشكلة، فى جوهرها، ليست فى عدد الأعضاء بقدر ما هى فى غياب المشروع الذى يوحّد هذا العدد، وفى افتقار آليات العمل إلى القدرة على تحويل التعدد إلى طاقة منتجة. فالمؤسسات لا تُقاس بكثافة تمثيلها، بل بفاعلية رؤيتها. وإذا غابت الرؤية، يصبح الاختلاف عبئًا بدلاً من أن يكون مصدرًا للقوة.

لكن الأزمة الأعمق لا تقف عند حدود الإدارة، بل تمتد إلى علاقة الاتحاد بالواقع الثقافى نفسه، لقد فقد الاتحاد، عبر سنوات طويلة، قدرته على بناء امتداد حى داخل الأجيال الجديدة. فنحن أمام فجوة واضحة بينه وبين جيل واسع من الكتّاب والقراء، حتى أصبح وجوده بالنسبة لكثيرين أمرًا هامشيًا أو غير معلوم. وهذا الانفصال لا يمكن تفسيره بضعف اهتمام الشباب، بل يرتبط بتحول المؤسسة إلى كيان تقليدى لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات العميقة التى طرأت على مفهوم الكتابة ووسائطها.

لقد تغيّر معنى «الكاتب» ذاته، لم يعد الكاتب ينتظر الاعتراف المؤسسى ليعلن حضوره، بل أصبح يصنع جمهوره عبر المنصات الرقمية، ويتفاعل مع قرّائه بشكل مباشر، ويشارك فى تشكيل النقاش العام بوسائل لم تكن متاحة من قبل. وفى هذا السياق، يصبح السؤال: هل استطاع اتحاد كتاب مصر أن يستوعب هذا التحول، أم أنه ما زال يتحرك داخل نموذج قديم لم يعد يعكس الواقع؟

والمفارقة أن الاتحاد يمتلك فى الوقت نفسه قوة ناعمة هائلة لم تُستثمر كما ينبغى، فله تاريخ رمزى عريق، وإصدارات، ووجود فى معارض الكتب، واسم يحمل وزنًا ثقافيًا معتبرًا، فضلًا عن بنية مؤسسية ممتدة تشمل فروعًا فى أغلب محافظات مصر، فى الصعيد والوجه البحرى، إلى جانب مقره الرئيسى ذى الموقع الاستراتيجى فى قلب العاصمة، بالمبنى التاريخى فى شارع حسن صبرى بالزمالك. وهى جميعًا عناصر تمنحه حضورًا ماديًا ورمزيًا كان يمكن أن يتحول إلى شبكة تأثير ثقافى واسعة، لا مجرد إطار إدارى محدود.

غير أن هذه الإمكانات، على اتساعها، لم تُفعَّل ضمن مشروع واضح قادر على استقطاب الأجيال الجديدة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق «الإدارة» إلى منطق «التشغيل الثقافي»، عبر خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تبدأ بفتح مسارات انضمام مبكر للشباب من خلال عضويات تمهيدية تحت مسمى «أصدقاء اتحاد الكتاب»، تكون بوابة للتعريف بالمؤسسة وربط الأجيال الجديدة بها.

ويمكن أن يتطور هذا المسار إلى برنامج متكامل يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: أولها محور التكوين، من خلال إطلاق ورش كتابة وإبداع منتظمة داخل مقر الاتحاد وفروعه فى المحافظات، بحيث تتحول هذه الفروع إلى مراكز حقيقية لاكتشاف المواهب، لا مجرد كيانات شكلية، وثانيها محور الإتاحة، عبر إنشاء منصة رقمية تحت مظلة الاتحاد تتيح نشر نصوص الشباب، ومناقشتها، وربطهم بجمهور أوسع، بما يواكب التحول فى أنماط النشر والتلقى.، أما المحور الثالث فهو محور التفاعل، من خلال تنظيم لقاءات دورية مباشرة بين كبار الكتّاب والشباب داخل الجامعات والمدارس، بحيث ينتقل الاتحاد إلى حيث يوجد جمهوره الحقيقى، لا أن ينتظر حضوره إليه.

وعلى هذا النحو، يمكن إعادة توظيف الانتشار الجغرافى للاتحاد ليصبح شبكة فاعلة فى تشكيل الوعى الثقافى، لا مجرد امتداد إدارى. فالفروع، إذا أُحسن تشغيلها، قادرة على خلق حراك ثقافى محلى فى المحافظات، يربط المركز بالأطراف، ويعيد توزيع الفعل الثقافى خارج العاصمة.

ولا يمكن إغفال البعد النقابى فى هذه المعادلة، فالاتحاد، بوصفه نقابة، مطالب بأن يقدّم خدمات حقيقية لأعضائه، تضمن كرامة الكاتب وتحسن من أوضاعه المهنية، وتعيد الثقة فى الانتماء إليه؛ إذ لا يمكن لأى مؤسسة أن تستعيد مكانتها بينما أعضاؤها لا يشعرون بأنها تمثلهم أو تدافع عن مصالحهم.

كما أن تطوير آليات الحوكمة داخل الاتحاد يمثل شرطًا أساسيًا لأى إصلاح، فالمسألة لا تتعلق فقط بالقرارات، بل بكيفية اتخاذها. والشفافية، والمشاركة، وإشراك الجمعية العمومية فى رسم التوجهات، كلها عناصر تعيد بناء الثقة، وتجعل المؤسسة كيانًا حيًا لا جهازًا بيروقراطيًا مغلقًا.

وفى ظل التحولات الكبرى فى وسائل التأثير، يحتاج الاتحاد أيضًا إلى استعادة حضوره الإعلامى، ليكون صوتًا فاعلًا فى القضايا التى تمس الوعى العام. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الكتابة، بل على مَن يمتلك القدرة على تشكيل الوعى، وهو ما يفرض على الاتحاد أن يكون حاضرًا فى المجال العام، لا غائبًا عنه.

وهنا تظهر أزمة أعمق تتعلق بطبيعة التفكير الثقافى نفسه؛ إذ إن العجز عن إنتاج أفكار جديدة لم يعد فقط نتيجة خلل مؤسسى، بل نتيجة انفصال عن الواقع الحى، والانشغال بأسئلة موروثة أكثر من مواجهة التحديات الراهنة. وعندما تغيب القدرة على قراءة الحاضر، يصبح المستقبل مجالًا مفتوحًا لغيرنا كى يصوغه وفق مصالحه.

لقد ورثنا شكلًا مؤسسيًا كان مناسبًا لزمنه، لكنه لم يعد قادرًا على استيعاب ما نحن فيه اليوم. فالمشهد الثقافى تغيّر، وأدوات التأثير تبدّلت، والجمهور لم يعد هو ذاته. والاستمرار فى العمل بالآليات القديمة لا يؤدى إلا إلى مزيد من التراجع. ومن هنا فإن تطوير الاتحاد لا يمكن أن يكون عملية تجميل، بل إعادة بناء تقوم على رؤية واضحة، ومشروع حى، وقدرة على الانخراط فى الواقع.

إن القضية، فى النهاية، ليست مَن يدير الاتحاد، بل ما الذى يديره الاتحاد. ليست فى الأشخاص، بل فى الفكرة التى تحركهم. فإذا غابت الفكرة، تساوت كل الأعداد، وفقدت كل المواقع معناها.

اتحاد كتاب مصر لا ينبغى أن يكون مؤسسة للصفوة فقط، بل بيت مفتوح لكل الأجيال، وجسر حى يصل بين مَن صنعوا مجد الكلمة، ومَن يسعون اليوم إلى كتابتها. وإذا كان الكاتب المصرى قد أسهم فى تأسيس الوعى الإنسانى منذ فجر التاريخ، فإن مسئوليتنا اليوم أن نعيد لهذه المؤسسة دورها، لا كحارس للماضى، بل كشريك فى صناعة المستقبل.

 

أخبار الساعة