رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

تحويلات المصريين بالخارج.. مكسب قرارات «تصحيح المسار»


4-4-2026 | 14:28

.

طباعة
تقرير: محمد رجب

«الثقة فى الاقتصاد المصرى» مؤشر مهم لعب دورًا كبيرًا خلال الفترة الماضية فى منح خطة الدولة المصرية للتنمية الشاملة أملاً فى تحقيق أهدافها، خاصة أن الاشادة باستقرار الوضع الاقتصادى المصرى لم تكن على مستوى المؤسسات الدولية فقط وتقييماتها، لكن على مستوى الأفراد والشارع المصرى الذى أبدى ثقته فى قوة مؤسسات الدولة المصرفية خاصة القطاع المصرفى، واتضح ذلك من خلال المؤشرات الاقتصادية التى أشارت إلى أن أبناء مصر فى الخارج أصبحوا لاعبًا مهمًا فى صمود الاقتصاد المصرى ورفع معدلاته من خلال تحويلاتهم التى أصبحت فى المرتبة الثانية لمصادر الدخل من العملة الأجنبية للسوق المصرى بعد الصادرات.

 

بالأرقام.. أسهمت تحويلات الخارج بشكل كبير فى ارتفاع الاحتياطى المصرى من النقد الأجنبى، حيث سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج قفزة قوية خلال العام المالى الجارى، لتؤكد عودتها كأحد أبرز مصادر النقد الأجنبى للبلاد. فوفق بيانات البنك المركزى المصرى، ارتفعت التحويلات بنسبة 28.4 فى المائة خلال أول 7 أشهر من العام المالى 2025-2026، لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، مقارنة بنحو 20 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، فيما سجلت على أساس شهرى نحو 3.5 مليار دولار خلال يناير 2026 بزيادة 21 فى المائة على أساس سنوى.

كما واصلت التحويلات تسجيل مستويات قياسية خلال عام 2025 بالكامل، حيث بلغت نحو 41.5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تاريخى، مقارنة بنحو 29.6 مليار دولار فى 2024، ما يعكس تحسنًا ملحوظًا فى تدفقات النقد الأجنبى.

وفى هذا السياق، قال الدكتور أحمد شوقى، الخبير المصرفى: هذه القفزة تمثل رقما تاريخيا غير مسبوق، وما يحدث لا يعكس مجرد زيادة رقمية، بل تحول هيكلى فى خريطة مصادر النقد الأجنبى داخل الاقتصاد المصرى، خاصة أن تحويلات المصريين بالخارج أصبحت تمثل العمود الفقرى لتدفقات النقد الأجنبى، متقدمة على مصادر تقليدية مثل السياحة وقناة السويس والصادرات، وهو ما يعكس نجاح السياسات النقدية فى استعادة الثقة داخل الجهاز المصرفى.

وأوضح أن «هذه النتائج جاءت مدعومة بتحسن مؤشرات القطاع المصرفى، حيث ارتفع الاحتياطى النقدى إلى نحو 52.6 مليار دولار، وقفز صافى الأصول الأجنبية خلال يناير الماضى 4 مليارات دولار ليسجل 29.5 مليار دولار، مقارنة مع 25.5 مليار دولار فى نهاية 2025، بما يعكس قدرة أكبر على امتصاص الصدمات وتوفير السيولة، موضحا أن هذا الأداء القوى جاء نتيحة قرارات على رأسها تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة، وهذه الخطوات أسهمت فى القضاء على السوق الموازية للدولار، ما دفع المصريين بالخارج لإعادة توجيه تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية».

«د. أحمد» أشار إلى أن «تحسن دخول العاملين بالخارج، خاصة فى دول الخليج العربى، إلى جانب التطور فى أنظمة التحويل الرقمية، وطرح أوعية ادخارية بعوائد جاذبة، كلها عوامل أسهمت فى دعم هذا الاتجاه، هذا فضلا عن أن استقرار سوق الصرف عقب تحرير الجنيه منح العاملين بالخارج مرونة أكبر فى التعامل مع مدخراتهم، سواء من خلال تحويل الدولار إلى الجنيه للاستفادة من العوائد المرتفعة، أو إعادة تحويله عند الحاجة دون مخاوف كبيرة».

وأضاف أن «التوترات الجيوسياسية فى المنطقة دفعت شريحة من المصريين بالخارج إلى اعتبار البنوك المصرية ملاذًا آمنًا لمدخراتهم، خاصة مع ارتفاع أسعار الفائدة مقارنة بالأسواق الخارجية، وهو ما شكّل حافزا إضافيا لزيادة التحويلات، كما أن هذه التدفقات أسهمت فى تعويض جزء من تراجع إيرادات قناة السويس خلال الفترة الأخيرة».

بدوره، أكد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادى، أن «تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خلال عام 2025، سجلت تدفقات قياسية، تعد الأعلى تاريخيا على الإطلاق على المستويين السنوى والشهرى، حيث سجلت خلال شهر ديسمبر الماضى نحو 4 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى شهرى، وما حققته تحويلات العاملين بالخارج من قفزة تاريخية يرجع لعدد من العوامل والأسباب أهمها نجاح السياسة النقدية التى اتبعها البنك المركزى خلال العامين الماضيين منذ قرار تحرير سعر الصرف فى مارس 2024، والتى أسهمت فى القضاء على السوق الموازى للعملة واستقرار سعر صرف الدولار مقابل الجنيه فى البنوك حتى استقر عند قرب الـ47 جنيها ولأشهر طويلة لم يرتفع سعره، وهذا أسهم فى زيادة ثقة المصريين العاملين بالخارج فى الاقتصاد الوطنى وزادت تحويلاتهم من أجل الاستفادة من سعر الفائدة المرتفع بالبنوك، مشيرا إلى أن السبب الثانى كان مبادرة طرح أراضٍ وعقارات بالعملة الأجنبية للمصريين بالخارج، ومع استمرار تقديم المزيد من المحفزات لهم ستتضاعف حصيلة التحويلات خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار تراجع سعر صرف الدولار فى البنوك».

«د. أشرف» لفت إلى أنه «خلال الفترة الأخيرة أصبح أهم مصادر دخل مصر من العملة الصعبة هو تحويلات المصريين العاملين بالخارج بعد الصادرات»، موضحا أن استمرار زيادتها أسهم فى ارتفاع الاحتياطى النقدى الأجنبى المصرى والذى بلغ نحو 52.6 مليار دولار بنهاية شهر يناير 2026، ما أسهم فى الاستقرار الاقتصادى وتعويض العجز التجارى للبلاد، هذا فضلا عن أن زيادة تحويلات العاملين بالخارج تسهم فى زيادة النقد الأجنبى بالجهاز المصرفى».

وأضاف أن «هذا الارتفاع يسهم فى زيادة قوة الجنيه وتراجع الدولار، وتوفير المواد الخام للصناعة المصرية مما يسهم فى تراجع أسعار السلع بالأسواق واستدامة تراجع معدل التضخم تدريجيا وتحقيق استقرار مالى حقيقى، وتسهيل التحويلات المالية للعاملين بالخارج عبر تطبيق إنستاباى فى بعض الدول، إضافة إلى قرار البنك المركزى بإصدار التراخيص لعدد من البنوك المصرية لتفعيل خدمة استقبال الحوالات المالية من الخارج وإضافتها فورا إلى حسابات العملاء عبر شبكة المدفوعات اللحظية، أسهم فى زيادة تحويلات العاملين بالخارج .

فى حين قال الدكتور عمرو صالح، مستشار البنك الدولى الأسبق: إن «تحويلات المصريين العاملين بالخارج شهدت أداء قويًا خلال شهر يناير الماضى، حيث سجلت نموًا بنسبة 21 فى المائة لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، مقارنة بـ2.9 مليار دولار فى نفس الشهر من العام السابق، لتصبح تحويلات المصريين بالخارج أهم مصادر النقد الأجنبى للدولة المصرية»، مشيرا إلى أن إجمالى التحويلات خلال الفترة من يوليو إلى يناير من العام المالى الحالى بلغت نحو 25.6 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 28.4 فى المائة، متوقعًا أن يتجاوز إجمالى التحويلات بنهاية عام 2026 حاجز الـ45 مليار دولار»، ومؤكدا أنها تمثل رقمًا صافيًا يدخل خزينة الدولة بخلاف الصادرات التى قد تتضمن مدخلات إنتاج مستوردة.

