رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النهج النبوى فى دحر التبعية ( 4 )


10-4-2026 | 10:48

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

الخطاب الدينى الصهيونى المتطرف يقدم نفسه كحق توراتى مقدس، بينما يقوم بتحميل الخطاب الإسلامى والمسيحى فى المنطقة تبعات التحريض على الكراهية والعنف والإرهاب!! نتوقف اليوم فى مقالنا الرابع من هذه السلسلة عند دور إسرائيل فى التلاعب بالحياة السياسية الأمريكية، مع التطبق على نموذج «إيباك»، حيث يبرز نموذج «اللوبى الصهيونى» كأرقى أشكال تنظيم المصالح الوطنية على الساحة الدولية، إن هذا الدور يمثل العنصر السادس من عناصر تشخيص الحالة الراهنة.

 

فمنذ تأسست «إيباك» وقد أنفقت أكثر من 28 مليون دولار، على تمويل حملات أعضاء الكونجرس فى دورة انتخابية واحدة (دورة 2025- 2026)، وهذه الآلة القوية قادرة على مكافأة الحلفاء ومعاقبة الخصوم والمعارضين، وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية وفقًا لخدمة المصالح الإسرائيلية.

أيضا هناك دور لـ«إيباك» فى دعم المشروع الإسرائيلي، -مشروع التحالف السداسى الجيوسياسى-، والذى لا يمكن فصله عن آليات الضغط، التى تمارسها (إيباك)، داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فاللوبى الصهيونى يعمل كذراع تنفيذية لترجمة هذه الرؤية الإقليمية إلى سياسات أمريكية رسمية، عبر عدة آليات، منها:

أولا، تشريع الدعم غير المشروط لإسرائيل، بالضغط المستمر لتأمين المساعدات العسكرية (مليارات الدولارات سنويا)، والدفاع عن إسرائيل فى الكونجرس.

ثانيا، تطبيع العدوان، بخلق غطاء سياسى للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

ثالثا، إضعاف الأصوات الناقدة باستهداف المرشحين المنتقدين لإسرائيل ماديا وإعلاميا.

والعنصر السابع فى تشخيص الحالة الراهنة، هو التطرف الدينى الصهيونى ومحاولة وصم المنطقة العربية بالتطرف!.. فالخطاب الدينى الصهيونى المتطرف يغلف المشروع الصهيونى كله، ويحاول أن يسعى لتقديم نفسه بوصفه حقا توراتيا مقدسا، بينما يحمل فى المقابل النسيج الإسلامى والمسيحى فى المنطقة أوصاف (التطرف والتحريض على الإرهاب)، وهى أكاذيب ممنهجة تهدف إلى قلب الحقائق، ويتجلى هذا فى تصريحات مسؤولين إسرائيليين يدعون إلى (تشجيع هجرة الفلسطينيين) خارج أرضهم، بينما يصفون أى مقاومة لهذه السياسات بأنها تحريض على الكراهية، ودعم العنف والإرهاب!

وفى المقابل تملك المنطقة تاريخًا حيًا للتعايش الإسلامى – المسيحى يمتد لمئات السنين، فى مواجهة السردية الإسرائيلية السابقة، فالحقائق التاريخية تؤكد أن وجود المسيحيين على أرض فلسطين ليس وجودا دخيلا أو طارئا، بل هو أصيل وممتد لأكثر من 14 قرنا، من التعايش تحت المظلة الإسلامية.

والثابت تاريخيا أن الخليفة الثانى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما دخل القدس عام 637 ميلادية لتسلم مفاتيح المدينة المقدسة والمحررة من بطريرك المسيحيين، وبعد فتح عمرو بن العاص لها، دخل كنيسة القيامة، ولما حان وقت الصلاة، طلب من البطريرك الصلاة، فأشار عليه بالصلاة حيث هو، ولكنه رفض، خوفًا من أن يتمثل المسلمون به فيصلون حيث صلى، ثم يتخذون الكنيسة مسجدًا، وخرج فصلى خارجها، وكتب وثيقة (العهدة العمرية لأهل إيلياء)، وهى وثيقة مهمة ضمنت حماية حقوق المسيحيين وكنائسهم وصلبانهم، وممتلكاتهم، وجاء فى الوثيقة أن اليهود لا يشاركون أهل إيلياء فيها، ولا يسكنون بها، وظلت الوثيقة لقرون ماضية ومنفذة، وتولت عائلتان مسلمتان أمر مفاتيح كنيسة القيامة، وهما (الجودة والنسيبة)، فى رمزية يومية للوصاية الإسلامية على المقدسات المسيحية.

هنا يبرز دور المدرسة الصوفية فى تعزيز التعايش، وهو دور مستمد من النهج النبوي، فقد لعبت الطرق الصوفية عبر التاريخ دورًا بارزًا فى تعزيز التعايش، حيث أسهمت الفرق الصوفية فيما مضى فى نشر الإسلام فى كثير من بقاع العالم، وكانت الفرق والطرق الصوفية فى طليعة المقاومة الثقافية للغزو الأجنبى للبلاد الإسلامية، وقاد بعض رجال التصوف وزعماء الطرق الصوفية الجهاد العسكرى المسلح فى جبهات كثبرة ضد المستعمر أو الغازى أو المحتل الأجنبي، وحدث هذا فى تونس والمغرب وموريتانيا والسنغال، وفى وسط آسيا، وفى ليبيا القريبة، حيث كان المجاهد عمر المختار من أبناء الزوايا السنوسية، لسيدى محمد بن على السنوسي، تلميذ سيدى أحمد بن إدريس، الشريف الحسني، وكان المجاهد عبد القادرالجزائرى فى الجزائر نموذجا آخر، وهو أول ناشر لكتاب ابن عربى المهم (الفتوحات المكية)، وهناك عشرات الأمثلة لشيوخ طرق كانوا رموزا للجهاد، كما كان أبو الحسن الشاذلى والعز بن عبد السلام وإبراهيم الدسوقى وأحمد البدوى وسيدى غازى وغيرهم من رموز الجهاد فى العصور الوسطى ضد الحملات الصليبية على مصر والشام.

فإذا انتقلنا إلى آليات التطبيق لتنفيذ خطة المواجهة للوبى الصهيونى المتغلغل عالميا وأمريكيا، فإنه ينبغى اتباع عدة استراتيجيات، أولها: استراتيجية التآكل البناء فى ظل الصراع، بمعنى أنه لا يمكننا انتظار انتهاء الصراعات لبدء بناء التكامل الإقليمى، وعليه يجب البدء فورا بخلق (تشابك مصلحى حتمى)، يفرض نفسه، إنها استراتيجية (التآكل البناء) لمنظومة الحرب، وتضع فى صميمها تعزيز مؤسسات الدولة الوطنية كشرط أساسى لأى تكامل إقليمى ناجح، وتعتمد تلك الاستراتيجية على عدة آليات أو مسارات، اقتصادية وصناعية وتقنية، وقانونية، ودبلوماسية حضرية، وتوحيد المواصفات، وأمنية، وروحية تربوية نبوية صوفية، وثقافية شعبية، وهو ما نتعرض له فى المقال القادم، وصولا لصياغة خريطة طريق مرحلية من الوعى إلى الاتحاد الكونفيدرالى استنادًا للدولة الوطنية القوية، والقوة الروحية النبوية الصوفية.. وللحديث بقية.

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة