في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، يقف اسمه شاهدا على أن السلطة المطلقة حين تقع في يد طاغية مجنون، تتحول إلى كابوس كبير، يلتهم الأخضر واليابس، فهذا الإمبراطور الذي حكم روما من عام 54 إلى 68 ميلادية، كان طاغية غير عادي، وتجسيدا حيًا للقسوة والانحطاط الأخلاقي، وسلسالًا للدم المراق دوما في عهده، حتى أصبح اسمه مرادفا للطغيان والدموية في كل اللغات والثقافات والحقب التاريخية إنه نيرون «امبراطور النار والدم».
نشأة في أحضان الدم والمؤامرات
وُلد نيرون في 15 ديسمبر عام 37 ميلادية، لكنه لم يكن الوريث الشرعي للعرش، لكنه كان ابنا بالتبني للإمبراطور «كلوديوس» (1 أغسطس 10 ق.م - 13 أكتوبر 54 م)، و نشأ «نيرون» في بيئة ملوثة بالدماء والمكائد، حيث كان عمه كاليغولا«كايجولا» مثالًا حيًا على الجنون الإمبراطوري، فقد اشتهر بتعذيب معارضيه وإلقاء أجسادهم للوحوش، بل وصل به الأمر إلى تأليه شقيقته والزواج منها، وتعيين جواده أحد النبلاء.
«نيرون» ولد لأم طموحة لا تعرف الرحمة
كانت أم نيرون «أغربينيا»، امرأة طموحة لا تعرف الرحمة، نُفيت في عهد كاليغولا، لكنها عادت بعد تولي «كلوديوس» العرش، وبدأت تنسج خيوط مؤامرة محكمة لتوصيل ابنها إلى العرش، استخدمت كل الوسائل الممكنة: أقنعت «كلوديوس» بتبني نيرون، ثم زوجته من «أوكتافيا» ابنة الإمبراطور، ثم دبرت مقتل «كلوديوسا» بالسم عام 54 ميلادية، لتفتح الطريق أمام ابنها ليصبح إمبراطورًا وهو في السادسة عشرة من عمره.
من يحكم روما؟ صراع السلطة بين الأم والابن
في بداية حكمه، كان نيرون مجرد إمبراطور اسمي، و كانت أمه «أغربينيا»، تتحكم في كل شيء، و عهدت مهمة تربيته إلى «سينيكا» الفيلسوف المفوه، و«بوروس» قائد الجيش، ظنا منها أنها ستحكم من وراء الستار، لكن نيرون سرعان ما تعطش للسلطة الفعلية، وبدأ الصدام مع أمه.
نيرون يدبر مقتل الوريث الشرعي للإمبراطورية الرومانية
وكانت نقطة التحول حين هددته «أغربينيا» بإعادة العرش إلى «بريتانيكوس»، الوريث الشرعي «لكلوديوس»، و هذا التهديد أيقظ الوحش الكامن في «نيرون»، فدبر هذا الطاغية مقتل «بريتانيكوس» بالسم، ثم بدأ في تحجيم دور أمه، وأقصاها عن القصر الإمبراطوري، وخصص لها قصرا بعيدًا.
ولكن الصراع لم ينته عند هذا الحد، فحين قرر«نيرون» طلاق زوجته أوكتافيا والزواج من السيدة سيئة السمعة «بوبيه»، وقفت أمه ضده بشدة، مما دفعه إلى التخلص منها نهائيًا، دبر لها حادث غرق في رحلة بحرية، لكنها نجت بأعجوبة.، فأرسل إليها جنوده بقيادة صديق عمره «أنيكيتوس» ليقتلوها بالسيوف ثم يحرقوا جثتها، و ماتت «أغربينيا» وهي تلعن ابنها الذي ألقت به نقمة على الشعب وعلى روما.
عصر الدم والمجون
وبعد ما تخلص«نيرون» من أمه، انصرف إلى السكر والعربدة والمجون، وكان ينغمس في الحفلات الماجنة مع فتايات الليل، ثم يتنكر في زي العبيد وينزل إلى الطرقات يسرق ويمارس أعمال قطع الطرق، امتدت اغتيالاته لتطال كل من حوله: قتل زوجته «أوكتافيا» بعد أن طلقها وتزوج من بوبيه، ثم قتل «بوبيه» نفسها بضربها ضربًا مبرحًا حتى الموت، وأغرق ابنها، وقتل قائد جيشه الأمين «بوروس، ومعلمه الفيلسوف «سينيكا»، وأصدقاءه وأقاربه وضباطه.
وكان السم هو الوسيلة المفضلة لديه، وكانت تعده له سيدة محكوم عليها بالإعدام تُدعى «لوكوستا»، وعدها «نيرون» بإطلاق سراحها مقابل تحضير سموم قاتلة لا تترك أثراً بعد الموت.
الإمبراطور المغني والممثل
سيطر على«نيرون» وهم غريب بأنه مغنٍ وممثل بارع ولاعب قيثارة ماهر، و كان يخرج إلى اليونان ويطوف مدنها يحصد الجوائز في التمثيل والغناء - جوائز لا تجرؤ لجان تحكيمها أن تنتقده أو تعطي الجائزة لغيره، و كان يسير في جيش من الممثلين والمغنين يحملون أوسمته ويدخل بها إلى روما دخول الجيش المظفر العائد من المعركة.
نشوب الثورات والانقلابات ضد «نيرون» في إيطاليا وأرمينيا وبلاد الغال
وكان العامة ينظرون للممثلين والمغنيين نظرة دونية باعتبارهم مهرجين، فزاد ذلك من حنق الشعب عليه، لكن«نيرون» لم يكن يأبه، ولم يعر أحدا اهتماما، انصرف عن شؤون البلاد تمامًا، مما أدى إلى نشوب الثورات والانقلابات ضده في إيطاليا وأرمينيا وبلاد الغال.
حريق روما.. الجريمة الكبرى
لكن أشهر جرائم«نيرون» على الإطلاق كان حريق روما الشهير عام 64 ميلادية، و راوده خياله أن يعيد بناء روما على هواه، فأشعل النيران التي بدأت من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير وانتشرت بشدة لمدة أسبوع في أنحاء المدينة، والتهمت عشرة أحياء من أصل أربعة عشر حيًا
وبينما كانت النيران تتصاعد والأجساد تحترق، وسط صراخ الضحايا وأنين المحتضرين، كان «نيرون» جالسًا في برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق الذي خلب لبه، وبيده آلة الطرب يغني أشعار «هوميروس» التي يصف فيها حريق طروادة. هلك في هذا الحريق آلاف من سكان روما، وتحولت العاصمة إلى رماد وأنقاض.
المسيحيون.. كبش الفداء
واتجهت أصابع الاتهام إلى«نيرون» بأنه المتسبب في الحريق المتعمد، وتعالت كراهية الشعب نحوه، احتاج«نيرون» إلى كبش فداء، فألصق التهمة بالمسيحيين، وبدأ أعنف موجة اضطهاد في تاريخ المسيحية الأولى.
وسيق أفواج من المسيحيين لإشباع رغبة الجماهير في رؤية الدماء، فقُدموا للوحوش الكاسرة أو أُحرقوا بالنيران أمام أهل روما، عاش المسيحيون في سراديب تحت الأرض وفي الكهوف، وذاقوا كل أصناف التعذيب الوحشي، و استمر الاضطهاد الدموي أربع سنوات، كان من ضحاياه «بولس» و«بطرس» اللذان قُتلا عام 68 ميلادية، وهما من قادة الجيل المسيحي الأول.
الانقلابات والمذابح .. وتزعم النبيل «بيزو»
شهدت فترة حكم «نيرون» محاولات انقلاب عديدة، أشهرها كانت على يد تنظيم سري ضم نبلاء وشعراء يتزعمه «بيزو» وهو أحد النبلاء حينذاك ، وكان ينظر إليه على أنه الإمبراطور القادم حال نجاح هذا الانقلاب، ولكن التنظيم انكشف، وألقي القبض على أعضائه، وسيقوا إلى أشد أنواع التعذيب، وكان من بين أعضاء التنظيم كانت سيدة تُدعى «أبيكاريس»، رفضت رغم التعذيب الوحشي أن تدلي بمعلومات عن رفاقها، وتحينت الفرصة وشنقت نفسها من الحبال التي كانت تُستخدم في ربطها، لتموت دون أن تخون رفاقها.
أجريت محاكمات في ساحات حدائق قصر« نيرون»، وسقط كل أفراد التنظيم في مذبحة عامة راح ضحيتها ما يقرب من خمسة آلاف شخص، وفي هذه الأثناء تذكر نيرون معلمه «سينيكا»، فزج اسمه في المؤامرة وأصدر عليه حكماً بالإعدام، وأمره أن يقتل نفسه بقطع عروقه، ونفذ الرجل العجوز الحكم ومات.
النهاية.. عدو الشعب
أدى انصراف«نيرون»عن شؤون البلاد وانغماسه في اللهو والدماء إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية وقتذاك، و قامت ثورات في بلاد الغال وإيطاليا وأرمينيا، وسادت الفوضى والحروب الأهلية، وحين ذهب«نيرون» إلى اليونان ليمارس هوايته في الغناء والتمثيل، اشتعلت الثورة بقيادة «فيندكس» أحد نبلاء فرنسا.
وانحسرت قوة « نيرون» وانصرف عنه أصدقاؤه وحاشيته، فهرب من قصره إلى كوخ بعيد لأحد خدامه، وهناك كان يبكي كثيرًا ويتذكر أمه ويقول إنها هي من جلبت عليه اللعنة، وظل مختبئا حتى شعر بأصوات سنابك الجنود تحوم حول المكان وبعد محاولات فاشلة بسبب خوفه من الموت، فما كان منه إلا أنه قرر أن يقتل نفسه، في 9 يونيو عام 68 ميلادية ومات الطاغية الذي أرهق روما بمجونه وجنونه، و« نيرون» هو القيصر الذي أشار إليه سفر الأعمال في (أعمال 25: 26) و (أعمال 26: 32) ، بالكتاب المقدس للمسيحيين.
قبل موت « نيرون» بأيام، أعلنه مجلس الشيوخ «عدو الشعب»، مخلفا وراءه إمبراطورية منهارة في حالة من الإفلاس نتيجة بذخه الشديد، والفوضى من كثرة الحروب الأهلية.
مات« نيرون»، لكن اسمه بقي في التاريخ رمزاً للطغيان والجنون والدموية، الإمبراطور الذي غنى بينما تحترق روما، والطاغية الذي قتل أمه ومعلمه وزوجاته وأصدقاءه، والمجنون الذي ظن أن السلطة المطلقة تعني حرية القتل والتعذيب دون حساب. لكن التاريخ أثبت أن الطغاة مهما طال بهم الزمن، تنتهي حياتهم نهاية مأساوية، ويبقى اسمهم وصمة عار في جبين الإنسانية.