وأرجع الخبير الاقتصادى هذا الارتفاع الملحوظ إلى الإجراءات التصحيحية التى اتخذها البنك المركزى المصرى، وتحديدًا فى مارس 2024، والتى نجحت فى توحيد سعر الصرف والقضاء تمامًا على السوق الموازى، مشددا على أن «وجود سعر واحد وموحد للصرف عزز من ثقة المصريين بالخارج فى القنوات الرسمية، مما انعكس إيجابًا على استدامة موارد الدولة من العملة الصعبة وزيادة الاحتياطى النقدى الأجنبى ليتجاوز حاجز الـ52 مليار دولار».

ولفت إلى أن استمرار الاستقرار فى سوق الصرف وتحسن المؤشرات الاقتصادية، إلى جانب التوسع فى الخدمات الرقمية بالبنوك المصرية، وتسهيل إجراءات التحويل من الخارج، من المتوقع أن يدفع تحويلات المصريين بالخارج إلى تحقيق مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تزايد أعداد العمالة المصرية فى عدد من الأسواق الخارجية، لا سيما فى دول الخليج، مشيرا إلى إلى أن الحفاظ على هذا المسار الإيجابى يتطلب الاستمرار فى تقديم حوافز للمصريين بالخارج، وتوسيع قنوات الاستثمار الموجهة لهم، مثل شهادات الادخار الدولارية، والصناديق الاستثمارية، والمشروعات الوطنية التى تتيح لهم فرص المشاركة فى دعم الاقتصاد المصرى والاستفادة من العوائد الاستثمارية فى الوقت ذاته.

كذلك، أكد مستشار البنك الدولى الأسبق، أن «زيادة تحويلات المصريين بالخارج تؤكد ثقة المصريين بالخارج فى الاقتصاد المصرى، خاصة من خلال التعامل عبر النظام الرسمى والابتعاد عن النظام غير الرسمى والسوق السوداء، وذلك يعكس أيضا نجاح الدولة المصرية فى القضاء على السوق السوداء، فضلًا عن الحفاظ على استقرار سعر الصرف أمام الدولار رغم الارتفاعات الأخيرة التى شهدها»، موضحا أنه برغم هذه الارتفاعات إلا أنه يعد مستقرا كونها ارتفاعات منطقية فى توقيت حرج تمر به المنطقة، وفى الوقت ذاته لم يظهر أى نظام غير رسمى خلال هذه الفترة، بما يؤكد حرص الدولة على عدم عودة السوق السوداء، كما أن إتاحة المنتجات داخل مصر منحت المواطنين الثقة بأن ما حدث فى السنوات السابقة لن يتكرر.

وأضاف أن «عنصر الأمان يمثل عاملًا حاسمًا، حيث يرى المصريون فى الخارج أن مصر دولة آمنة ومستقرة، وهو ما يعزز من توجههم لتحويل أموالهم إلى الداخل»، لافتا إلى أن المصريين العاملين بالخارج يدركون أيضا أن الدولة المصرية تشهد معدلات نمو مرتفعة، مما يدفعهم إلى تحويل أموالهم لأسرهم داخل البلاد بهدف الاستثمار أو تلبية الاحتياجات المختلفة، ومؤكدا أن ذلك يعكس نجاح الدولة فى ترسيخ حالة من الثقة لدى المواطنين.

«صالح»، فى سياق حديثه، لفت إلى أن «هذه التحويلات تسهم فى دعم استقرار سعر الصرف، خاصة فى ظل الظروف الراهنة التى تمر بها منطقة الشرق الأوسط ولا سيما مع خروج الأموال الساخنة، حيث تمثل تحويلات المصريين بالخارج عنصر توازن مهمًا يحد من تراجع سعر الصرف، كما تساعد الدولة على تلبية احتياجاتها من استيراد الطاقة والسلع الأساسية»، مشددًا على أن الحفاظ على استمرار ارتفاع التحويلات يتطلب مواصلة نفس النهج الحالى، وفى مقدمتها ترسيخ حالة الاستقرار والأمان.

