الربيع فى الذاكرة الإنسانية هو رمز الازهار والتفتح على الحياة، بعد كمون الشتاء وبرودته يختفى البرد، وتشرق الشمس دون أن تكون صدارتها مرتفعة، تتفتح الزهور، وتتفتح النفوس والقلوب نحو الحب والسعادة. الشاعر العربى القديم يقول: «أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا»، وفى العصر الحديث كثرت الدواوين الشعرية عن الربيع، فضلاً عن الكثير من مظاهر الاحتفاء والبهجة، هناك أغنية شهيرة للربيع، كتبها الشاعر مأمون الشناوى وترنم بها فريد الأطرش، وثانية كتبها صلاح جاهين وتغنت بها سعاد حسنى. بعيدا عن الشعر والأغنيات، اختار د. طه حسين الربيع ليكون عنوانًا لأحد كتبه المهمة «رحلة الربيع»، والراحل د. عبدالرحمن بدوى حين وضع كتابًا عن نضج الفلسفة اليونانية مع سقراط وأفلاطون ثم أرسطو، أطلق عليه «ربيع الفكر اليونانى».
وانتقل الربيع من الطبيعة والأدب والفكر والفن إلى المجال السياسى، منذ منتصف القرن التاسع عشر فى أوروبا، حيث أزيحت الملكيات القديمة وقامت الثورة الفرنسية فارتبط بكل حالة يشعر معها الرأى العام وكبار المحللين بالتفاؤل، فى سنة 1968 قامت مظاهرات فى «براغ» ضد تسلط الحزب الشيوعى السوفييتى، أطلق عليها «ربيع براغ»، ولما تولى بشار الأسد حكم سوريا سنة 2000 خلفا لوالده، وتبنى فى بداية حكمه، بعض الخطوات الإصلاحية، قال المعلّقون إنه «ربيع دمشق»، وفى سنة 2011 حين انطلقت المظاهرات فى عدد من الدول العربية تطالب بالحرية وبالحياة الكريمة، قال الجميع «الربيع العربى»، دعك من أنه تكشف فيما بعد عن كابوس ثقيل وكئيب لم تخرج منه بعض البلدان إلى اليوم، الأحداث كلها بدأت بين شهور ديسمبر وفبراير، أى ذروة الشتاء فى البلاد العربية، لكن مع التفاؤل قالوا «الربيع العربى».
هذا العام بدأ الربيع بمعيار التقويم يوم 27 مارس لكن بمعيار الطبيعة لم يحل الربيع علينا، بل شتاء بالغ القسوة، فى الأيام الأولى من الربيع عشنا فى عواصف ترابية غير مسبوقة وأمطار غزيرة، وصلت إلى حد السيول فى بعض المناطق، مما حدا بالحكومة أن تقرر تعطيل الدراسة فى المدارس يومين متتاليين، ويكتفى بالدراسة عبر الإنترنت. بالنسبة لطلاب الجامعات أمر غير مسبوق على هذا النحو، والسبب أن العوامل المناخية لم تكن على هذا النحو فى السنوات والأجيال السابقة.
انتهت الأمطار والسيول لترتفع درجة الحرارة وكأننا فى عزّ الصيف، هكذا بلا مقدمات ولا تمهيد، هيئة الأرصاد تتوقع عودة الرياح والعواصف مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بنا نحن وحدنا فى مصر، لكنه شمل العديد من الدول حولنا، فى ليبيا على حدودنا الغربية وفى المملكة العربية السعودية على حدودنا الشرقية من ناحية البحر الأحمر وسيناء، فضلاً عن بعض دول حوض البحر المتوسط.
فى سبتمبر من العام 1962، صدر كتاب العالمة «راشيل كارسون» بعنوان «الربيع الصامت» كان من المقرر أن يصدر الكتاب سنة 1959، ولأسباب تتعلق بالمؤلفة تأخر صدوره، أحدث الكتاب هزة فى الولايات المتحدة وفى عدد من دول العالم، حذر الكتاب من الإسراف فى استعمال مادة الـ«دى.دى. تى» فى المبيدات الحشرية، وأن الإسراف فى هذه المادة وفى المبيدات يؤثر على المحاصيل الزراعية والفواكه على المدى البعيد، بما يهزّ صحة الانسان، فضلاً عن تهديد الحياة البرية والطبيعية كلها، وذهبت العالمة الكبيرة إلى أن الغابات فى النهاية يمكن أن تحترق وتتراجع الحياة الطبيعية والمناخ.
كانت تلك المادة شديدة السمية، وكثر استعمالها فى المجال الزراعى لتقضى على الحشرات التى تهدد بعض المحاصيل، مثل دودة القطن مثلاً، لكن أدركت العالمة الجادة أنها تؤثر على التوازن البيئى؛ إذ إنها سوف تؤدى إلى انقراض بعض الكائنات الحية بما يخلّ بنظام الطبيعة، فضلاً عن أن الآثار السامة تلحق بالتربة نفسها، فتؤثر على المحاصيل، ومدى تقبل التربة لبعض النباتات، الأرض تلفظ الجذور والبذور، مساحة الاخضرار تتراجع فى الطبيعة لصالح التصحر، علميًا تصبح الأشجار فى الغابات مهددة، وهذا يؤدى إلى زيادة معدل ثانى أكسيد الكربون فى الجو، وهو ما يؤثر على حياة الإنسان وصحته.
اعتُبر الكتاب حين صدر ثورة فى عالم الحفاظ على البيئة، بالطبع هاجم أصحاب الشركات التى تقوم على تصنيع تلك المواد وكذا العلماء الذين يعملون مع تلك الشركات، لكن إدارة الرئيس كينيدى وقتها أبدت تفهمها لمغزى الكتاب. مع مرور السنوات انتبه العالم إلى التحذير، وتوقف استعمال تلك المادة فى المبيدات الحشرية نهائيا، لكن المخاطر التى تحيط بالبيئة وتؤثر على المناخ العالمى ازدادت وتضاعفت بعد صيحة «الربيع الصامت».
التفجيرات النووية التى اتسع نطاقها، والصناعات الملوثة للبيئة، قطع الأشجار وحرائق الغابات، الإسراف فى استعمال المواد الكيماوية، فى مواد التجميل وفى بعض المواد الغذائية والملابس وغيرها كل هذا راح يهدد المناخ العالمى، ونتذكر قبل سنوات حكاية «ثقب الأوزون» الذى راح يتسع، الأمر الذى جعل درجة الحرارة ترتفع بصورة غير مسبوقة والبرودة تزداد كذلك فى الشتاء، بما يهدد صحة الإنسان ويزيد معدلات الأمراض.
انتبهت الدول الكبرى والصغرى، الأمم المتحدة أيضا أخذت الأمور بجدية وتعقد مؤتمر المناخ سنويا، قبل عامين استضافت مصر المؤتمر الكبير فى شرم الشيخ.
ولكن رغم هذه الجهود فإن دولاً كثيرة لا تلتزم بالقرارات التى تصدر عن قمة المناخ، خاصة الدول الصناعية التى قامت مصانعها وصناعاتها بتهديد المناخ والبيئة فعليا.
كتاب راشيل كارسون «الربيع الصامت» تحمس له الراحل د. أحمد مستجير، ونقله إلى العربية بأسلوبه السلس بعد حوالى أربعين عاما من صدوره فى الولايات المتحدة، ويبدو أننا نعايش ما حذرت منه «كارسون» قبل 64 عاما، التصحر يزداد، ندرة الماء، انقلاب مناخى، صار الصيف زمهريرًا بالمعنى الحرفى، والربيع لم يعد له وجود تقريبا، باستثناء ابتهاجنا واحتفائنا به، أما على المستوى المناخى والطبيعى فإن بيانات هيئة الأرصاد الجوية يوميا تغنينا عن أى قول أو تحليل، كما يقال فى المثل الشعبى «العينة بينة».
المشكلة فى منطقتنا لا تتوقف على التغيرات المناخية والطبيعية فقط، لكن تضاف إليها الحروب المتكررة التى لا تتوقف أبدا.
منطقتنا هى الوحيدة فى العالم التى تتناسل وتتكاثر فيها الحروب، كما الأرانب، حربًا وراء حرب، دون توقف أو فاصل لالتقاط الأنفاس.. فى غزة حرب دامية وإبادة حقيقية.
من أكتوبر 2023 وحتى منتصف العام الماضى، وما إن توقفت بعد جهود مضنية بذلتها الدولة المصرية مع قطر وتركيا، حتى نشبت حرب إيران الأولى، وكانت قصيرة، استمرت 12 يوما، كان ذلك فى شهر يونيو الماضى، ومع يوم 28 فبراير، هذا العام تجددت الحرب وهى مستمرة إلى اليوم، بصورة أعنف وأوسع امتدت لتمس ثمانى دول عربية مجاورة.
هذه الحروب تُستعمل فيها ذخائر وأسلحة لا يعرف كثيرون مدى خطورتها على البيئة والطبيعة، الأمر الذى أدى إلى ازدياد معدلات الأمراض بعدد من دول المنطقة، فى غزة استُعملت ذخائر أدت إلى تبخر بعض الجثث، الآن فى إيران هناك عدة مفاعلات نووية مثل مفاعل «بوشهر» وقد تعرضت هذه المفاعلات للعديد من الهجمات والغارات القوية عليها مباشرة أو قريبة منها، صحيح أن هيئة الطاقة الذرية تؤكد أنه لم يثبت ارتفاع فى معدلات الإشعاعات، لكن هذه الهيئة ليست موجودة على الأرض ولا فى ساحة القتال، ولا أحد يدرى ماذا يمكن أن يقع على المدى البعيد من جراء تلك الذخائر التى قد لا تعرف مدى خطورتها، ثمة أحاديث عن قنابل منضبة باليورانيوم، استعملت من قبل فى حرب العراق سنة 2003، وظهرت مخاطرها الصحية والطبية فيما بعد على المواطنين والمواطنات، فضلاً عن التدمير البيئى لبعض المناطق فى العراق الشقيق.
ولم يستبعد بعض العلماء أن تكون كثرة الزلازل والهزات الأرضية فى عدد من بلدان المنطقة بسبب الإسراف فى استعمال تلك الأسلحة، القنابل الثقيلة التى تخترق أعماق الأرض، ومن يدرينا مدى الأضرار التى تحدثها بالقشرة الأرضية.. وثمة أحاديث غير مؤكدة عن قنابل نووية صغيرة تكتيكية تستعمل فى صمت. فى العام الماضى شنت إسرائيل غارة على مخزن للسلاح فى شمال سوريا، صدرت عنه نيران صفراء، وأعقبته هزة أرضية امتدت حتى قبرص، وقيل يومها إنه استُعملت فى ضرب المخزن قنبلة من هذا النوع، أو أن المخزن كانت به مواد محرمة.
صحيح أن الزلازل موجودة طوال التاريخ، لكنها لم تكن متكررة على هذا النحو، ولا كانت أضرارها بهذا الشكل، على البشر والحياة الإنسانية.
وقد دعت مصر دومًا إلى ضرورة تجنب القتال والعمل على خفض التصعيد وإحلال السلام، وقد يرى البعض أن هذه الدعوة وما يرافقها من جهد دبلوماسى ضخم، تهدف إلى حقن الدماء وصيانة دماء وأرواح المواطنين وهذا حق وصدق تماما، لكن المخاطر التى تدركها مصر أبعد من تلك الآثار أو النتائج المباشرة للحروب، هناك آثار غير مباشرة وبعيدة المدى، قد لا يتوقف البعض عندها.
حين يذكر الدارسون الحرب العالمية الثانية، فإنهم يتذكرون أرقام الضحايا، وعدد مَن فقدهم كل بلد، المجموع 55 مليونًا، ويذكر البعض التكلفة الاقتصادية للحرب، وإعادة الأعمار، الأرقام ضخمة بالفعل، لكن ماذا عن الآثار البيئية فى مناطق باليابان مثل هيروشيما وناجازاكى، أو مدينة درزون فى ألمانيا وغيرها وغيرها.
حروب المنطقة لها آثار بعيدة المدى، ولم تعد الآثار تتعلق بأطراف القتال المباشر فقط، لكن النتائج الاقتصادية تضم الجميع، والآثار البيئية والمناخية تشمل الكل، نحن تأثرنا اقتصاديا بحرب أوكرانيا وروسيا، وتأثرنا بكوفيد - 19 رغم أنه لم يظهر عندنا أولا، ولا كنا طرفًا فى انتشاره.. وهكذا الحرب الحالية والحروب السابقة والتالية، وإن كنا نتمنى أن لا تكون هناك حروب أخرى.
العوامل الطبيعية والمناخية مع عنصر الحروب التى لا تتوقف فى المنطقة، ويبدو أنها لن تتوقف إلا بكارثة تفوق الخيال، هذه كلها تضعنا فى «الربيع الصامت»، أو لنكن أكثر صراحة، حياة وطبيعة بلا ربيع... التطرف الإنسانى، أيديولوجيا وحربيا، وصناعيا، يقضى على الاعتدال، ليس الاعتدال السياسى والمزاجى أو الثقافى والأخلاقى فقط، بل وكذلك اعتدال الطبيعة، نحن نشهد طبيعة بدأت تميل إلى التطرف، لا ترضى بالربيع ولا تريده ولا تقبل الخريف، طبيعة لا تعرف سوى جليد الشتاء، وزمهرير الصيف، كل منها ابتلع الربيع واعتدى عليه، والدليل ما عشناه الأسبوع الماضى.
ونتابع باستمرار تحذير العلماء من ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض، القطب الشمالى المتجه بدأ فى التحرك والذوبان، وهذا يعنى ارتفاعًا سنويًا فى المياه فى البحار والمحيطات حول العالم، عدد من المدن حول المتوسط مهددة بالغرق، شمال وجنوب المتوسط.. قد تكون هناك بعض المبالغات فى المخاوف، لكنها لا تصدر من فراغ، وليست مجرب تهيؤات ورؤى متشائمة، الحرارة ترتفع فعلاً، وهذا يعنى عمليا تبدل الحياة، وتراجع الاعتدال ومن ثم حياة بلا ربيع.. وهذا ما يجب أن نأخذه بجدية شديدة.
هل علينا أن نستسلم لتلك الحالة أو نتكيف معها، نقبل ونقف عاجزين، مغلوبين على أمرنا، أم يحاول الإنسان، عبر الدول ومنظمات المجتمع المدنى، مقاومة تلك الظاهرة، والعمل على العودة مجددا إلى الاعتدال، اعتدال النفوس والأفكار ومن ثم اعتدال التعامل مع الطبيعة ومع البيئة، حفاظا على المناخ والحياة الإنسانية العادية؟.. خلق الله الإنسان ليعمر الأرض، لا ليدمرها.