كما أشار إلى أن هذه العوامل لا تشجع المصريين فقط، بل تدفع أيضا المستثمرين العرب والأجانب إلى توجيه تحويلاتهم واستثماراتهم إلى مصر، لافتًا إلى أنه مع انتهاء الأزمات الإقليمية، وعلى رأسها التوترات المرتبطة بحرب إيران، ستتزايد الاستثمارات العربية فى السوق المصرية، خاصة بعد أن أثبتت الدولة قدرتها على الحفاظ على الاستقرار، ومؤكدا أن استمرار القضاء على السوق السوداء يعزز من ثقة المصريين بالخارج، ويدفعهم لمواصلة تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية.

من جهته، أوضح الدكتور هشام إبراهيم، الخبير فى أسواق المال، أن الزيادة الكبيرة فى تحويلات المصريين خلال عام 2025 جاءت نتيجة مباشرة لاستقرار سوق الصرف بعد تطبيق سياسة مرنة لتسعير الجنيه، وقرار تحرير سعر الصرف، رغم ما صاحبه من انخفاض فى قيمة العملة، كان خطوة ضرورية للقضاء على السوق الموازية وتوفير النقد الأجنبى لتلبية احتياجات الاقتصاد، وهذه الإجراءات أسهمت فى توجيه التحويلات إلى القنوات الرسمية بدلًا من السوق غير الرسمية، كما أدت إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمى والموازى، ما عزز ثقة المتعاملين فى القطاع المصرفى وأسهم فى زيادة التدفقات الدولارية.

وتوقع «د. هشام» استمرار النمو فى تحويلات المصريين بالخارج خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا باستقرار السياسات النقدية واستمرار الفجوة الإيجابية فى أسعار الفائدة، إلى جانب الطلب المستمر على العمالة المصرية فى الخارج، مشددا على أهمية توجيه جزء أكبر من هذه التحويلات نحو الاستثمار الإنتاجى، بما يسهم فى دعم النمو الاقتصادى وتعزيز الاستدامة، بدلًا من الاقتصار على الادخار فى القنوات التقليدية.

وأوضح أن «تسجيل التحويلات نحو 25.6 مليار دولار خلال أول سبعة أشهر من العام المالى 2025-2026، بمعدل نمو 28.4 فى المائة، يمثل إشارة قوية على استعادة الثقة فى القنوات الرسمية لتحويل الأموال، خاصة فى ظل الإجراءات الإصلاحية التى اتخذتها الدولة خلال الفترة الماضية لضبط سوق الصرف وتعزيز الشفافية».

وأضاف أن «النمو الملحوظ على المستوى الشهرى، وارتفاع تحويلات يناير بنسبة 21 فى المائة لتصل إلى 3.5 مليار دولار، يعكسان استمرار الزخم الإيجابى، وهو ما يدعم استقرار سوق النقد ويخفف الضغوط على العملة المحلية»، مشيرا إلى إلى أن تحويلات المصريين بالخارج تظل صمام أمان للاقتصاد المصرى، حيث تسهم بشكل مباشر فى توفير السيولة الدولارية، وتحسين ميزان المدفوعات، فضلًا عن دعم قدرة الدولة على تلبية الاحتياجات الاستيرادية وتمويل الأنشطة الاقتصادية.

كما أكد «د. هشام» أن استمرار هذا الاتجاه الصاعد مرهون بالحفاظ على استقرار السياسات النقدية، وتقديم حوافز إضافية للمصريين بالخارج، مثل تسهيل الإجراءات البنكية وتقديم أوعية ادخارية واستثمارية جاذبة، لافتًا إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية تعزز من جاذبية السوق المصرى أمام المستثمرين، خاصة إذا ما تزامنت مع تحسن فى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، ما يفتح المجال أمام مرحلة أكثر استقرارًا ونموًا فى الاقتصاد المصرى خلال الفترة المقبلة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة